حذّرت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي الصادر في أبريل 2026 من أن عام 2025 شهد تفاقمًا عالميًا في انتهاكات حقوق الإنسان، مع اتساع النزاعات المسلحة، وتزايد القمع الداخلي، وتآكل احترام القانون الدولي، واستمرار الإفلات من العقاب في كثير من الحالات.
ويغطي التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 150 بلدًا، ويرسم صورة لعالم تتراجع فيه الحماية القانونية والإنسانية أمام منطق القوة والهيمنة والصراعات المفتوحة.
وترى المنظمة أن الأزمة لم تعد تقتصر على انتهاكات متفرقة هنا أو هناك، بل أصبحت تعكس اتجاهًا عالميًا أعمق، يتمثل في تراجع الالتزام بالنظام الدولي القائم على القواعد.
وتقول “العفو الدولية” إن قوى دولية وإقليمية واصلت خلال 2025 انتهاك قواعد الحرب، وتقويض آليات المساءلة، واستخدام خطاب القوة بدلًا من حماية المدنيين وحقوقهم، كما اعتبرت أن كثيرًا من الحكومات بدت عاجزة أو متواطئة أو مائلة إلى التهدئة بدلًا من الدفاع الصريح عن القانون الدولي وحقوق الإنسان.
إيران في صدارة القلق
في السياق الراهن، برزت إيران بوصفها إحدى أكثر القضايا إثارة للقلق في الخطاب الحقوقي المرتبط بالتقرير، ووفق صفحة العفو الدولية الخاصة بإيران لعام 2025، فإن النزاع المسلح الذي استمر 12 يومًا بين إيران وإسرائيل أدى إلى سقوط قتلى مدنيين، وشهد انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
كما قالت المنظمة إن السلطات الإيرانية استغلت هذا النزاع لتكثيف القمع الداخلي، حيث جرى احتجاز آلاف الأشخاص تعسفيًا، واستجوابهم، ومضايقتهم، أو ملاحقتهم على خلفية ممارستهم حقوقهم، وأشارت أيضًا إلى استخدام القوة غير القانونية والأسلحة النارية لتفريق احتجاجات، ما أدى إلى سقوط قتلى.
وفي مراجعتها لحقوق الإنسان في إيران خلال 2024/ 2025، وثّقت المنظمة استمرار انتهاكات واسعة، شملت الإعدام التعسفي، والتمييز، والقمع ضد النساء والفتيات، والاعتقالات التعسفية، والمحاكمات الجائرة، والتعذيب وسوء المعاملة.
وأشارت إلى أن إيران شنّت خلال 2024 هجمات صاروخية مباشرة على إسرائيل، وردّت إسرائيل بضربات داخل إيران، ما عمّق المخاطر على المدنيين ووسّع دائرة الانتهاكات الإقليمية.
انتقادات لواشنطن وتل أبيب
التقرير وجّه انتقادات شديدة أيضًا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فعلى مستوى التقييم العام، قالت العفو الدولية إن بعض القادة، ومنهم دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو، واصلوا خلال 2025 سياسات وصفتها المنظمة بأنها قائمة على التدمير والقمع والعنف واسع النطاق من أجل فرض الهيمنة السياسية والاقتصادية.
وحذرت المنظمة، في العرض العام للتقرير، من أن ما سمّته بعض الحملات والخطابات السياسية، وخصوصًا في الولايات المتحدة، يسرّع اتجاهات خطرة قائمة أصلًا على مستوى العالم.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، تواصل العفو الدولية استخدام توصيفات شديدة، معتبرة أن آليات الحماية الدولية فشلت في حماية الفلسطينيين من الانتهاكات الجسيمة، وتواصل منظمة العفو الدعوة إلى إنهاء ما تصفه بالإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة، بينما تنفي إسرائيل هذه الاتهامات وتقول إنها تمارس حقها في الدفاع عن النفس ضد الإرهاب.
أما بشأن الولايات المتحدة، فـ”العفو الدولية” تنتقد الدور الأمريكي على مستويين: الأول، من خلال السياسات الخارجية والعسكرية التي ترى أنها ساهمت في تقويض القانون الدولي أو دعم أطراف ترتكب انتهاكات؛ والثاني، من خلال التصورات الأيديولوجية والسياسية التي تصوغ العالم في شكل تحالفات حضارية وتغض الطرف عن إرث الاستعمار والهيمنة والعبودية والإبادة، وفق ما ورد في لغة التقرير.
روسيا وجرائم أوكرانيا
في ما يتعلق بروسيا، تؤكد المنظمة أن روسيا واصلت ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في أوكرانيا خلال 2025، في امتداد لموقفها الحقوقي المستمر منذ بداية الحرب.
ويأتي ذلك ضمن تقييم أوسع يضع الحرب الروسية على أوكرانيا في صلب الانتهاكات الكبرى للنظام الدولي، سواء من حيث الاعتداء على المدنيين أو استهداف البنية التحتية أو ترسيخ الإفلات من العقاب.
أحد أهم استنتاجات التقرير أن العالم لم يعد يتحرك وفق تصور مستقر للنظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 واتفاقية منع الإبادة الجماعية.
وترى العفو الدولية أن هذا النظام، رغم هشاشته، لم يكن وهمًا، بل كان ثمرة جهد دبلوماسي وحقوقي طويل، ولذلك تحذّر المنظمة من أن الخطابات التي تتحدث اليوم عن “نهاية النظام القائم على القواعد” لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى أحيانًا إلى شرعنة هدمه بالكامل.
وفي المقابل، يصر التقرير على أن هذا الإرث الحقوقي لم يمت، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية الإبادة الجماعية، وسائر الصكوك القانونية التي أُقرت خلال العقود الثمانية الماضية، لا تزال، بنظر العفو الدولية، تمثل مرجعية حقيقية وليست مجرد نصوص رمزية.
ولهذا، ترى المنظمة أن المعركة الحالية ليست بين “نظام قديم انتهى” و”واقع جديد مفروض”، بل بين من يريد الحفاظ على الحد الأدنى من الضمانات الدولية، ومن يسعى إلى إلغائها أو إفراغها من مضمونها.
مؤشرات أمل محدودة
على الرغم من هذه الصورة القاتمة، لا يقدّم التقرير المشهد بوصفه انهيارًا كاملًا، فالعفو الدولية تشير إلى أمثلة تعتبرها إشارات أمل، سواء في استمرار الاحتجاجات في إيران رغم المخاطر الجسيمة، أو في تحولات سياسية داخل بعض الدول الأوروبية، أو في الإفراج عن سجناء رأي وناشطين بعد حملات تضامن وضغط حقوقي.
كما تشدد المنظمة على أن الجهد الحقوقي والدبلوماسي التراكمي منذ 1945 لا يزال قادرًا على إنتاج أثر، حتى وإن كان محدودًا ومتفاوتًا.
الرسالة الأساسية للتقرير، هي أن الانتهاكات تتزايد، والمساءلة تتراجع، والقانون الدولي يتعرض لاختبار خطير، لكنه في الوقت نفسه يرفض الاستسلام لفكرة أن النظام الحقوقي الدولي انتهى.
وتقول “العفو الدولية” إن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس فقط عدد الانتهاكات أو شدتها، بل اعتيادها، وتحولها إلى سلوك طبيعي تمارسه دول قوية وجهات فاعلة مسلحة من دون خوف كافٍ من المحاسبة.
