تتقدّم ميشيل باشيليت اليوم كأحد أبرز الوجوه الحقوقية العالمية المرشحة لقيادة الأمم المتحدة في مرحلة ما بعد 2027، حاملة إرثًا سياسيًا وإنسانيًا معقّدًا، صاغته التجارب بين السلطة والمنفى والسجون، وبين الدولة والمؤسسة الأممية، في زمن يتوتر فيه تعريف العدالة عالميًا.
ولدت فيرونيكا ميشيل باشيليت جيريا في سانتياغو عام 1951 داخل بيتٍ يختلط فيه الانضباط العسكري بالبحث العلمي، إذ كان والدها جنرالًا في سلاح الجو ووالدتها عالمة آثار، لكن هذا التوازن الظاهري سرعان ما انهار تحت وقع زلزال سياسي عنيف في تشيلي مع انقلاب 1973، حين دخل البلد في واحدة من أكثر مراحله دموية تحت حكم أوغوستو بينوشيه.
لم تكن باشيليت مجرد شاهدة على الانهيار، بل جزءًا من شظاياه، اعتُقل والدها بسبب رفضه الانقلاب، وتعرض للتعذيب حتى وفاته في السجن عام 1974، في حادثة شكّلت جرحًا شخصيًا وسياسيًا ظلّ يرافق مسيرتها كلها، لم تمضِ فترة طويلة حتى اعتُقلت هي أيضًا مع والدتها، وهي طالبة طب، وتعرضت للاحتجاز في معتقلات سرية.
هذا الاحتكاك المبكر مع آلة القمع لم يُنتج فقط عنفًا في الذاكرة، بل وعيًا سياسيًا صلبًا، جعلها تنظر إلى الدولة بوصفها كيانًا يمكن أن يحمي أو يقتل، بحسب من يمسك بزمامه، بعد الإفراج عنها عام 1975، دخلت مرحلة المنفى، متنقلة بين أستراليا ثم ألمانيا الشرقية، حيث أعادت تشكيل هويتها الفكرية داخل فضاء اشتراكي دولي، بعيدًا عن وطن كان يغلي تحت سلطة عسكرية مغلقة.
في تلك السنوات، لم تكن باشيليت تبني سيرة ذاتية فقط، بل كانت تعيد تعريف معنى “النجاة السياسية”، ففي المنفى، انخرطت في شبكات اشتراكية دولية، وبدأت تتبلور لديها فكرة أن الحقوق ليست خطابًا نظريًا، بل بنية مقاومة ضد العنف المنظم.
عودتها إلى تشيلي عام 1979 لم تكن عودة عادية، بل عودة محمّلة بإرث من الألم والخبرة الدولية، لتكمل دراستها الطبية وتتخصص في طب الأطفال والصحة العامة عام 1982، لكنها كانت في الحقيقة تتأهل لدور يتجاوز الطب نحو الدولة والسلطة والحقوق.
من الطب إلى قلب الدولة
مع نهاية الحكم العسكري في تشيلي عام 1990، بدأت باشيليت رحلة انتقالية من المجال الصحي إلى صلب الجهاز الحكومي، مستفيدة من خلفيتها العلمية ومن تجربتها في العمل مع منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الصحة للبلدان الأميركية.
هذا التحول لم يكن انتقالًا مهنيًا فحسب، بل إعادة تموضع داخل بنية السلطة ذاتها. ففي عام 2000 عُيّنت وزيرة للصحة، حيث واجهت نظامًا صحيًا يعاني من تفاوتات حادة بين الفقراء والأغنياء، وعملت على تعزيز الرعاية الأولية، وإعادة توزيع الموارد الصحية، وتوسيع شبكات التأمين الصحي.
لكن التحول الأبرز جاء عام 2002 حين أصبحت أول امرأة تتولى وزارة الدفاع في تشيلي وأميركا اللاتينية، في لحظة رمزية تحمل تناقضًا كثيفًا طبيبة أطفال تقود مؤسسة عسكرية كانت قبل عقد واحد جزءًا من آلة القمع ذاتها.
هذا التعيين لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل إشارة إلى إعادة إدماج المدني داخل مؤسسة طالما ارتبطت بالانقلاب والانتهاك.
في تلك المرحلة، بدأت باشيليت تُعيد تعريف مفهوم السلطة من الداخل، عبر إدخال خطاب الحقوق إلى مؤسسات تقليدية مغلقة. ومع اقتراب عام 2005، كانت قد تحولت إلى شخصية سياسية وطنية ذات وزن، ما دفع ائتلاف يسار الوسط إلى ترشيحها للرئاسة.
انتخابها عام 2006 لم يكن مجرد فوز انتخابي، بل لحظة كسر في البنية الذكورية والسياسية في تشيلي، أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة البلاد، دون أن تستند إلى إرث عائلي سياسي، في مجتمع ما زال وقتها محكومًا بتقاليد محافظة.
في ولايتها الأولى، واجهت احتجاجات طلابية ضخمة، واضطرابات اجتماعية، لكنها في المقابل بنت احتياطيًا ماليًا قويًا بفضل ارتفاع أسعار النحاس، ما مكّن البلاد من امتصاص آثار الأزمة المالية العالمية عام 2008. كان اقتصادها أشبه بسفينة تُبحر في بحر مضطرب، لكنها تمسك بدفّة صارمة لا تنكسر بسهولة.
كما أطلقت إصلاحات عميقة في التعليم، وأسست مؤسسات لحقوق الإنسان، وفتحت نقاشًا حول الذاكرة الوطنية والانتهاكات في عهد الديكتاتورية، في محاولة لإعادة كتابة التاريخ الرسمي من زاوية الضحايا لا السلطة.
هندسة الحقوق العالمية
بعد انتهاء ولايتها الثانية عام 2018، انتقلت باشيليت إلى فضاء دولي أكثر اتساعًا وتعقيدًا، حين تولت منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في الأول من سبتمبر 2018، لتصبح سابع شخصية تشغل هذا الموقع منذ تأسيس المفوضية عام 1993.
في هذه المرحلة، خرجت باشيليت من حدود الدولة الوطنية إلى فضاء عالمي تتداخل فيه السيادة مع الانتهاك، والدبلوماسية مع الصراع، والحقوق مع المصالح، وقد تزامنت ولايتها مع تحولات دولية حادة، من جائحة كوفيد-19 إلى تصاعد النزاعات المسلحة وتآكل منظومات الحماية الدولية.
في هذا المنصب، لم تكن باشيليت مجرد موظفة أممية، بل وسيطة بين عالمين: عالم الدول الذي يحكمه المنطق السيادي، وعالم الضحايا الذي تحكمه هشاشة الحياة اليومية، وقد ركزت على قضايا مثل حقوق النساء، وحماية الأقليات، والانتهاكات في النزاعات المسلحة، إضافة إلى مراقبة أوضاع حقوق الإنسان في مناطق شديدة التوتر.
كما كانت تؤكد في خطاباتها أن حقوق الإنسان ليست “إطارًا أخلاقيًا” فقط، بل شرطًا للاستقرار السياسي والاقتصادي، في عالم تتآكل فيه الثقة بين المواطن والدولة.
خلال فترة قيادتها، أطلقت مبادرات لتعزيز الحماية الاجتماعية عالميًا، من خلال تعاون مع منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية، معتبرة أن الفقر ليس حالة اقتصادية فقط، بل شكل من أشكال الإقصاء الحقوقي.
وفي عام 2011 كانت قد تولت قبل ذلك أول إدارة تنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، حيث ركزت على تمكين النساء اقتصاديًا ومكافحة العنف الجندري، واضعة الأساس لخطاب أممي جديد يربط بين الاقتصاد والعدالة الجندرية.
ومع كل هذه المواقع، تراكمت صورة باشيليت بوصفها “مهندسة حقوقية” تعمل على تقاطع الدولة والمؤسسات الدولية، في محاولة لإعادة صياغة مفهوم العدالة في عالم غير متوازن.
الأمم المتحدة أمام اختبار القيادة الأخلاقية
تتجه الأنظار اليوم إلى احتمال ترشح ميشيل باشيليت لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وفق ما تداولته تقارير إعلامية دولية بينها وكالة رويترز، التي أشارت إلى أن الولاية الجديدة قد تبدأ في الأول من يناير 2027 لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
هذا الطرح لا يأتي من فراغ، بل من تراكم سيرة سياسية وأممية جعلت اسمها حاضرًا في النقاشات الدبلوماسية حول مستقبل المنظمة الدولية، في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة تحديات غير مسبوقة تتعلق بفعالية النظام متعدد الأطراف، وتراجع الالتزام بحقوق الإنسان، وتصاعد النزاعات الإقليمية.
ترشح باشيليت، إن تأكد، سيحمل دلالة رمزية عميقة: امرأة قادمة من تجربة الاعتقال والمنفى ورئاسة دولة وقيادة حقوق الإنسان العالمية، إلى أعلى منصب في النظام الدولي. وكأن مسارها يعكس انتقال الإنسان من ضحية للسلطة إلى جزء من هندستها العالمية.
لكن هذا الطريق ليس بسيطًا. فالأمين العام للأمم المتحدة لا يُنتخب فقط على أساس السيرة، بل عبر توازنات سياسية معقدة داخل مجلس الأمن، حيث تلعب القوى الكبرى دورًا حاسمًا في تحديد شكل القيادة الأممية.
ومع ذلك، تمتلك باشيليت ميزة نادرة في هذا السياق: قدرة على التحدث بلغة الدولة ولغة الضحية في آن واحد.. فهي تعرف مؤسسات الحكم من الداخل، لكنها أيضًا تعرف معنى الانتهاك من التجربة الشخصية.
في عالم يتغير بسرعة، تبدو الأمم المتحدة أمام سؤال جوهري هل تحتاج إلى مدير أزمة أم إلى ضمير سياسي عالمي؟ هنا تحديدًا يظهر اسم باشيليت كخيار يعيد تعريف الوظيفة لا باعتبارها إدارة، بل باعتبارها أخلاقًا سياسية على مستوى الكوكب.
إرثها لا يقوم على الخطابة، بل على التراكم: طبيبة في أحياء الفقر، معتقلة في ظل الديكتاتورية، وزيرة دفاع في مؤسسة عسكرية، رئيسة دولة في اقتصاد ناشئ، ثم مسؤولة أممية عن حقوق الإنسان في عالم مضطرب. هذا التتابع ليس سيرة تقليدية، بل مسارًا يعكس قدرة نادرة على التحول دون فقدان البوصلة.
في النهاية، تبدو ميشيل باشيليت كأنها تقف عند تقاطع الزمن العالمي: بين نظام دولي يتآكل، وحقوق إنسان تبحث عن تعريف جديد، وأمم متحدة تحتاج إلى إعادة ابتكار ذاتها.
وبين هذه المستويات، تظل سيرتها أشبه بخريطة معقدة لامرأة عبرت الجراح دون أن تتحول إلى ضحية، وعبرت السلطة دون أن تفقد حساسيتها تجاهها.

