في سباق أممي تتقاطع فيه السياسة مع الأمن الدولي، يبرز رافائيل غروسي كمرشح ثقيل الوزن لمنصب الأمين العام، مستندًا إلى سجل تقني–دبلوماسي نادر في زمن تتصاعد فيه المخاطر النووية والتوترات الجيوسياسية.
ولد غروسي في بوينس آيرس عام 1961، وبدأ مسيرته الدبلوماسية عام 1985، أي أن خبرته الممتدة حتى 2026 تجاوزت 40 عامًا، وهي مدة نادرة في جيل القيادات الدولية المعاصرة.
خلال هذه العقود، لم يكن غروسي مجرد موظف دبلوماسي تقليدي، بل مهندسًا في هندسة التوازنات الحساسة داخل مؤسسات مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
شغله منصب رئيس ديوان المنظمة الثانية بين 2002 و2007 وضعه في موقع إدارة ملفات تتعلق بأكثر من 190 دولة عضو، في وقت كانت فيه برامج التسلح غير التقليدي تخضع لإعادة تقييم بعد أحداث 11 سبتمبر.
التحول النوعي في مسيرته جاء مع انضمامه إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2010، حيث تولّى منصب مساعد المدير العام، قبل أن يصبح سفير الأرجنتين لدى المنظمات الدولية في فيينا عام 2013، هنا بدأ اسمه يتبلور كـ”دبلوماسي تقني”، يجمع بين لغة المختبرات النووية وحسابات السياسة الدولية.
بين عامي 2014 و2016، ترأس “مجموعة موردي المواد النووية”، وهي تكتل يضم 48 دولة مسؤولة عن تنظيم تجارة التكنولوجيا النووية عالميًا، حيث تُقدّر قيمة هذا السوق بأكثر من 500 مليار دولار بحلول 2030 وفق تقديرات الطاقة الدولية.
في 2015، قاد المؤتمر الدبلوماسي لاتفاقية الأمان النووي، والذي انتهى بإقرار “إعلان فيينا”، كأحد أهم التحديثات في معايير السلامة بعد كارثة فوكوشيما 2011، التي تسببت في خسائر اقتصادية تجاوزت 200 مليار دولار، هذا الإنجاز وضعه في مصاف مهندسي إعادة بناء الثقة في الطاقة النووية.
تعيينه مديرًا عامًا للوكالة في ديسمبر 2019 لم يكن مجرد ترقية، بل انتقالًا إلى مركز عصب النظام النووي العالمي، حيث تشرف الوكالة على أكثر من 440 مفاعلًا نوويًا في 32 دولة، وتنفذ سنويًا ما يزيد على 3000 عملية تفتيش ميدانية.
إعادة انتخابه بالإجماع في مارس 2023 لولاية ثانية حتى 2027 تعكس دعمًا غير مسبوق، خصوصًا في ظل انقسام دولي حاد بين القوى الكبرى، في لغة الأرقام، فإن ميزانية الوكالة لعام 2025 تجاوزت 470 مليون يورو، بينما يدير غروسي شبكة تضم أكثر من 2500 موظف وخبير.
هذا التراكم المهني لا يُقرأ فقط كسيرة ذاتية، بل كمنحنى نفوذ داخل النظام متعدد الأطراف. فهو من القلة التي انتقلت من العمل الدبلوماسي التقليدي إلى إدارة الملفات التقنية الأكثر حساسية، ما يجعله مرشحًا يجمع بين “العقل البيروقراطي” و”الحدس السياسي”.
وفي سباق الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تتطلب المعادلة توازنًا بين القبول الدولي والقدرة التنفيذية، يظهر غروسي كمرشح يمثل مدرسة “الاحتراف البارد” قيادة لا تصرخ، لكنها تمسك بخيوط اللعبة في أكثر لحظاتها هشاشة.
إدارة الأزمات النووية
منذ توليه قيادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجد رافائيل غروسي نفسه في قلب عاصفة جيوسياسية متصاعدة، حيث لم تعد الطاقة النووية مجرد ملف تقني، بل أصبحت ساحة اشتباك سياسي وأمني مباشر.
في الملف الإيراني، تشير بيانات الوكالة حتى 2025 إلى أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% تجاوز 120 كيلوغرامًا، وهو مستوى قريب من العتبة التقنية لإنتاج سلاح نووي.
في هذا السياق، تبنّى غروسي استراتيجية تقوم على “الدبلوماسية الصامتة”، حيث أجرى أكثر من 8 زيارات إلى طهران منذ 2020، في محاولة لإبقاء قنوات التفتيش مفتوحة.
لكن هذه المقاربة لم تكن بلا ثمن، التصعيد الأخير، الذي تضمن اتهامات إيرانية له بـ”النيات الخبيثة”، يعكس حجم التوتر، خاصة بعد مطالبته بتفتيش مواقع حساسة تعرضت لهجمات، هنا يتحول المدير العام من مراقب تقني إلى طرف في صراع روايات، حيث تُقرأ كل خطوة على أنها اصطفاف سياسي.
في المقابل، شكّلت الحرب في أوكرانيا اختبارًا أكثر تعقيدًا، محطة زابوريجيا، أكبر محطة نووية في أوروبا بقدرة 6 غيغاواط، أصبحت منذ 2022 بؤرة خطر عالمي، تقارير الوكالة تشير إلى تسجيل أكثر من 30 حادثة انقطاع كهربائي طارئة خلال النزاع، ما رفع احتمالات الحوادث النووية.
غروسي قام بعدة زيارات ميدانية إلى المنطقة، رغم المخاطر الأمنية، في خطوة نادرة لمسؤول دولي بهذا المستوى، هذه الزيارات لم تكن رمزية، بل أسفرت عن إنشاء “مناطق أمان نووي”، وهو مفهوم جديد في القانون الدولي العملي، وإن لم يتم تقنينه رسميًا بعد.
في لغة الأرقام، فإن أي حادث نووي محتمل في زابوريجيا كان يمكن أن يؤثر على أكثر من 10 ملايين شخص في أوكرانيا والدول المجاورة، وفق تقديرات الوكالة، هذه المخاطر جعلت من إدارة الأزمة اختبارًا مباشرًا لقدرة غروسي على تحويل الدبلوماسية إلى أداة وقائية.
ما يميز أداءه في هذه الملفات هو محاولته الحفاظ على “الحياد الوظيفي”، أي الفصل بين الدور الفني والضغوط السياسية، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن الحياد في عالم اليوم ليس حالة ثابتة، بل عملية تفاوض مستمرة.
هذا التوازن بين الحزم والمرونة يشبه السير على حافة سكين، خطوة واحدة زائدة قد تُفسر كتحيز، وخطوة ناقصة قد تُقرأ كضعف، ومع ذلك، نجح حتى الآن في الحفاظ على استمرار عمليات التفتيش في أكثر البيئات تعقيدًا.
في سياق الترشح لمنصب الأمين العام، تُعد هذه التجربة بمثابة “بروفة مصغرة” لإدارة أزمات عالمية متعددة الأطراف فالعالم في 2026 يواجه أكثر من 13 بؤرة توتر نووي محتملة، وفق تقارير الأمن الدولي، ما يجعل خبرة غروسي في هذا المجال ميزة تنافسية حاسمة.
البعد الحقوقي والحوكمة العالمية
رغم أن صورة رافائيل غروسي ترتبط غالبًا بالملفات النووية، فإن بُعده الحقوقي يشكّل أحد أعمدة ترشيحه غير المعلنة، حيث تتقاطع الطاقة مع حقوق الإنسان في أكثر من مستوى.
الطاقة النووية، في جوهرها، ليست مجرد تقنية، بل حقاً تنموياً.. وفق بيانات الأمم المتحدة، لا يزال نحو 675 مليون شخص حول العالم يفتقرون إلى الكهرباء حتى 2025. وفي هذا السياق، يدافع غروسي عن حق الدول النامية في الوصول إلى الطاقة النووية السلمية كأداة للتنمية، وهو موقف يضعه في تقاطع بين العدالة المناخية والسيادة الوطنية.
الوكالة التي يقودها تدير أكثر من 1200 مشروع تعاون تقني في 140 دولة، تشمل مجالات الطب النووي والزراعة والمياه.. هذه البرامج ساهمت في تحسين علاج السرطان لنحو 30 مليون مريض سنويًا، وفق تقارير الوكالة، ما يعكس بعدًا إنسانيًا يتجاوز الصورة التقليدية للطاقة النووية.
على مستوى الحوكمة، عمل غروسي على تعزيز الشفافية داخل الوكالة، حيث زادت نسبة التقارير العلنية بنسبة 25% بين 2020 و2025، كما دفع باتجاه تحقيق التوازن الجندري، حيث ارتفعت نسبة النساء في المناصب القيادية من 29% إلى نحو 38% خلال ولايته.
حصوله على جائزة “صانع التغيير” في 2025 يعكس هذا التوجه، خاصة في قطاع يُعد تقليديًا ذكوريًا.. هذه المقاربة الحقوقية لا تأتي من فراغ، بل من فهم بأن الشرعية الدولية اليوم لم تعد تُبنى فقط على القوة، بل على القبول المجتمعي.
في ملف المناخ، يرى غروسي أن الطاقة النووية تمثل نحو 10% من إنتاج الكهرباء العالمي، وتُسهم في تجنب انبعاث 1.5 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، هذا الربط بين الطاقة والبيئة يضعه في موقع قريب من أجندة التنمية المستدامة 2030.
لكن هذا التوجه يواجه انتقادات، خاصة من منظمات بيئية ترى أن المخاطر النووية لا تزال مرتفعة، هنا يظهر غروسي كـ”مدير توازنات”، يحاول إعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والحقوق، دون إنكار المخاطر.
في سياق الأمم المتحدة، حيث يتطلب المنصب الجمع بين الأمن والتنمية وحقوق الإنسان، يمثل هذا البعد أحد مفاتيح قوته، فهو لا يتحدث بلغة الشعارات، بل بلغة الأرقام والبرامج، وهو ما قد يجذب دول الجنوب العالمي الباحثة عن شراكات عملية.
فرصه في السباق الأممي
في سباق خلافة أنطونيو غوتيريش على رأس الأمم المتحدة، لا يتحرك رافائيل غروسي داخل حلبة تنافس تقليدية، بل فوق رقعة شطرنج دولية تُحرّكها مصالح القوى الكبرى أكثر مما تحكمها قواعد الاختيار المعلنة، فآلية تعيين الأمين العام، التي تبدأ فعليًا في يوليو 2026، تظل رهينة توصية مجلس الأمن، حيث يكفي اعتراض دولة واحدة من الخمس الدائمة العضوية لإسقاط أي مرشح، وهو ما يجعل “الفيتو الصامت” أكثر تأثيرًا من حملات التأييد العلنية.
في هذا السياق، تتشكل ملامح القوة لدى غروسي من عدة طبقات متداخلة أولها خلفيته التقنية–الدبلوماسية، التي تمنحه ميزة نادرة مقارنة بمنافسيه، إذ يأتي من قلب مؤسسة تُشرف على أخطر توازن في العالم التوازن النووي.
هذه الخبرة لا تمنحه فقط مصداقية في ملفات الأمن الدولي، بل تجعله أيضًا مرشحًا يمكن الوثوق بقدرته على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى خطاب سياسي حاد، في عالم باتت فيه النزاعات أكثر تعقيدًا وتشابكًا، تبدو هذه الصفة أشبه بعملة نادرة.
ثاني عناصر قوته يتمثل في موقعه الجغرافي–السياسي، ينتمي غروسي إلى أمريكا اللاتينية، وهي منطقة لم تحظَ بتمثيل في هذا المنصب منذ تجربة خافيير بيريز دي كويلار، ما يمنحه أفضلية رمزية في إطار التوازن الإقليمي غير المكتوب الذي يحكم المنظمة، هذه الورقة قد تكتسب وزنًا إضافيًا في ظل مطالب متزايدة من دول الجنوب بإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل النظام الدولي.
إلى جانب ذلك، يتمتع غروسي بدعم سياسي أولي من دول أوروبية، أبرزها إيطاليا، مستفيدًا من امتداده الثقافي والجنسي المزدوج، وهو عامل يعزز قدرته على بناء جسور بين ضفتي الأطلسي، كما أن الأرجنتين، بوصفها دولة مؤسسة في الأمم المتحدة، تسعى إلى تسويق ترشيحه ضمن خطاب يعيد الاعتبار للدبلوماسية متعددة الأطراف في مواجهة صعود النزعات القومية.
لكن هذا المشهد لا يخلو من منافسة حقيقية، تقف ميشيل باشيليت مدعومة بسجل ثقيل في مجال حقوق الإنسان، بينما تمثل ريبيكا جرينسبان امتدادًا لمدرسة الاقتصاد والتنمية، ويأتي ماكي سال بخبرة سياسية تنفيذية من قلب القارة الإفريقية، هذا التنوع في الخلفيات يعكس صراعًا ضمنيًا حول هوية المرحلة المقبلة، هل تحتاج الأمم المتحدة إلى سياسي مخضرم، أم تكنوقراط قادر على إدارة الأزمات، أم صوت حقوقي يعيد الاعتبار للقيم؟
في ميزان الفرص، لا تُقاس حظوظ غروسي فقط بما يملكه من مؤهلات، بل بقدرته على تجنب إثارة حساسية القوى الكبرى؛ الولايات المتحدة، التي تنظر بعين دقيقة إلى ملفات الانتشار النووي، قد ترى فيه شريكًا موثوقًا، بينما تراقب روسيا والصين مواقفه السابقة في أوكرانيا وإيران بحثًا عن أي مؤشر انحياز، هذه المعادلة تجعل من الحياد ليس خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة سياسية للبقاء في السباق.
غير أن التحدي الأكبر أمامه يتمثل في إعادة تعريف صورته، فكونه مديرًا لوكالة نووية قد يُفسَّر لدى بعض الدول على أنه امتداد لمنظومة رقابية ترتبط بالقوى الكبرى، وهو ما يتطلب منه تقديم نفسه كوسيط دولي مستقل، لا كحارس لمنظومة قائمة.
هذه النقلة في الخطاب ستكون حاسمة، لأنها تحدد ما إذا كان سيُنظر إليه كمرشح توافقي أم كمرشح تقني محدود الأفق السياسي.

