منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من الاندماج إلى التأثير.. صوت المرأة المهاجرة يعلو في السويد

21 أبريل 2026
مشاركات في مبادرة صوتك مسموع بالسويد
مشاركات في مبادرة صوتك مسموع بالسويد

اجتمعت عشرات النساء في مدينة هيلسنبوري جنوب السويد، في مساحة حوار مفتوحة حملت عنوان “صوتك مسموع”، في مشهد يعكس تحولا متناميا في حضور المرأة المهاجرة داخل المجتمع السويدي، ولم تكن الفعالية مجرد لقاء عابر، بل منصة للتعبير عن تجارب متراكمة وأسئلة عميقة حول الهوية والحقوق والاندماج، حيث بدت المشاركات وهن يتبادلن الحديث وكأنهن يُعدن صياغة قصصهن الشخصية ضمن سياق جماعي أوسع.

وبحسب ما أعلنه المرصد الآشوري لحقوق الإنسان، الذي نظم الورشة بالتعاون مع جمعية صدى الثقافية في السويد، فقد شهدت الفعالية مشاركة أكثر من 45 سيدة من خلفيات ثقافية واجتماعية متعددة، في مؤشر واضح على تنامي الاهتمام بقضايا تمكين المرأة المهاجرة، وأضفى هذا الحضور المتنوع على النقاشات بُعدا إنسانيا عميقا، حيث التقت تجارب مختلفة حول تحديات متشابهة، من صعوبات الاندماج إلى البحث عن مساحة آمنة للتعبير عن الذات.

التمكين يبدأ من الوعي

استهلت الفعالية بكلمة لرئيسة جمعية صدى الثقافية رابعة رحال، التي أكدت أن الاندماج الحقيقي لا يقوم على الذوبان أو التخلي عن الهوية، بل على المشاركة الفاعلة في المجتمع الجديد، وشددت على أن المرأة المهاجرة تمتلك من الإمكانات ما يؤهلها لأن تكون شريكا أساسيا في بناء المجتمع، إذا ما توفرت لها بيئة داعمة وفرص متكافئة.

في السياق ذاته، قدّم المدير التنفيذي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان جميل دياربكرلي مداخلة تناول فيها واقع المرأة المشرقية في السويد، مسلطا الضوء على التحديات التي تواجهها، خاصة تلك المرتبطة بالضغوط الاجتماعية الموروثة، وأوضح أن مفهوم قوة الوعي يشكل المدخل الأهم لأي عملية تمكين، مشيرا إلى أن كرامة المرأة لا تتحقق بالصمت، بل بالقدرة على اتخاذ القرار ومواجهة القيود التي تعيق حريتها.

وأضاف أن بعض النساء ما زلن يخضعن لما وصفه بسلطة العيب، وهي منظومة اجتماعية غير مكتوبة تفرض قيودا على السلوك والتعبير، حتى في بيئات يفترض أنها أكثر انفتاحا. وأكد أن تجاوز هذه القيود يتطلب وعيا قانونيا واجتماعيا، إلى جانب دعم مجتمعي مستمر.

القانون كأداة حماية

تناولت الورشة أيضا أهمية القوانين والاتفاقيات الدولية في تعزيز حقوق المرأة، حيث تم التطرق إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة اختصارا بـ “سيداو”، باعتبارها إطارا دوليا يضمن المساواة داخل الأسرة والمجتمع، وأشار المتحدثون إلى أن الاستفادة من هذه الأطر القانونية في السويد يمكن أن تسهم في تحقيق استقرار أكبر للأسر المهاجرة.

كما جرى التأكيد على أن معرفة المرأة بحقوقها القانونية تمثل خطوة أساسية نحو حمايتها من أي شكل من أشكال الاستغلال أو العنف، وأن الجهل بالقانون يعد من أبرز العوائق التي تحول دون تحقيق هذا الهدف.

نقاشات تفتح مسارات جديدة

لم تقتصر الفعالية على الطروحات النظرية، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تفاعلية من خلال تقسيم المشاركات إلى مجموعات عمل، ناقشت كل منها قضايا محددة تمس واقع المرأة في السويد بشكل مباشر، من بين هذه القضايا تفكيك الأعراف الاجتماعية المقيدة، وتعزيز الاستقلال المالي، وتربية الأبناء على الثقة بالنفس، إضافة إلى تفعيل دور القانون كوسيلة للحماية.

وقدمت كل مجموعة خلاصة نقاشاتها في جلسة عامة، حيث طرحت المشاركات رؤى عملية يمكن تطبيقها في الحياة اليومية، ما أضفى على الورشة طابعا تطبيقيا يتجاوز حدود النقاش الأكاديمي.

تجارب ملهمة تعزز الثقة

في ختام الفعالية، نظمت ندوة حوارية أدارها الإعلامي يزن سعد، بمشاركة عدد من النساء الناشطات في مجالات الفن والعمل المجتمعي، من بينهن الفنانة التشكيلية أسيل العامري، إلى جانب رابعة رحال وعلا سمايري.

وقدمت المشاركات تجاربهن الشخصية، متحدثات عن التحديات التي واجهنها وكيف تمكن من تجاوزها.

شكلت هذه الشهادات لحظة فارقة في الورشة، حيث أظهرت كيف يمكن للتجارب الفردية أن تتحول إلى مصدر إلهام جماعي، يعزز الثقة بالنفس ويدفع نحو مزيد من المشاركة الفاعلة في المجتمع.

كما شهدت الفعالية لفتة تكريمية متبادلة بين الحضور، في تعبير عن التقدير المتبادل لدور النساء في العمل الثقافي والمدني، وهو ما أضفى بُعدا إنسانيا إضافيا على الحدث.

الاندماج بين الهوية والمشاركة

أجمعت المشاركات في ختام الورشة على أن الاندماج لا يعني التخلي عن الجذور الثقافية، بل إيجاد توازن بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على المجتمع الجديد. وأكدن أن الوعي بالحقوق والواجبات يمثل حجر الأساس في هذا المسار، وأن المبادرات المجتمعية تلعب دورا محوريا في دعم هذا التوجه.

كما أشرن إلى أن مثل هذه الفعاليات تفتح آفاقا جديدة أمام النساء للتعبير عن أنفسهن، وتوفر مساحة آمنة لتبادل الخبرات وبناء شبكات دعم متبادلة.

تأتي هذه الفعالية في سياق أوسع يشهد تزايدا في أعداد النساء المهاجرات في السويد، حيث تشير بيانات رسمية إلى أن نسبة كبيرة من اللاجئين القادمين خلال العقد الأخير ينتمون إلى مجتمعات شرق أوسطية، ما يطرح تحديات خاصة تتعلق بالاندماج الثقافي والاجتماعي، وتولي المؤسسات السويدية أهمية متزايدة لبرامج تمكين المرأة، باعتبارها عنصرا أساسيا في تحقيق الاستقرار الأسري والمجتمعي.

كما تلعب منظمات المجتمع المدني دورا محوريا في سد الفجوة بين السياسات الحكومية واحتياجات الأفراد، من خلال تنظيم ورش عمل ومبادرات تهدف إلى تعزيز الوعي القانوني والاجتماعي لدى النساء المهاجرات، وتؤكد تقارير صادرة عن منظمات دولية أن تمكين المرأة يسهم بشكل مباشر في تحسين مؤشرات التعليم والعمل والصحة داخل المجتمعات المستضيفة، ما يجعل من هذه الجهود استثمارا طويل الأمد في التنمية والاستقرار.