منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تل الورد.. قرية سورية تبحث عن عودة آمنة بعد سنوات الحرب والنزوح

13 مايو 2026
طفلة سورية تنظر إلى قريتها تل الورد بعد عودتها مع أسرتها
طفلة سورية تنظر إلى قريتها تل الورد بعد عودتها مع أسرتها

لم تعد قرية تل الورد في ريف الحسكة السورية مجرد قرية حدودية عاد إليها بعض العائلات بعد سنوات من النزوح، فهي اليوم نموذج مكثف لمعاناة قرى خطوط التماس في شمال وشرق سوريا؛ حيث لا ينتهي أثر الحرب بتوقف القصف المباشر، بل يستمر في البيوت المهدمة، والطرقات المهجورة، والذخائر غير المنفجرة، وانقطاع الكهرباء والمياه، وغياب المدارس، والخوف الدائم من تجدد الهجمات.

تقع تل الورد ضمن منطقة شديدة الحساسية في ريف الحسكة، قرب خطوط التماس بين مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا من جهة، والقوات الحكومية السورية من جهة أخرى. ومنذ أكتوبر 2019، عاشت قرى زركان، ومنها تل الورد، تحت ضغط متكرر من القصف والنزوح وانعدام الاستقرار.

وتُظهر الوقائع الميدانية أن الأزمة في تل الورد ليست فقط أزمة دمار عمراني، بل أزمة حماية وعودة وكرامة، فالعائلات التي بدأت تعود تدريجياً إلى القرية لا تجد أمامها حياة طبيعية جاهزة، بل منازل مدمرة، مياه نادرة، مدرسة متضررة، طرق غطتها الأعشاب، وذخائر غير منفجرة يخشى الأهالي أن تتحول مع حرائق الصيف إلى مصدر موت جديد.

قرية على التماس

منذ عام 2019، تحولت القرية إلى واحدة من أكثر مناطق ريف الحسكة تعرضاً للتوتر العسكري، فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان في يناير 2024 قصفاً طال قرى عدة في ريف أبو راسين، بينها تل الورد، إلى جانب قرى دادة عبدل، أم حرمل، الربيعات، المشيرفة، الأسدية والبوبي، وهذا يوضح أن القرية ليست حالة معزولة، بل جزء من حزام قرى يعيش تحت تهديد متكرر.

وتعود جذور هذا الواقع إلى العمليات العسكرية في شمال شرقي سوريا في 2019 التي تسببت في نزوح مئات الآلاف ومقتل عشرات المدنيين، كما فتحت مرحلة طويلة من عدم الاستقرار في مناطق التماس بين القوات الحكومية، وقوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية من جهة أخرى.

وتفيد قاعدة بيانات Airwars الخاصة بتوثيق الأذى المدني بأن محيط زركان/أبو راسين شهد هجمات بالقذائف والهاون منذ ديسمبر 2019، بينها حادثة في تل الورد أسفرت عن مقتل مدني واحد، ويعزز ذلك شهادات الأهالي عن أن القرية عاشت منذ السنوات الأولى للنزاع تحت تهديد مباشر ومستمر.

دمار يطيل النزوح

خلال سنوات القصف، تعرضت تل الورد لدمار واسع، فقد تضررت منازل، وتعطلت بنى أساسية، وهُجرت الطرقات لفترات طويلة حتى غطتها الأعشاب والأشواك، ومع تراكم الدمار، تحولت القرية إلى مكان صعب العودة إليه، لا بسبب الخوف وحده، بل بسبب غياب شروط الحياة اليومية.

هذا المشهد يتقاطع مع تقارير حقوقية أوسع عن شمال شرقي سوريا، فقد قالت هيومن رايتس ووتش إن الضربات على البنية التحتية المدنية في شمال شرقي سوريا ألحقت أضراراً بمنشآت الكهرباء والمياه والنفط، وعمقت أزمة السكان في الوصول إلى الخدمات الأساسية، مؤكدة أن استهداف البنية التحتية الضرورية للحياة المدنية يهدد حقوق السكان ورفاههم.

وفي تقرير آخر، قالت هيومن رايتس ووتش إن الاشتباكات في شمال شرقي سوريا أحدثت أضراراً كبيرة في البنية التحتية والخدمات، ووضعت المجتمعات المحلية أمام انقطاع الكهرباء والرعاية الصحية والمياه، وهي ظروف تشبه ما يصفه أهالي تل الورد عند حديثهم عن حاجتهم الملحة إلى الماء والكهرباء قبل أن تصبح العودة واسعة ومستقرة.

عودة محدودة وحذرة

رغم كل التحديات، بدأت الحياة تعود بحذر إلى تل الورد، عاد حتى الآن نحو 10 عائلات إلى القرية، في خطوة يصفها الأهالي بأنها “عودة الروح إلى الجسد”.. عودة المواشي والدواجن إلى الأزقة المهجورة ليست تفصيلاً صغيراً هنا؛ فهي تعني محاولة استعادة نمط حياة ريفي كان قائماً على الزراعة وتربية الحيوانات قبل أن تقطعه الحرب.

أحد أخطر التحديات في تل الورد هو انتشار الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب في محيط القرية، ومع قدوم الربيع وكثافة الأعشاب، تصبح هذه المخلفات أقل وضوحاً وأكثر خطراً، خصوصاً على الأطفال والرعاة والمزارعين، ويحذر السكان من أن أي حريق في الصيف قد يؤدي إلى انفجارات تهدد حياة المدنيين.

ولا تبدو هذه المخاوف محلية فقط، فقد حذرت اليونيسف في تقرير حديث من أن مخلفات الحرب في سوريا تواصل قتل المدنيين بعد انتهاء المعارك المباشرة، مشيرة إلى أن الفترة بين ديسمبر 2024 وفبراير 2026 شهدت 1,891 ضحية مدنية بسبب الذخائر المتفجرة في سوريا، بينهم 698 قتيلاً و1,193 مصاباً عبر 1,051 حادثة موثقة.

كما أفاد تحديث قطاع الأعمال المتعلقة بالألغام في سوريا بأنه بين 1 ديسمبر 2025 و28 فبراير 2026 تم تسجيل 186 حادثة مرتبطة بالذخائر المتفجرة في أنحاء البلاد، أسفرت عن 298 ضحية مدنية، بينهم 112 قتيلاً، وتؤكد هذه الأرقام أن إزالة مخلفات الحرب ليست مسألة تقنية مؤجلة، بل شرط أساسي لعودة المدنيين إلى قراهم.

حلول بدائية خطرة

في غياب فرق متخصصة لإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، لجأ سكان تل الورد إلى وسائل بدائية لتقليل الخطر، مثل تغطية الأجسام المشبوهة بالحجارة لمنع الأطفال والمارة والمركبات من الاقتراب منها، لكن هذا الإجراء لا يوفر حماية حقيقية، ولا يمكن أن يحل محل تدخل مهني من فرق مختصة.

وتتوافق مطالب الأهالي مع المعايير الإنسانية الدولية التي تعد إزالة الألغام والتوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة من أولويات الحماية في مناطق العودة، فالألغام ومخلفات الحرب لا تمنع الزراعة فقط، بل تمنع الأطفال من الذهاب إلى المدرسة، وتمنع الرعاة من الحركة، وتمنع العائلات من إصلاح منازلها أو الوصول إلى أراضيها.

ويمثل نقص المياه أحد أكبر المعوقات أمام استقرار العائلات العائدة. فوفق شهادة أمينة، لا توجد آبار صالحة يعتمد عليها الأهالي، ما يضطرهم إلى شراء المياه في براميل، بسعر يتراوح بين 20 و30 ألف ليرة سورية للبرميل الواحد، وبالنسبة لعائلات تعتمد على الزراعة وتربية المواشي، يصبح شراء المياه عبئاً يومياً لا يمكن احتماله طويلاً.

وهنا يظهر أن إعادة الإعمار لا تعني بناء المنازل فقط. فالقرية تحتاج إلى منظومة خدمات: مياه، كهرباء، طرق، مدرسة، دعم زراعي، ومساعدة في ترميم المساكن. من دون ذلك، ستظل العودة فردية ومحدودة، في حين يبقى معظم السكان في النزوح أو التردد.

وتتلاقى هذه الاحتياجات مع تقييمات أممية أوسع، فقد ذكرت اليونيسف في تقريرها الإنساني عن سوريا لعام 2025 أن شمال شرقي سوريا يعاني من ظروف معيشية غير كافية، تشمل الملاجئ المتضررة ومحدودية الوصول إلى الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وهي عوامل تخلق مخاطر حماية مستمرة وتضغط على المجتمعات العائدة والنازحة.

مدرسة بلا أطفال

التعليم جزء آخر من أزمة تل الورد، وتشير تقارير اليونيسف إلى أن قطاع التعليم في شمال شرقي سوريا يعاني ضغطاً كبيراً، مع مدارس مكتظة، وأطفال عائدين يحتاجون إلى دعم أكاديمي ولغوي، واستمرار استخدام بعض المدارس مراكز إيواء للنازحين، وهذا يجعل ترميم مدرسة تل الورد مطلباً يتجاوز حدود القرية؛ لأنه جزء من أزمة تعليم أوسع في مناطق العودة.

إن بقاء الأطفال بلا تعليم يهدد مستقبل القرية نفسها. فالعودة التي لا توفر مدرسة آمنة لا تشجع العائلات على الاستقرار، خصوصاً الأسر التي تريد ضمان مستقبل أبنائها، لذلك، فإن إعادة تشغيل المدرسة قد تكون من أكثر الخطوات رمزية وفعالية لإقناع مزيد من السكان بالعودة.

ومن منظور حقوقي، تطرح حالة تل الورد أسئلة واضحة حول حماية المدنيين في مناطق التماس، فالقرية تعرضت لقصف متكرر، ونزوح، ودمار في الممتلكات المدنية، وحرمان من الخدمات، وانتشار مخلفات حرب تهدد السكان بعد عودتهم.

وقد دعت هيومن رايتس ووتش إلى وقف استهداف البنية التحتية المدنية في شمال شرقي سوريا، معتبرة أن الهجمات على منشآت المياه والكهرباء والنفط تهدد حقوق السكان الأساسية.

كما وصفت المنظمة في يناير 2025 ضربة من الجيش السوري استهدفت سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الكردي في شمال سوريا بأنها “جريمة حرب ظاهرة”، ما يعكس خطورة نمط الهجمات على المدنيين والمرافق الإنسانية في المنطقة.

وتشير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إلى أن ولايتها تشمل التحقيق في الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان منذ 2011، وتحديد الوقائع والظروف التي قد ترقى إلى جرائم، ومنها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بهدف ضمان المساءلة، وهذا الإطار الأممي يظل مهماً في تقييم الانتهاكات التي تطول المدنيين في مناطق مثل زركان وتل الورد.

ذاكرة لا تغادر

بالنسبة لسكان تل الورد، لا تقاس الخسارة بعدد المنازل فقط. فحجارة البيوت المهدمة تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية، والطرقات التي غطتها الأشواك تختصر سنوات من الغياب القسري، والماشية التي عادت مع أصحابها تمثل محاولة لإعادة الزمن إلى ما قبل النزوح.

هذا البعد الاجتماعي مهم جداً، فالعودة إلى تل الورد لا تعني إعادة سكان إلى منازلهم فقط، بل إعادة شبكة حياة مشتركة قطعتها الحرب. وإذا لم ترافق العودة ضمانات أمنية وخدمات وعدالة، فقد تبقى مجرد عودة رمزية لا تصمد أمام أول أزمة جديدة.

واليوم، تحتاج تل الورد إلى حزمة تدخلات عاجلة.. إزالة الذخائر غير المنفجرة، إصلاح شبكات المياه والكهرباء، ترميم المدرسة، دعم ترميم المنازل، توفير مساعدات زراعية ورعوية، وفتح طرق آمنة. كما تحتاج إلى ضمانات حقيقية بعدم تجدد القصف؛ لأن السكان لن يعودوا بأعداد كبيرة ما دامت القواعد العسكرية القريبة قائمة والتهديدات مستمرة.

ولا يزال الوصول الإنساني في سوريا يتأثر بالوضع الأمني والدمار ونقص الخدمات، وفي شمال شرقي سوريا تحديداً، تستمر تحديات المعيشة، من الملاجئ المتضررة إلى ضعف المياه والكهرباء والتعليم، ما يجعل عودة القرى الحدودية عملية صعبة تحتاج إلى تنسيق إنساني وميداني واسع.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية