ربما لم يعد هذا اليوم مناسبة للاحتفال بقدر ما بات لحظة للمراجعة والمساءلة، مُثقلة بمخاوف وهواجس المستقبل، إذ يحل اليوم العالمي لحرية الصحافة، في الثالث من مايو كل عام، بوصفه تذكيراً رمزياً بقيمة الكلمة الحرة، وإحياءً لذكرى صحفيين دفعوا حياتهم ثمنا للحقيقة، ووقفة تأمل في واقع تتزايد فيه القيود وتتعاظم فيه التحديات التي تواجه الصحفيين حول العالم.
ويأتي اليوم العالمي هذا العام على وقع مشهد عالمي قاتم، تتراجع فيه حرية الصحافة إلى مستويات غير مسبوقة، وتتسع فيه دائرة المخاطر التي تطول الصحفيين في مختلف أنحاء العالم جراء الحروب والنزاعات والأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية المحتدمة.
وتشير بيانات التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” (غير حكومية، مقرها باريس) إلى تراجع غير مسبوق، حيث بلغ المؤشر أدنى مستوياته منذ 25 عاماً، حيث سجلت المؤشرات للمرة الأولى، أكثر من 52% من دول العالم ضمن فئتي “صعب” أو “خطير للغاية”، في حين انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون في دول تتمتع بحرية صحافة “جيدة” إلى أقل من 1%، بعدما كانت تقارب 20% في مطلع الألفية.
وتقول المنظمة الدولية المعنية بحرية الصحافة، إن هذا التدهور الضخم، والذي يتواصل منذ عام 2001، يعكس تقويضاً تدريجياً للحق في المعرفة والوصول إلى المعلومات والبيانات، حتى داخل بعض الأنظمة الديمقراطية في العالم.
في قلب هذا المشهد، تبدو مهنة الصحافة أكثر هشاشة وخطورة من أي وقت مضى، حيث يدفع الصحفيون حياتهم أو حريتهم ثمناً لعملهم، خاصة في مناطق النزاع، إذ قُتل في قطاع غزة وحده، أكثر من 220 صحفياً منذ أكتوبر 2023، بينهم ما لا يقل عن 70 صحفياً أثناء أداء مهامهم.
وتظل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط من أخطر المناطق على سلامة الصحفيين، في ظل استمرار القمع في دول مثل إيران التي تحتل المرتبة 177 في التصنيف الذي يضم 180 بلداً، وروسيا الاتحادية التي تستقر في المرتبة 172.
وتزداد الصورة قتامة مع ما خلفته النزاعات في دول عربية، مثل اليمن التي تحتل المرتبة 164 في التصنيف الذي يضم 180 بلداً، يليه العراق في المرتبة 162، ثم السودان في المرتبة 161، من أثر بالغ في أوضاع الصحفيين، في بيئات أمنية معقدة تحد من الوصول إلى المعلومات.
ولا تقتصر التحديات على العنف المباشر، بل تمتد إلى الضغوط الاقتصادية التي أصبحت عاملاً حاسماً في تقويض استقلالية الإعلام، فقد سجل المؤشر الاقتصادي للتصنيف تراجعاً حاداً، ليصل إلى مستوى حرج غير مسبوق، جعل وضع حرية الصحافة عالمياً “صعباً” للمرة الأولى. وتجد المؤسسات الإعلامية نفسها عالقة بين الحفاظ على استقلالها وضمان استمراريتها، في ظل تمركز الملكية وضغوط المعلنين وتراجع أو تسييس الدعم الحكومي.
أكذوبة الدول الديمقراطية
في الولايات المتحدة التي طالما قُدمت بوصفها نموذجاً لحرية الصحافة في العالم، تراجع التصنيف إلى المرتبة 64 بعد فقدان سبعة مراكز، وسط تصاعد الهجمات السياسية على الإعلام، وتقليص دور مؤسسات إعلامية بارزة، ما خلق فراغاً معلوماتياً مقلقاً في مناطق عديدة من العالم.
وبحسب ما جاء في تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود”، فلا يقتصر التدهور على مناطق الحروب، بل يمتد إلى دول يفترض أنها حاضنة للحريات، حيث تتزايد الضغوط السياسية والتنمر والتهديدات التي تطول الصحفيين، إلى جانب محاولات تقويض دورهم الرقابي عبر التحكم في الوصول إلى المعلومات أو انتقاء المشاركين في المؤتمرات الصحفية.
وعلى مدار العقود الخمسة الماضية، تعرض آلاف الصحفيين للقتل أو الاختطاف أو الإخفاء القسري، في حين بقيت الغالبية الساحقة من هذه الجرائم دون عقاب، في مؤشر خطير على ترسخ ثقافة الإفلات من المساءلة.
في ضوء كل ذلك، تبدو الدعوات إلى تفعيل دور المنظمات الدولية والإقليمية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ليس فقط للدفاع عن الصحفيين، بل لضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، وترسيخ بيئة قانونية ومهنية تحمي العمل الصحفي.
ويهدد استمرار هذا المسار جوهر وظيفة الصحافة نفسها ومهمتها في نقل الحقيقة إلى الرأي العام، إذ يتحول الاحتفال باليوم العالمي إلى جرس إنذار ينبه إلى أن الصحافة في كثير من بقاع العالم لم تعد فقط مهنة البحث عن الحقيقة، بل أصبحت أيضاً معركة يومية من أجل البقاء.
تقليص الدور الرقابي
وأكد رئيس تحرير مجلة “كل العرب” في فرنسا، علي المرعبي، أن اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو يحل في وقت تشهد فيه أوضاع الصحافة عالمياً تراجعاً ملحوظاً وخطيراً في الوقت ذاته.
وأوضح المرعبي، في تصريح لـ”صفر”، أن حرية الصحافة تتجه نحو مزيد من التدهور، نتيجة تصاعد القيود المفروضة على وسائل الإعلام، والتضييق على الصحفيين في ممارسة عملهم على مستوى العالم، مشيراً إلى أن التحديات لم تعد تقتصر على التضييق، بل تجاوزت ذلك إلى الاستهداف المباشر، ومنه الاعتقالات والاغتيالات في عدد من الدول.
ولفت إلى أن “أخطر الانتهاكات بحق الصحفيين تمثلت فيما جرى منذ أكتوبر 2023 في قطاع غزة وحده، حيث قُتل 262 صحفياً”، موضحاً أن هناك انحداراً ملحوظاً في طبيعة العلاقة بين المؤسسات الرسمية والصحفيين حول العالم، والذي يظهر في تراجع مستوى التعامل مع الإعلام، مستشهداً بأسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأضاف أن “ترامب لا يتردد في استخدام أساليب حادة في التعامل مع الصحفيين، ومحاولة قمعهم بسبب الأسئلة التي يطرحونها علناً”، معتبراً أن ذلك يعكس توجهاً أوسع لتقييد العمل الصحفي بالعالم.
وكشف المرعبي ممارسات تهدف إلى تقليص الدور الرقابي للصحافة، موضحاً أن اختيار الصحفيين المدعوين إلى المؤتمرات الصحفية يتم في بعض الحالات بعناية، لضمان عدم طرح أسئلة قد تُحرج المسؤولين، سواء في دول العالم العربي أو غيرها.
وأشار إلى أن هذا التراجع لم يقتصر على مناطق بعينها، بل امتد إلى أوروبا أيضاً، حيث تعرض عدد من الصحفيين لانتهاكات مباشرة، ما انعكس سلباً على المنظومة القانونية والدولية التي يُفترض أن تكفل حماية حرية الصحافة، محذراً من استمرار هذا التدهور والتراجع، خصوصاً في ظل غياب دور فاعل وحازم للمنظمات المعنية بحرية الصحافة.
مخاطر فقدان الاستقلالية
بدوره، قال نقيب الصحفيين التونسيين، زياد دبار، إن أوضاع الصحفيين عالمياً تثير القلق، باعتبار أن المخاطر المرتبطة بالمهنة ليست طارئة، بل هي مخاطر بنيوية متجذرة في طبيعة العمل الصحفي ذاته.
وأوضح دبار، في حديث لـ”صفر”، أن الصحافة لا تقتصر على نقل الأخبار، بل هي ممارسة تقوم على الاحتكاك الدائم بمراكز السلطة وشبكات المصالح والنفوذ، وهو ما يجعل المخاطر الملازمة لها جزءاً أصيلاً من بنيتها، وليست مجرد ظروف عابرة.
وأشار إلى أن “أخطر ما قد يواجه الصحفي لا يقتصر على السجن أو الاعتداء الجسدي، بل يتمثل في فقدان الاستقلالية، حين يتحول من باحث عن الحقيقة إلى فاعل خاضع لضغوط الخوف أو التمويل أو السلطة”.
فجوة بين الأدبيات والواقع
وأوضح نقيب الصحفيين اللبنانيين، جوزيف القصيفي، أن واقع الصحافة عالمياً بات بائساً، مشيراً إلى فجوة واضحة بين ما يُنظر له نظرياً بشأن حرية الصحافة وما يجري فعلياً على الأرض.
وأوضح القصيفي، في حديث لـ”صفر”، أن حرية الصحافة تُقدم في الأطر النظرية والأدبية بصيغة مثالية، لكنها لا تجد ترجمة حقيقية في الواقع، في ظل غياب احترام المواثيق والأعراف والاتفاقات الدولية التي تجرم استهداف الصحفيين والإعلاميين والمصورين أثناء أداء عملهم.
وأضاف أن هذا التناقض تجلى بوضوح في استهداف الصحفيين في غزة، حيث تجاوز عدد الشهداء 260 صحفياً، وكذلك في لبنان، حيث سقط 27 صحفياً، فضلاً عن أعداد من الجرحى.
وأشار إلى أن الانتهاكات لا تقتصر على مناطق النزاع، بل تمتد أيضاً إلى الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تتجلى في أشكال متعددة، منها الضغوط السياسية، وحملات التهديد والترهيب التي تستهدف الصحفيين، خاصة في ظل صعود تيارات اليمين المتطرف، ومنها ممارسات ارتبطت بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي تقييمه لمستقبل حقوق الصحفيين في عام 2026، أعرب القصيفي عن تشاؤمه، معتبراً أن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التدهور؛ لأن الدول التي يُفترض أن تمثل حصناً للحريات والديمقراطية، هي ذاتها التي تتستر أو تشارك في الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين والإعلاميين.
إفلات الجناة من العقاب
وفي حديثه لـ”صفر” أكد نقيب الصحفيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس الذي حازت نقابة بلاده هذا العام على جائزة اليونسكو لحرية الصحافة، أن أوضاع الصحفيين وحقوقهم على مستوى العالم باتت في مهب الريح.
واستعرض إدريس ما وصفه بالأوضاع المأساوية التي يواجهها الصحفيون، مشيراً إلى أن أوضاعهم تتدهور يوماً بعد يوم، حتى أصبحت الصحافة واحدة من أخطر المهن عالمياً.
ولفت إلى ما تشهده المهنة من انتهاكات جسيمة، منها استهداف الصحفيين بالقتل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي السودان، إلى جانب المعاناة التي يواجهها صحفيو منطقة الساحل والصحراء في إفريقيا وعدد من دول القارة، فضلاً عن القيود الصارمة في دول مثل كوريا الشمالية وغيرها.
وأضاف أن الأمر لم يعد يقتصر على المخاطر الميدانية، بل وصل إلى حد التقليل من شأن الصحفيين والتطاول عليهم من قبل بعض المسؤولين، ومنهم رؤساء دول، مستشهداً بتصريحات وممارسات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأشار إلى أن الأوضاع الاقتصادية تمثل بدورها تهديداً إضافياً، حيث دفعت العديد من المؤسسات الإعلامية إلى تقليص أعداد العاملين لديها، ما أثر سلباً في استقرار الصحفيين المهني والمعيشي.
وفيما يتعلق بسبل المواجهة، شدد إدريس على ضرورة تفعيل دور الاتحادات الدولية والإقليمية، ما يضمن اضطلاعها بمسؤوليات حقيقية في الدفاع عن الصحفيين، إلى جانب ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ورفض أي حصانة لمرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق الصحفيين.

