منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد سلسلة من الإجراءات.. قلق حقوقي إزاء تصاعد التضييق على الحريات في تونس

08 مايو 2026
قلق حقوقي إزاي تصاعد التضييق على الحريات في تونس
قلق حقوقي إزاي تصاعد التضييق على الحريات في تونس

تثير القيود المتزايدة على الحقوق والحريات في تونس قلقًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية، مع تصاعد التحذيرات من تأثير هذه الإجراءات على الحيز المدني، وحرية التعبير، واستقلال العمل الحقوقي، وضمانات سيادة القانون.

ويأتي هذا القلق في وقت تشهد فيه البلاد سلسلة قرارات وإجراءات استهدفت منظمات مجتمع مدني وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، وسط اتهامات للسلطات بتوسيع أدوات الرقابة والملاحقة.

ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السلطات التونسية إلى إنهاء ما وصفه بـ“الإجراءات القمعية” ضد المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

وقال إن استمرار القمع والقيود المفروضة على الحيز المدني يقوِّض الحقوق المحمية بموجب الدستور التونسي والتزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وجاء الموقف الأممي بعد قرار السلطات التونسية تعليق نشاط الفرع المحلي لمنظمة “محامون بلا حدود” لمدة 30 يومًا في مايو الجاري، بذريعة مخالفة تنظيمية، وذلك بعد أيام من قرار مماثل طال الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي من أعرق المنظمات الحقوقية في المنطقة، وعضو في رباعي الحوار الوطني الحائز جائزة نوبل للسلام عام 2015.

حيز مدني ضيق

ترى مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن قرارات التعليق الأخيرة لا تبدو معزولة عن سياق أوسع، بل تأتي ضمن نمط متكرر تستخدم فيه السلطات مبررات مرتبطة بالتمويل والتدقيق المالي والتنظيم الإداري للحد من عمل منظمات المجتمع المدني.

وحذّر تورك من اتجاه متصاعد نحو استخدام العقوبات القضائية لتقييد الحق في حرية تكوين الجمعيات، دون مراعاة كافية لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.

وتقول منظمات حقوقية إن هذا النمط يضعف قدرة الجمعيات المستقلة على مراقبة الانتهاكات، ودعم الضحايا، وزيارة السجون، وتقديم المساعدة القانونية.

واعتبرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان أن تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إجراء خطير يمس جوهر سيادة القانون، ويهدف عمليًا إلى تعطيل قدرة المنظمة على أداء دورها الرقابي.

كما نددت منظمة HuMENA بتعليق نشاط “محامون بلا حدود” في تونس في 5 مايو، معتبرة أن القرار يقيّد الحيز المدني ويؤثر على الوصول إلى العدالة، خصوصًا أن المنظمة تعمل في مجالات الدعم القانوني وحقوق الإنسان.

الصحافة تحت ضغط

لا يقتصر التضييق على الجمعيات والمنظمات الحقوقية، بل يمتد إلى وسائل الإعلام والصحفيين، فقد حذّرت مفوضية الأمم المتحدة من قيود متزايدة على الإعلام في تونس، مشيرة إلى توقيف الصحفي زياد الهاني بعد انتقاده قرارات قضائية وإعلاميين وقضاة، قبل أن تصدر محكمة تونسية في 7 مايو حكمًا بسجنه عامًا واحدًا.

وكان الهاني قد أوقف في أبريل 2026 بعد نشر مقال ينتقد القضاء، وفق ما نقلته رويترز عن محاميه، وأدانت نقابة الصحفيين التونسيين توقيفه، معتبرة أنه جزء من حملة أوسع تستهدف حرية التعبير.

وتقول مفوضية الأمم المتحدة إن 28 صحفيًا آخرين أوقفوا خلال العام السابق، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن لفترات متفاوتة على خلفية أنشطتهم المهنية.

وربطت المفوضية بعض هذه الملاحقات بالمرسوم الرئاسي الصادر عام 2022 بشأن مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وهو نص تعرض لانتقادات واسعة بسبب استخدامه ضد صحفيين ونشطاء ومعارضين.

مرسوم يقيّد التعبير

يمثل المرسوم 54، الصادر في 2022، أحد أبرز أدوات الملاحقة في قضايا التعبير عبر الإنترنت، وتقول منظمات حقوقية إنه يتضمن تعريفات فضفاضة لعبارات مثل “الأخبار الزائفة” أو “الإساءة للغير”، ما يفتح الباب أمام تجريم النقد السياسي والصحفي، ويضعف الضمانات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير.

وقد سبق أن صدرت أحكام بالسجن بحق صحفيين تونسيين على خلفية انتقاد الحكومة أو مسؤولين، في إطار أوسع من الملاحقات التي طالت إعلاميين ومعارضين ونشطاء.

وتربط هذه المخاوف بتحولات سياسية بدأت في يوليو 2021، عندما جمّد الرئيس قيس سعيد البرلمان ثم حكم بمراسيم، قبل حل المجلس الأعلى للقضاء وإقالة عدد من القضاة في 2022.

قضاء واستقلال مهددان

تثير الملاحقات القضائية ضد صحفيين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان تساؤلات متزايدة بشأن استقلال القضاء في تونس، فقد أشارت تقارير حقوقية إلى توسع الاعتقالات ذات الطابع السياسي، واستهداف محامين وقضاة وصحفيين ونشطاء، في تراجع حاد عن مكاسب ما بعد ثورة 2011.

وفي تقرير سابق، قالت هيومن رايتس ووتش إن تونس وسّعت استخدام الاعتقالات ذات الدوافع السياسية، وإن أكثر من 50 شخصًا محتجزون على خلفيات سياسية، بينهم 22 تعسفيًا، و14 يواجهون اتهامات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، كما دعت المنظمة شركاء تونس الدوليين، ومنهم الاتحاد الأوروبي، إلى إعادة تقييم علاقاتهم معها على ضوء تراجع الحقوق.

وتؤكد الأمم المتحدة أن أي قيود على حرية التعبير أو تكوين الجمعيات يجب أن تكون استثنائية، ومستندة إلى قانون واضح، وضرورية ومتناسبة لتحقيق هدف مشروع، وغير تمييزية، ومصحوبة بضمانات قانونية ورقابة قضائية فعالة، ويعني ذلك أن الإجراءات الإدارية أو القضائية لا يجوز أن تتحول إلى أداة لإسكات النقد أو تعطيل الرقابة المدنية.

وفي خلاصة موقفه، شدد فولكر تورك على أن الحفاظ على سيادة القانون في تونس يتطلب ضمانات مؤسسية أقوى، وحماية الحيز المدني، وإصلاحًا تشريعيًا شاملًا قائمًا على الحقوق، بما يتماشى مع التزامات البلاد الدولية، وهذا يعني، عمليًا، مراجعة القوانين التي تُستخدم لتجريم التعبير أو تقييد الجمعيات، وضمان استقلال القضاء، ووقف الملاحقات ذات الطابع التعسفي.