تُعدّ ريبيكا غرينسبان من أبرز الوجوه في الدبلوماسية متعددة الأطراف، حيث تجمع بين خبرة حكومية عميقة وتجربة أممية واسعة.
ومع ترشحها لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة 2027، تبرز كرمز لتحول محتمل في بنية القيادة العالمية نحو شمولية أوسع.
النشأة والتكوين العلمي
وُلدت ريبيكا غرينسبان عام 1955 في سان خوسيه، عاصمة كوستاريكا، في سياق عائلي مشحون بذاكرة الهجرة والنجاة، فقد قدم والداها اليهوديان من بولندا هرباً من أهوال أوروبا ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية، ليختارا أمريكا اللاتينية فضاءً جديداً للحياة والاستقرار، هذه الخلفية لم تكن مجرد تفصيل بيولوجي في سيرتها، بل شكلت لاحقاً نواة حسها الإنساني تجاه قضايا العدالة، واللاجئين، والهشاشة الاجتماعية.
نشأت غرينسبان في بيئة تعليمية كوستاريكية تضع المعرفة في قلب مشروع الدولة التنموي، هناك، تشكل وعيها المبكر حول الاقتصاد بوصفه أداة لإعادة توزيع الفرص، لا مجرد أرقام في دفاتر الحسابات العامة.
حصلت على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة كوستاريكا، وهي مرحلة رسخت لديها الإيمان بأن التنمية ليست امتيازاً بل حقاً اجتماعياً.
لاحقاً، انتقلت إلى بريطانيا حيث نالت درجة الماجستير في الاقتصاد من جامعة ساسكس، وهي تجربة أكاديمية أضافت بُعداً نقدياً إلى فهمها للسياسات الاقتصادية الدولية، خصوصاً في سياق النقاشات حول التنمية وعدم المساواة بين الشمال والجنوب العالميين. هذا التكوين المزدوج بين الجنوب العالمي والفضاء الأكاديمي الأوروبي منحها قدرة نادرة على التحرك بين العوالم الفكرية المختلفة دون فقدان البوصلة الاجتماعية.
كما مُنحت لاحقاً عدة درجات دكتوراه فخرية من جامعات مرموقة مثل جامعة سلامنكا وجامعة إكستريمادورا والجامعة الأوروبية في مدريد، تكريماً لمسارها في الاقتصاد التنموي والعمل الدولي.
وهي تتقن الإسبانية والإنجليزية بطلاقة، ما عزز حضورها في فضاءات التفاوض متعددة اللغات.
يمكن القول إن تكوين غرينسبان لم يكن أكاديمياً فقط، بل هو بناء تدريجي لهوية سياسية–إنسانية، ترى في الاقتصاد أداة أخلاقية قبل أن يكون تقنية، وفي التنمية مشروعاً لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والإنسان.
الصعود السياسي في كوستاريكا
دخلت ريبيكا غرينسبان معترك السياسة الوطنية مبكراً، لتصبح أحد أبرز الوجوه الإصلاحية في كوستاريكا خلال تسعينيات القرن الماضي، شغلت منصب نائبة رئيس الجمهورية بين عامي 1994 و1998، وهي فترة اتسمت بتحديات اقتصادية إقليمية، وإعادة هيكلة نماذج الحماية الاجتماعية في أمريكا اللاتينية.
خلال هذه المرحلة، تولت حقائب وزارية حساسة، من بينها وزارة الإسكان، حيث عملت على سياسات تستهدف تقليص الفجوة السكنية في المناطق الحضرية الفقيرة، ووزارة منسقة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى منصب نائبة وزير المالية.
هذا التنوع في المناصب منحها خبرة متعددة الطبقات في إدارة الدولة، من السياسات المالية إلى البرامج الاجتماعية.
في عام 2001، انضمت إلى فريق خبراء رفيع المستوى حول تمويل التنمية شكّله الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان، وهو ما شكّل نقطة تحول في مسارها من السياسة الوطنية إلى الفضاء الأممي، هذا الانتقال لم يكن قطيعة مع التجربة المحلية، بل امتداداً لها على نطاق عالمي.
بين 2006 و2010، شغلت منصب المديرة الإقليمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لأمريكا اللاتينية والكاريبي، حيث قادت برامج تنموية في بيئات تتسم بعدم الاستقرار الاقتصادي وتفاوتات اجتماعية حادة، وقد ركزت على بناء شبكات حماية اجتماعية، وتعزيز قدرة الدول على مواجهة الفقر متعدد الأبعاد.
في عام 2010، تولت منصب نائبة الأمين العام للأمم المتحدة ونائبة المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث شاركت في صياغة توجهات استراتيجية تتعلق بالتنمية المستدامة والحوكمة الاقتصادية.
كما تولت بين 2014 و2021 منصب الأمينة العامة للمؤتمر الأيبيرو-أمريكي، حيث أدارت قمم رؤساء الدول والحكومات في المنطقة، ما عزز مكانتها كوسيط سياسي قادر على إدارة التوازنات بين دول ذات مصالح متباينة.
هذا المسار يعكس تراكم خبرة سياسية–تقنية جعلتها واحدة من القلائل القادرين على الانتقال من إدارة السياسات الوطنية إلى هندسة السياسات الإقليمية والدولية.
قيادة الأونكتاد
في سبتمبر 2021، تم تعيين غرينسبان أمينة عامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس المنظمة قبل ستة عقود، هذا التعيين حمل دلالة رمزية عميقة تتجاوز البعد الشخصي إلى إعادة تموضع دور النساء في الاقتصاد العالمي.
خلال قيادتها، واجه العالم سلسلة أزمات متداخلة، اضطرابات سلاسل الإمداد، أزمة الغذاء، تقلبات الطاقة، ثم تسارع التحول الرقمي. في هذا السياق، لعبت غرينسبان دوراً محورياً في قيادة “مجموعة الاستجابة العالمية للأزمات” التابعة للأمم المتحدة.
من أبرز المبادرات التي ارتبط اسمها بها “مبادرة البحر الأسود للحبوب”، التي ساهمت في تسهيل تصدير أكثر من 32 مليون طن من الحبوب، ما أدى إلى خفض أسعار الغذاء عالمياً بنسبة بلغت نحو 22%، وفق بيانات أممية، وهو ما أسهم في تخفيف الضغط عن أسواق غذائية هشة ومنع تفاقم أزمة جوع في عدة مناطق.
كما مثلت الأمم المتحدة في قمم مجموعة العشرين، وشاركت في صياغة مقاربات تربط بين التجارة والتنمية والاستقرار الجيوسياسي.
وفي 2025، خلال قمة المعرفة في دبي، قدمت قراءة معمقة لتحول الاقتصاد العالمي نحو “اقتصاد المعرفة”. حيث أشارت إلى أن حجم التجارة العالمية بلغ نحو 33 تريليون دولار، مع نمو ملحوظ في قطاع الخدمات الذي يمثل 62% من التجارة العالمية، مقابل نمو أبطأ في تجارة السلع.
وأبرزت أن الذكاء الاصطناعي أسهم بما يقارب 40% من نمو التجارة العالمية رغم أنه لا يمثل سوى 15% من الطلب، ما يعكس تحوّل البنية الإنتاجية نحو قطاعات غير مادية. كما حذرت من أن 2.6 مليار شخص ما زالوا خارج الوصول إلى الإنترنت، ما يخلق فجوة رقمية تهدد بتكريس عدم المساواة.
هذه الرؤية تضع غرينسبان في قلب النقاش العالمي حول العدالة الرقمية، حيث يصبح الاقتصاد الرقمي ساحة جديدة للصراع بين الشمول والإقصاء.
ترشيح الأمم المتحدة
في 8 أكتوبر 2025، أعلنت كوستاريكا رسمياً ترشيح ريبيكا غرينسبان لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة صياغة توازنات القيادة داخل المنظمة الدولية. ووفق تقارير وكالة رويترز، من المقرر أن تبدأ الولاية الجديدة في 1 يناير 2027 لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
هذا الترشيح يحمل بُعداً تاريخياً، إذ لم تتولَ أي امرأة حتى اليوم منصب الأمين العام للأمم المتحدة، رغم مرور ثمانية عقود على تأسيس المنظمة، غرينسبان نفسها صرحت بأن “المطلوب ليس امتيازاً خاصاً للنساء، بل إنهاء التمييز البنيوي الذي يمنع تكافؤ الفرص”.
في خطابها السياسي، تركز على إصلاح مجلس الأمن، بما في ذلك توسيع تمثيل إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وإعادة النظر في بنية الحوكمة العالمية التي تشكلت عام 1945 في سياق دولي مختلف جذرياً عن الحاضر، حيث ارتفع عدد الدول الأعضاء من 51 إلى 193 دولة.
ترشحها يضعها في منافسة مع شخصيات بارزة مثل ميشيل باشيليت ورافائيل غروسي، في سباق يعكس صراعاً بين رؤى مختلفة لمستقبل الأمم المتحدة: بين من يريد إعادة هندسة المنظمة جذرياً، ومن يسعى لإصلاح تدريجي.
من منظور تحليلي، تمثل غرينسبان نموذج “الدبلوماسية التقنية السياسية”، أي المزج بين الخبرة الاقتصادية والقدرة التفاوضية متعددة الأطراف. كما أن تجربتها في الأونكتاد تمنحها معرفة دقيقة بتقاطع الاقتصاد والسياسة في عالم مضطرب.
غير أن التحدي الأكبر أمامها لا يتعلق فقط بالكفاءة، بل بتوازنات القوى داخل مجلس الأمن، حيث تلعب الاعتبارات الجيوسياسية دوراً حاسماً في اختيار الأمين العام.
في حال انتخابها، ستتولى قيادة المنظمة خلال مرحلة حساسة تشمل تصاعد التوترات الدولية، والتحول الرقمي السريع، وتزايد أزمات المناخ والهجرة.. وهي ملفات تتطلب قيادة قادرة على تحويل الخطاب الأممي من إدارة الأزمات إلى إعادة تعريف النظام الدولي نفسه.
غرينسبان تقف اليوم على تخوم لحظة تاريخية.. إما أن تكون أول امرأة تعيد صياغة موقع الأمم المتحدة في عالم متغير، وإما أن تبقى جزءاً من مسار طويل لمحاولات الإصلاح غير المكتملة.

