لا تبدأ مأساة المهاجرين في ليبيا عند لحظة اعتراض قارب في البحر، أو عبور طريق صحراوي طويل، أو الوقوع في قبضة شبكة تهريب، بل تبدأ غالبًا عندما يفقد الإنسان أي سند قانوني يحميه، ويصبح وجوده نفسه سببًا كافيًا للحرمان من الحرية.
في هذه اللحظة، لا يعود المهاجر مجرد عابر يبحث عن أمان أو عمل أو فرصة نجاة، بل يتحول إلى شخص مكشوف أمام منظومة معقدة من الاحتجاز، والابتزاز، وسوء المعاملة، وغياب المساءلة.
وفي بلد يعاني منذ سنوات من الانقسام السياسي وضعف المؤسسات وتعدد مراكز القوة، تحولت مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا إلى إحدى أكثر الأزمات الحقوقية تعقيدًا في المنطقة، فالهجرة غير النظامية لا تُدار فقط كملف حدودي أو أمني، بل تتقاطع مع شبكات تهريب واتجار بالبشر، ونزاعات مسلحة، وغياب منظومة قضائية قادرة على ضمان الحماية والمحاسبة.
وتكشف تقارير أممية حديثة أن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في ليبيا يتعرضون لانتهاكات منهجية تشمل القتل، والتعذيب، والعنف الجنسي، والاتجار بالبشر، والعمل القسري، والابتزاز، في نمط وصفه مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بأنه “نموذج عمل عنيف” قائم على الاستغلال.
ليبيا كنقطة عبور
تظل ليبيا واحدة من أهم نقاط العبور على طريق الهجرة نحو أوروبا، بحكم موقعها الجغرافي المطل على وسط البحر المتوسط، وقربها من السواحل الإيطالية والمالطية.
لكنها في الوقت نفسه أصبحت مساحة شديدة الخطورة للمهاجرين، حيث تتداخل رغبة العبور مع مخاطر الاحتجاز، والترحيل القسري، والعنف، والاستغلال.
وبحسب مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، تم تحديد 858,604 مهاجرين في ليبيا خلال جولة الرصد الخاصة بالفترة يناير– فبراير 2025، موزعين على 100 بلدية ومنتمين إلى 46 جنسية.
ومع نهاية 2025، ارتفع العدد في تقارير المنظمة إلى 939,638 مهاجرًا، وهو من أعلى الأرقام المسجلة منذ بدء التتبع المنتظم.
وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ليبيا لا تزال بلد عبور ومقصدًا في الوقت نفسه للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وأن فرص الخروج الآمن عبر إعادة التوطين أو الإجلاء أو المسارات التكميلية تبقى محدودة جدًا، ففي عام 2024، غادر نحو 1,500 شخص فقط من ليبيا عبر هذه المسارات، رغم اتساع حجم الاحتياج للحماية.
العودة إلى دائرة الخطر
لا تنتهي رحلة الخطر عند محاولة عبور البحر.. فآلاف المهاجرين الذين يتم اعتراضهم أو إنقاذهم في البحر يُعادون إلى ليبيا، حيث يواجه كثيرون خطر الاحتجاز والانتهاكات مجددًا.
ووفق تقرير المفوضية لعام 2024، تم اعتراض أو إنقاذ 20,001 لاجئ ومهاجر وطالب لجوء حاولوا عبور المتوسط من ليبيا، ثم أُعيدوا إليها.
وتشير بيانات أخرى إلى أن عدد من أُعيدوا قسرًا إلى ليبيا في 2024 بلغ نحو 20,839 شخصًا، مقارنة بنحو 17 ألفًا في 2023، وهو ما يعكس استمرار سياسة الإرجاع إلى بيئة تعتبرها منظمات حقوقية وأممية غير آمنة للمهاجرين.
وتثير هذه السياسة انتقادات متزايدة، لأن إعادة المهاجرين إلى ليبيا تعني، في كثير من الحالات، إعادتهم إلى الحلقة نفسها: احتجاز بلا ضمانات، أو اختفاء داخل شبكات التهريب، أو تعرض للابتزاز والعنف.
الاحتجاز كمساحة للانتهاكات
تصف تقارير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أوضاع المهاجرين في ليبيا بأنها ليست حوادث فردية أو تجاوزات منعزلة، بل نمط متكرر من الانتهاكات.
وتشمل هذه الانتهاكات الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وسوء المعاملة، والعنف الجنسي، والاتجار بالبشر، والعمل القسري، والاستعباد، والابتزاز المالي، خصوصًا بعد اعتراض المهاجرين في البحر أو القبض عليهم أثناء التنقل داخل البلاد.
وتقول المفوضية إن المهاجرين بعد إنزالهم في ليبيا يُحتجزون عادة في مراكز تمثل “بيئات خصبة” للانتهاكات، حيث يغيب الإشراف القضائي المستقل، وتضعف فرص الوصول إلى محامٍ أو آلية شكوى فعالة، فيما يبقى مصير المحتجزين مرتبطًا بقرارات إدارية أو أمنية غير شفافة.
ولا يقتصر الخطر على مراكز الاحتجاز الرسمية؛ فالكثير من المهاجرين يتعرضون للاتجار والاحتجاز في مواقع غير رسمية تديرها شبكات تهريب أو مجموعات مسلحة، حيث يُجبرون على العمل أو تُطلب فدى من عائلاتهم، وقد يتعرضون للتعذيب بهدف ابتزاز الأموال.
ظروف إنسانية قاسية
تعاني مراكز الاحتجاز من اكتظاظ، ونقص في الغذاء والمياه النظيفة، وضعف الرعاية الصحية، وغياب المعايير الأساسية للنظافة والكرامة.
وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أنها تقدم دعمًا صحيًا ونفسيًا وإنسانيًا في بعض المواقع، لكن الوصول إلى المحتجزين يظل محدودًا بفعل القيود الأمنية والإدارية، وتعدد الجهات المسيطرة على الأرض.
وتزداد خطورة الوضع بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا النساء، والأطفال، والناجين من العنف الجنسي، وضحايا الاتجار، والأطفال غير المصحوبين، فهؤلاء يواجهون مخاطر مضاعفة، ليس فقط بسبب الاحتجاز، بل بسبب غياب منظومة حماية قادرة على التعرف عليهم وتقديم رعاية متخصصة لهم.
وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن النساء يمثلن نحو 11% من المهاجرين داخل ليبيا، بينما يشكل الأطفال، بمن فيهم غير المصحوبين، نسبة ملحوظة من حركة الهجرة، ما يزيد الحاجة إلى آليات حماية منفصلة تراعي السن والنوع الاجتماعي.
المقابر الجماعية والوفيات
تتجاوز الأزمة حدود سوء المعاملة إلى مؤشرات أشد خطورة، بينها توثيق وفيات واكتشاف مقابر جماعية لمهاجرين في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.
وتربط تقارير أممية هذه الوقائع بغياب المساءلة، واتساع نفوذ شبكات الاتجار، وضعف قدرة السلطات على حماية المهاجرين أو التحقيق الفعال في الجرائم المرتكبة ضدهم.
وتؤكد الأمم المتحدة أن العنف ضد المهاجرين في ليبيا ليس عرضيًا، بل جزءا من منظومة استغلال تتربح من هشاشة الأشخاص وغياب وضعهم القانوني، خصوصًا عندما يكونون غير قادرين على طلب حماية أو الوصول إلى قضاء مستقل.
أزمة تتجاوز الحدود
لا تبقى تداعيات الأزمة داخل ليبيا.. فكلما ضاقت فرص الحماية، زادت محاولات العبور عبر البحر المتوسط، وهو أحد أخطر طرق الهجرة في العالم.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، سُجل نحو 765 وفاة في وسط البحر المتوسط منذ بداية 2026 حتى أوائل أبريل الماضي، في زيادة حادة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما ذكرت المنظمة الدولية للهجرة أن البحر المتوسط شهد أكثر من 33 ألف وفاة أو اختفاء بين عام 2014 ونهاية 2025، ما يؤكد أن الأزمة ليست طارئة، بل مسارا طويلا من الفشل في توفير طرق آمنة ومنتظمة للهجرة واللجوء.
وفي فبراير 2026، قالت وكالة رويترز نقلًا عن المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 8 آلاف شخص ماتوا أو فُقدوا على طرق الهجرة عالميًا في 2025، مع ترجيح أن يكون الرقم الحقيقي أعلى بسبب ضعف الوصول الإنساني وتراجع القدرة على التوثيق.
سياسات تحت الانتقاد
تواجه سياسات اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى ليبيا انتقادات متكررة من منظمات حقوقية وأممية، لأنها تعيد أشخاصًا إلى بلد لا تتوفر فيه ضمانات حماية كافية.
وتستند هذه الانتقادات إلى مبدأ قانوني أساسي في حقوق الإنسان واللجوء، وهو عدم إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الاضطهاد.
وتؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن إعادة المهاجرين إلى ليبيا، حيث قد يواجهون الاحتجاز والتعذيب والاتجار والعنف الجنسي، تثير مخاوف جدية بشأن التزامات الدول بموجب القانون الدولي.
وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر الاحتجاز وحده، بل تتطلب بدائل إنسانية وقانونية، تشمل إنهاء الاحتجاز التعسفي، وتوفير مسارات آمنة ومنتظمة، وتعزيز آليات تحديد اللاجئين وطالبي الحماية، وتوسيع برامج الإجلاء وإعادة التوطين، ودعم العودة الطوعية لمن يرغبون فيها بشكل آمن ومستنير.
وتنفذ المنظمة الدولية للهجرة برامج للعودة الطوعية وإعادة الإدماج، إلا أن الانقسام السياسي في ليبيا، وتعدد الأجهزة الأمنية، وضعف الرقابة القضائية، كلها عوامل تحد من فرص تحقيق تحول جذري في أوضاع المهاجرين.
غياب الحماية لا يبرر الانتهاكات
في حديثه لـ“صفر”، أكد الدكتور كامل خورشيد مراد، الباحث في قضايا حقوق الإنسان، أن أوضاع المهاجرين داخل مراكز الاحتجاز في ليبيا تعكس أزمة تتجاوز البعد الإجرائي للهجرة، لتصل إلى جوهر الكرامة الإنسانية.
وأشار مراد إلى أن كثيرًا من المحتجزين يعيشون في ظروف تتسم بالاكتظاظ، وضعف الرعاية الصحية، وغياب الرقابة الفعالة، ما يجعل هذه المراكز بيئات هشة تُنتج أنماطًا متكررة من سوء المعاملة والإهمال.
وأضاف أن مسار الهجرة نفسه يضع الأفراد أمام مخاطر تبدأ بالاستغلال من قبل شبكات الاتجار بالبشر، ولا تنتهي عند حدود الاحتجاز، في ظل غياب إطار قانوني واضح يكفل حقوقهم الأساسية.
ولفت إلى أن غياب منظومة حماية قانونية فعالة، تضمن الإشراف القضائي المستقل وآليات الإنصاف، يترك المحتجزين دون ضمانات حقيقية للوصول إلى العدالة أو حتى التعبير عن الانتهاكات التي يتعرضون لها.
وشدد مراد على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على تحسين الظروف داخل مراكز الاحتجاز، بل تتطلب مقاربة إنسانية شاملة تنطلق من أولوية حماية الإنسان، عبر مواءمة التشريعات مع المعايير الدولية، وتعزيز دور الجهات الرقابية والإنسانية، وتبني بدائل أكثر إنسانية للاحتجاز.
وتكشف أوضاع المهاجرين داخل مراكز الاحتجاز في ليبيا أن أزمة الهجرة لا تتعلق فقط بحركة العبور نحو أوروبا، بل بمدى احترام الكرامة الإنسانية في بيئات يغيب فيها الأمان والحماية القانونية، فعندما يتحول الاحتجاز إلى مساحة لانتهاكات متكررة، وتغيب المراجعة القضائية والمساءلة، تصبح القضية أزمة حقوق إنسان تتجاوز الحدود الوطنية، وتضع السلطات الليبية والدول المتعاونة معها والمجتمع الدولي أمام مسؤولية مباشرة لضمان حماية المهاجرين وصون حقوقهم الأساسية.

