منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

القضاة يُطردون.. أمريكا تعيد هندسة العدالة لصالح الترحيل الجماعي

09 مايو 2026
قوات أمريكية تطارد المهاجرين غير النظاميين
قوات أمريكية تطارد المهاجرين غير النظاميين

روى قاضي الهجرة السابق في ولاية ماريلاند ديفيد كويلش تفاصيل لحظة مفصلية دفعته إلى إعادة التفكير في موقعه داخل منظومة العدالة، بعدما وجد نفسه أمام مشهد ميداني وصفه بأنه صادم في شوارع مينيابوليس، حيث شاهد عناصر من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وإدارة الجمارك وحماية الحدود وهم يفرضون طوقاً أمنياً مسلحاً ويستخدمون الغاز المسيل للدموع وسط حضور مدنيين يصرخون في المكان.

نقلت صحيفة “الغارديان” عن كويلش أنه لم يذهب للاحتجاج، بل “فقط ليقف ويشهد”، لكنه انتهى إلى حالة جسدية ونفسية شديدة التأثر، إذ شعر بضيق في التنفس وغثيان وسقط على ركبتيه قبل أن يركض مبتعداً عن المكان.

وأوضح القاضي كويلش أنه عمل لسنوات داخل وزارة الأمن الداخلي قبل أن ينتقل إلى القضاء في محاكم الهجرة في بالتيمور، حيث تولى قضايا لجوء وتحقيقات مرتبطة بملفات أمنية، مؤكداً أنه أدى القسم ذاته الذي يؤديه عناصر إنفاذ القانون الذين رآهم في الشارع.

كشف أن استقالته جاءت قبل أشهر من الحدث، ضمن سياق أوسع من التغيرات داخل المنظومة الفيدرالية، حيث بدأت الإدارة، في تقديم عروض تعويضات للموظفين الفيدراليين الذين يُنظر إليهم بوصفهم معوقات أمام سياسات الترحيل.

وأشار كويلش إلى أن هذا التحول لم يكن معزولاً، بل ترافق مع نمط من فصل القضاة أو دفعهم إلى الاستقالة، ما خلق حالة من القلق داخل الجهاز القضائي المختص بالهجرة، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن إعادة تشكيل الأولويات القضائية.

تسارع الإقصاء

استعرض قاضي الهجرة في سان فرانسيسكو جيريميا جونسون لحظة إبلاغه بإنهاء خدمته بعد أن كان يباشر عمله بشكل طبيعي داخل المحكمة، حيث تلقى إشعاراً يفيد بفصله بالتزامن مع فصل قضاة آخرين في اليوم نفسه.

قال جونسون إنه حاول الوصول إلى نظامه الإلكتروني بعد تسلمه الإشعار، لكنه مُنع من الدخول إلى حسابه فوراً، ما جعل القرار يبدو حاسماً وسريع التنفيذ داخل المؤسسة القضائية.

وأوضح جونسون أن عمليات الفصل جاءت في سياق تقليص واسع داخل محكمة سان فرانسيسكو التي انخفض عدد قضاتها من 21 قاضياً إلى عدد محدود للغاية، وفق ما ورد في النص، قبل أن تُغلق المحكمة رسمياً وتُترك آلاف القضايا دون معالجة.

وكشف أن مذكرة صادرة عن مسؤولين في مكتب الهجرة حذرت مما وصفته بـ”التحيز لمصلحة الأجانب”، وهددت بإجراءات تأديبية بحق القضاة الذين لا يلتزمون بالتوجيهات الإدارية، ما أثار جدلاً واسعاً حول استقلال القضاء داخل هذا القطاع.

وأشار جونسون إلى أن القلق الأساسي لا يتعلق فقط بفقدان الوظائف، بل بما وصفه بأنه غياب التفسير الواضح لقرارات الفصل، وهو ما دفع مجموعة من القضاة إلى رفع دعوى قضائية ضد وزارة العدل للطعن في صلاحية الإنهاء دون سبب معلن.

وذكرت صحيفة الغارديان في سياق مقابلاتها مع قضاة حاليين وسابقين أن بعضهم ربط هذه الإجراءات بمحاولة أوسع لإعادة توجيه منظومة الهجرة نحو هدف الترحيل الجماعي، مع تراجع واضح في الضمانات الإجرائية التقليدية داخل المحاكم.

من جانبها، شهدت قاضية الهجرة السابقة كارمن ماريا ري كالداس على ما وصفته بمرحلة متقدمة من الضغط المؤسسي داخل محاكم الهجرة، مشيرة إلى أنها تلقت تقييمات مهنية إيجابية خلال فترة عملها، قبل أن يتم إنهاء خدمتها دون تقديم سبب واضح وفق روايتها.

قالت ري كالداس إنها تفاجأت بتلقي تعويض نهاية الخدمة بعد فصلها، معتبرة أن ذلك يعكس تناقضاً في موقف الحكومة التي لم تقدم تفسيراً رسمياً لقرار الإنهاء، وأوضحت أن القضاة الذين تم استبدالهم أو فصلهم كانوا في كثير من الحالات من ذوي الخبرة في قضايا الدفاع عن المهاجرين، رغم نفي الجهات الرسمية استهدافهم بناءً على خلفياتهم المهنية.

وكشفت القاضية السابقة أن الإدارة الفيدرالية اتجهت إلى تعيين محامين عسكريين في مواقع قضائية مؤقتة، ضمن خطة لتغطية النقص الناتج عن عمليات الفصل، رغم الانتقادات التي وصفت هذه الخطوة بأنها خروج عن الأعراف القضائية المستقرة.

وأشار كويلش إلى أن الضغط داخل النظام لم يكن جديداً بالكامل، إذ امتد، وفق رأيه، عبر إدارات مختلفة، لكنه أصبح أكثر حدة مع توسع سياسات الترحيل وتزايد الأهداف الرقمية المرتبطة به.

وأوضح كويلش أن الأثر الأعمق لهذه التغييرات لا يقتصر على القضاة أنفسهم، بل يمتد إلى بنية العدالة، خصوصاً مع تراكم أكثر من ثلاثة ملايين قضية داخل المحاكم، وارتفاع غير مسبوق في طلبات الطعن على الاحتجاز.

وكشف أن سياسات الترحيل شملت ترحيل أكثر من 605 آلاف شخص منذ بداية فترة رئاسية ثانية وفق ما ورد في النص، مع هدف معلن للوصول إلى مليون حالة ترحيل سنوياً، ما يعكس تحولاً كبيراً في أولويات النظام.

إعادة تشكيل العدالة

حذرت ري كالداس من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تقويض فكرة الحياد القضائي، مؤكدة أن الضغط على القضاة بات يشمل تهديدات مباشرة تتعلق بالترقية والاستمرار في الوظيفة.

وقالت إن بعض القضاة أُبلغوا بأن قرارات معينة قد تؤدي إلى إنهاء خدماتهم، ما خلق مناخاً من الخوف داخل المحاكم، حيث أصبح اتخاذ القرار القضائي مرتبطاً بالقلق من العواقب المهنية.

وأوضح كويلش أن ما يجري قد ينعكس خارج نطاق قضايا الهجرة، محذراً من أن تآكل استقلال القضاء في هذا المجال قد يفتح الباب أمام تأثيرات أوسع في النظام القضائي الأمريكي كله.

وكشف  أن بعض القضاة الحاليين يشعرون بأنهم أمام اختيارات صعبة بين الالتزام المهني وضغوط الإدارة، ما يعكس، بحسب تعبيره، حالة “نقطة انهيار” داخل المنظومة القضائية.

وأشار قاضي الهجرة السابق ديفيد كويلش إلى أن فقدان القضاة ذوي الخبرة قد يؤدي إلى فجوة في الخبرة القانونية داخل المحاكم، في وقت تتزايد فيه القضايا وتعقيدات النظام بشكل غير مسبوق.

اختتمت صحيفة الغارديان تغطيتها بالإشارة إلى أن القضاة الذين تحدثوا إليها اعتبروا أن ما يحدث يمثل تحولاً بنيوياً في إدارة العدالة داخل محاكم الهجرة، حيث تتقاطع السياسة مع القضاء في مساحة باتت أكثر حساسية من أي وقت مضى.