منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رغم الضمانات الدستورية.. تزايد القلق الدولي بشأن الحقوق والحريات في موريتانيا

24 أبريل 2026
تشهد موريتانيا في الأشهر الأخيرة تصاعدًا في القلق الحقوقي بشأن حرية التعبير
تشهد موريتانيا في الأشهر الأخيرة تصاعدًا في القلق الحقوقي بشأن حرية التعبير

تشهد موريتانيا في الأشهر الأخيرة تصاعدًا في القلق الحقوقي بشأن حرية التعبير والحق في التظاهر السلمي وحماية المعارضين والنشطاء، وسط تحذيرات منظمات محلية ودولية من تضييق متزايد على المجال العام.

وفي أحدث هذه التحذيرات، قال المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، إن البلاد تعرف “تراجعًا مقلقًا في مجال الحقوق والحريات، وعودة لعهود التضييق والتكميم”، داعيًا إلى الإفراج عن المعتقلين على خلفية آرائهم أو مشاركتهم في أنشطة سلمية، ومراجعة القوانين المقيدة للحريات، وعلى رأسها “قانون الرموز”.

وربط المرصد هذا التراجع بما وصفه بسجن نائبتين برلمانيتين، وقمع احتجاجات ضد الغلاء، واستمرار اعتقال الناشطة وردة أحمد سليمان، وتوقيف أستاذ على خلفية تدوينة.

هذا القلق المحلي يتقاطع مع مؤشرات دولية أوسع، فمنظمة العفو الدولية قالت في تقريرها السنوي عن موريتانيا إن حقوق حرية التعبير والتجمع السلمي تعرضت لانتهاكات عبر إجراءات قمعية شملت قطع الإنترنت والاستخدام المفرط للقوة.

كما وثقت المنظمة وفاة شخص واحد على الأقل في الحجز بعد تعرضه للتعذيب، وتحدثت عن تعرض ناشط للاختفاء القسري على يد الشرطة الموريتانية بالتعاون مع نظيرتها السنغالية، إلى جانب استمرار الرق القائم على النسب ووجود “ثقافة عامة من الإفلات من العقاب” بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي بحسب خبراء أمميين.

هذه المعطيات تُظهر أن ملف الحقوق والحريات في موريتانيا لا يقتصر على حرية الرأي فقط، بل يمتد إلى السلامة الجسدية، وحقوق التجمع، والعدالة، والمساواة.

مخاوف من وضع الحريات

ومن حيث الإطار الأممي، خضعت موريتانيا في 20 يناير 2026 للاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان للمرة الرابعة، مع اعتماد التوصيات في 30 يناير 2026.

وخلال هذا المسار، أبرزت منصات متابعة أممية وحقوقية أن عددًا من الدول ركز على حرية الإعلام وحرية التعبير وضرورة إلغاء تجريم التشهير وتعزيز حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء والمدونين.

وفي ملخص مستقل لمخرجات الدورة، قيل إن الدول الأعضاء قدمت 7 توصيات مرتبطة مباشرة بحرية التعبير.

هذا يعني أن المخاوف من وضع الحريات في موريتانيا لم تعد مجرد نقاش محلي، بل أصبحت جزءًا من الأجندة الحقوقية الدولية الخاصة بالبلاد.

قانون الرموز يثير الجدل

يُعد قانون حماية الرموز الوطنية، المعروف محليًا باسم “قانون الرموز”، من أكثر النصوص إثارة للجدل في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة.

وقد اعتمد البرلمان القانون في 9 نوفمبر 2021 تحت رقم 2021-021، قبل أن يدخل حيز التنفيذ في 15 ديسمبر 2021، ومنذ ذلك الحين، اعتبرته منظمات مثل ARTICLE 19 تهديدًا مباشرًا لحرية التعبير.

وقالت إن نصوصه المتعلقة بـ”المساس بهيبة الدولة” و”الرموز الوطنية” و”شرف المواطن” يمكن أن تُستخدم بصورة فضفاضة لتجريم الخطاب النقدي أو السياسي أو المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تشير “مراسلون بلا حدود” إلى أن هذا القانون، رغم إلغاء تجريم جرائم النشر في 2011، ما زال قادرًا على تقييد العمل الصحفي لأن بعض مواده قد تُفسَّر بطريقة تُعاقب الصحفيين الذين يغطون قضايا حساسة أو شخصيات نافذة.

سجال سياسي وحقوقي

وتُظهر التطورات الأخيرة كيف صار هذا القانون حاضرًا في قلب السجال السياسي والحقوقي، ففي 15 أبريل 2026، وثقت مؤسسة الإعلام لغرب إفريقيا اعتقال النائبتين مريم منت الشيخ وغامه عاشور سالم بعد نشر مقاطع فيديو تنتقد الرئيس محمد ولد الغزواني.

وذكرت المؤسسة أن الاعتقال جرى تحت قانون 2021-021، رغم تمتعهما بالحصانة البرلمانية، معتبرة أن ذلك يمثل تصعيدًا في تضييق المجال المدني، وطالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهما.

وأشارت إلى أن شخصيات ونشطاء آخرين، بينهم أبلاي با وسيدي محمد ولد بيده، سبق أن واجهوا تبعات مماثلة بموجب القانون نفسه.

وإلى جانب حرية التعبير، يبرز الحق في التظاهر السلمي بوصفه ساحة أخرى للتوتر، فقد أفادت مؤسسة الإعلام لغرب إفريقيا بأن الشرطة فرّقت في 5 أبريل 2026 احتجاجًا في نواكشوط ضد ارتفاع أسعار المحروقات والنقل باستخدام الغاز المسيل للدموع، بعد زيادة قيل إنها بلغت 10% في أجور النقل المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود.

كما ربط المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان بين التراجع الحالي وقمع مظاهرات سلمية دعا إليها حزب “تحدي” ضد الغلاء، وما أسفر عنه من إصابات في صفوف المحتجين، إضافة إلى قمع احتجاجات نظمها نشطاء حركة إيرا في نواذيبو، وتعكس هذه الوقائع أن التوتر بين الشارع والسلطات لم يعد سياسيًا فقط، بل بات يتصل كذلك بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

قوانين تقيّد التعبير

ويكتسب هذا البعد الاجتماعي أهمية خاصة في بلد ترتبط فيه الأزمات المعيشية بالاحتجاج، ورغم أن الاحتجاجات ضد الأسعار ليست جديدة في موريتانيا فإن تداخلها اليوم مع قوانين تجرّم أو تقيّد التعبير، ومع ملاحقة ناشطين وصحفيين، يجعل أي تحرك جماهيري أكثر كلفة وأشد حساسية من الناحية الحقوقية.

وهنا لا يصبح السؤال فقط: هل يستطيع الناس التظاهر؟ بل أيضًا: هل يمكنهم الاحتجاج من دون خوف من القمع أو الملاحقة أو الاتهام بالإساءة للدولة أو رموزها؟

وضمن هذا المناخ، تتكرر الإشارات إلى ملاحقة نشطاء ومعارضين على خلفية آرائهم أو نشاطهم العام. المرصد الموريتاني أشار إلى استمرار اعتقال الناشطة وردة أحمد سليمان منذ أكثر من شهرين رغم وضعها الصحي، وهو ما تكرر أيضًا في تقارير محلية تناولت القضية.

وفي فبراير 2026، وصفت حركة “إيرا” سجن وردة سليمان بأنه “خطوة تعسفية”، بينما نقلت منصات أخرى عن الحركة أن القضية ارتبطت بشكوى من شخص قالت الحركة إنه أساء إليها وإلى رموزها.

ورغم أن ملابسات هذه القضية لا تزال محل روايات متباينة، فإن ذكرها المتكرر في تقارير محلية وحقوقية يعكس إدراجها ضمن ما يُنظر إليه كأمثلة على تضييق متزايد على النشطاء.

مؤشر حرية الصحافة

هذا النمط لا يقتصر على النشطاء، بل يطول أيضًا المجال الصحفي والإعلامي، صحيح أن موريتانيا لا تزال تحتفظ بموقع متقدم نسبيًا في العالم العربي على مؤشر حرية الصحافة لدى “مراسلون بلا حدود”، وأن جرائم النشر أُزيلت من القانون الجنائي منذ 2011، لكن “مراسلون بلا حدود” تقول إن الصحفيين ما زالوا عرضة للضغط السياسي بسبب هشاشة أوضاعهم الاقتصادية، وإن قانون حماية الرموز الوطنية قد يقيّد التغطية الصحفية لبعض الموضوعات والشخصيات.

كما أن الهيئة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، التي توسعت سلطتها إلى الفضاء الرقمي بعد إصلاح 2022، لا تزال مؤسسة مركزية في تنظيم المجال الإعلامي، ورئيسها يُعيَّن بمرسوم رئاسي، وهو ما يثير نقاشًا بشأن استقلالية التنظيم الإعلامي.

حقوق أخرى مقلقة

غير أن صورة الحقوق والحريات في موريتانيا لا تقف عند التعبير والتظاهر؛ “العفو الدولية” تقول إن الرق القائم على النسب ما زال مستمرًا، وإن البلاد تشهد أيضًا قضايا تتعلق بالتعذيب والاختفاء القسري والإفلات من العقاب في جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ويمثل هذا بُعدًا مهمًا لأن النقاش حول الحريات العامة لا يمكن عزله عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والعدالة الجسدية والمساواة. فحين تتراجع الضمانات ضد التعذيب، أو يستمر الرق الحديث، أو تضعف الحماية من العنف القائم على النوع، فإن ذلك يضعف أيضًا معنى دولة القانون نفسها.

كما أن التوصيات المرتبطة بموريتانيا في الاستعراض الدوري شملت أيضًا مسائل تتعلق بالمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، والتصديق على معاهدات دولية، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وهي كلها قضايا ترتبط مباشرة بجودة الضمانات التي يفترض أن تحمي الناس من تعسف السلطة ومن هشاشة العدالة.

وتُظهر هذه الصورة أن ملف الحقوق في موريتانيا ليس ملفًا قطاعيًا منفصلًا، بل منظومة مترابطة: حرية التعبير، واستقلال القضاء، وسلامة المتظاهرين، وحماية النشطاء، والعدالة الاجتماعية.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية