أعلنت اللجنة العليا لشؤون اللاجئين التابعة لإدارة طالبان في أفغانستان عودة 5802 مهاجر أفغاني خلال 24 ساعة فقط، بعد ترحيلهم من باكستان وإيران، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة الضغوط على اللاجئين في المنطقة.
وبحسب بيان صادر عن اللجنة العليا لشؤون اللاجئين في إدارة طالبان، فإن 5450 مهاجراً تم ترحيلهم من باكستان، مقابل 352 مهاجراً من إيران خلال الفترة ذاتها، وهو ما يعكس تفاوتاً واضحاً في سياسات الترحيل بين البلدين، مع تصاعد ملحوظ في الإجراءات الباكستانية خلال الأسابيع الأخيرة.
معابر العودة تحت الضغط
دخل العائدون إلى أفغانستان عبر عدد من المعابر الحدودية الرئيسية، أبرزها طورخم وسبين بولدك على الحدود مع باكستان، إضافة إلى إسلام قلعة وجسر الحرير على الحدود مع إيران، وتشكل هذه النقاط شرايين حيوية لعبور المهاجرين، لكنها تحولت في الفترة الأخيرة إلى مراكز ضغط إنساني نتيجة التدفق الكبير للعائدين.
تشير المعطيات الميدانية إلى تراجع نسبي في عمليات الترحيل من إيران خلال الأسابيع الماضية، مقابل ارتفاع ملحوظ في عمليات الطرد من باكستان، في ظل توترات مستمرة بين إدارة طالبان وإسلام آباد منذ نحو 6 أشهر، وقد انعكس هذا التوتر على حركة العبور، حيث تم تقييد التنقل عبر المعابر ليقتصر بشكل شبه كامل على العائدين، مع توقف معظم أشكال الحركة الأخرى.
يواجه العائدون إلى أفغانستان واقعاً صعباً، إذ يجد كثير منهم أنفسهم بلا مأوى أو مصادر دخل، في ظل أوضاع اقتصادية هشة وبنية تحتية محدودة. وتزداد التحديات حدة مع ارتفاع معدلات البطالة وغياب شبكات الحماية الاجتماعية، ما يضع آلاف الأسر أمام مستقبل غير واضح المعالم.
نقص الدعم وتزايد المخاوف
ورغم إعلان إدارة طالبان عن برامج لدعم العائدين، لا تزال التفاصيل المتعلقة بآليات التنفيذ محدودة وغير واضحة، ما يثير تساؤلات حول قدرة السلطات على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة، كما تتزايد المخاوف بشأن الأوضاع الإنسانية عند المعابر الحدودية، حيث يواجه العائدون نقصاً في الخدمات الأساسية مثل الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.
تعكس هذه التطورات تعقيداً أوسع في ملف اللاجئين الأفغان الذي ظل لسنوات أحد أكبر تحديات المنطقة. فمع استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية داخل أفغانستان، تتزايد الضغوط على الدول المجاورة التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين، ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً، تتراوح بين القيود القانونية وعمليات الترحيل.
تداعيات إنسانية متصاعدة
وبحسب الأمم المتحدة فإن تسارع عمليات الترحيل دون تنسيق دولي كافٍ قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية داخل أفغانستان، خاصة في ظل محدودية الموارد وضعف القدرة الاستيعابية، كما أن عودة هذا العدد الكبير من الأشخاص خلال فترات زمنية قصيرة تضع ضغوطاً إضافية على المجتمعات المحلية التي تعاني أصلاً من نقص في الخدمات الأساسية.
وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى أن أكثر من 5 ملايين أفغاني عادوا من إيران وباكستان منذ سبتمبر 2023، ووفقاً لـ”موتيا إيزورا ماسكون”، نائبة رئيس بعثة المنظمة في أفغانستان، فإن هذا العدد يعادل نحو 10% من إجمالي سكان البلاد.
وشهد العام 2025 وحده عودة 3 ملايين أفغاني عبر حدود البلاد مع جارتيها باكستان وإيران، علماً بأن بعضهم قضى عقوداً من الزمن في الخارج، وتؤكد ماسكون أن تدفقاً بشرياً بهذا الحجم يمثل تحدياً هائلاً لأي دولة في إدارة شؤونها.
وأظهر مسح أجرته المنظمة الدولية للهجرة شمل 1339 مهاجراً عادوا بين سبتمبر 2023 وديسمبر 2024، أن 80% من العائدين لا يملكون مسكناً دائماً حتى بعد مرور أشهر على وصولهم، حيث يضطرون للعيش في مساكن مؤقتة.
كما كشف استطلاع للرأي أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) -شمل 1658 عائداً – أن ثلاثة أرباع المستأجرين عاجزون عن سداد الإيجار، وأن غالبية الأسر تعيش في غرف مشتركة تضم ما يصل إلى أربعة أشخاص.
يعد ملف اللاجئين الأفغان من أكبر قضايا النزوح في العالم، حيث استضافت باكستان وإيران على مدى عقود ملايين الأفغان الذين فروا من الحروب والصراعات وعدم الاستقرار، ومع عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، تزايدت التحديات الاقتصادية والإنسانية داخل أفغانستان، ما دفع أعدادا كبيرة من السكان إلى الهجرة أو البقاء في الخارج، وفي المقابل، بدأت الدول المجاورة في تشديد سياساتها تجاه اللاجئين، ما أدى إلى موجات من العودة القسرية، وتواجه المنظمات الدولية تحديات كبيرة في تقديم الدعم الكافي، في ظل نقص التمويل وتعقيد الأوضاع السياسية، وهو ما يجعل من أزمة العائدين واحدة من أبرز القضايا الإنسانية في المنطقة اليوم.
