غابي هينسليف
هل يتحمّل والدَا أكسل روداكوبانا مسؤولية الجريمة المروّعة التي ارتكبها؟ إنه سؤال قد تخشى عائلات كثيرة حتى التفكير في الإجابة عنه.
ربما كان بالإمكان إنقاذ أرواح، لو تصرّف بعض البالغين المعنيين بطريقة مختلفة. ولتفادي تكرار مأساة ساوثبورت، ينبغي أن يشعر الآباء بأن طلب المساعدة ممكن، لا مخيف.
قبل وقت قصير من مغادرة أكسل المنزل، يُعتقد أن والدته عثرت على عبوة سكين ملقاة.
كان والداه يعلمان بالفعل أن ابنهما، البالغ من العمر 17 عامًا، كان يطلب أسلحة عبر البريد، ويتابع مقاطع صادمة على الإنترنت لجرائم مروعة، وأنه اعتدى سابقًا على فتى كان يحمل ضده ضغينة. في المنزل، كان سلوكه مخيفًا إلى حد أن أفراد أسرته كانوا يتعاملون معه بحذر شديد. ومع ذلك، ورغم أن المرات القليلة التي غادر فيها المنزل خلال العامين السابقين كانت بدوافع عنيفة، لم يتصلا بالشرطة عندما أدركا اختفاءه.
اللافت أنه مع بدء تسرّب الأخبار بعد ظهر ذلك اليوم عن وقوع حادث مروّع في البلدة، كان أول ما خطر ببال والده، ألفونس، هو احتمال تورط ابنه.. لكن الأوان كان قد فات؛ ثلاث فتيات صغيرات لن يعدن إلى منازلهن بعد مشاركتهن في ورشة رقص صيفية، والناجون ستتغير حياتهم إلى الأبد بسبب ما رأوه. وكذلك، وإن بشكل مختلف، ستتغير حياة عائلة روداكوبانا نفسها.
هذا الأسبوع، خلص القاضي الذي يقود التحقيق العام في جرائم القتل التي وقعت عام 2024 بحق أليس دا سيلفا أغيار وبيبي كينج وإلسي دوت ستانكومب في ساوثبورت، إلى أنه كان يمكن إنقاذ أرواح لو تصرف عدد من البالغين الذين تعاملوا مع روداكوبانا بشكل مختلف. وما يميّز تقريره عن غيره من تقارير جرائم القتل المشابهة هو إضافته الصريحة لوالديه إلى قائمة الجهات التي أخفقت.
أقرّ القاضي السير أدريان فولفورد بأن ألفونس روداكوبانا ولايتيتيا موزاييري واجها تحديات هائلة في تربية طفلين يعانيان من التوحد، أحدهما حسن السلوك لكنه مصاب باضطراب عصبي عضلي. وحذّر من شيطنتهما، معتبرًا أن ذلك لن يفيد. (وهو أمل ضعيف في هذا المناخ السياسي؛ إذ دعا روبرت جينريك بالفعل إلى ترحيل الزوجين المولودين في رواندا، رغم أنهما يحملان الجنسية البريطانية).
لكن فولفورد خلص إلى أن الوالدين، بدافع يأسهما من احتمال وضع ابنهما الخطير تحت الرعاية أو الاحتجاز، قاما بتضليل السلطات بل وحتى نفسيهما، من خلال التقليل من شأن عنفه المتصاعد وإخفاء معلومات عنه. بل إن والده تحدّى بعض المختصين بعنف إلى درجة أن طبيبته النفسية طلبت -للمرة الأولى في مسيرتها- إعفاءها من متابعة الحالة. أما والدته، الناجية مثل زوجها من الإبادة الجماعية في رواندا، فبدت مشلولة تقريبًا من خوفها من السكاكين، حتى إن القاضي رجّح أنها كانت أحيانًا تنفصل نفسيًا عمّا يدور حولها.
قد يتمكن بعض الآباء من تفهّم الرغبة اليائسة في إنكار ما هو واضح أمامهم، وسيُدرك معظمهم الخوف من فقدان طفلهم. لكن الإخفاق في اتخاذ خطوة كان يمكن أن تمنع عائلات أخرى من فقدان أطفالها؟ هذا أمر يصعب استيعابه.
إذا كان والدا أكسل قد شعرا بالخجل من الاعتراف بخوفهما من ابنهما، فهما على الأرجح ليسا الوحيدين.. هذا النوع من العنف الأسري شائع إلى حد أن واحدًا من كل خمسة حوادث قتل لنساء على يد رجال في بريطانيا العام الماضي، كان المشتبه به فيها ابن الضحية. ومع ذلك، يظل هذا الواقع مخفيًا ومحاطًا بالوصمة.
لكن الخطأ القاتل الذي ارتكبه الوالدان، على ما يبدو، هو تركيزهما على حماية ابنهما فقط، دون إدراك الحاجة المتزايدة لحماية الآخرين منه. ما حدث يذكّرنا بأن الأبوة قد تكون في آن واحد تضحية بلا حدود -حيث لا سقف لما قد نتحمله من أجل أطفالنا- وأنانية أيضًا، حين تتعارض مصلحة أبنائنا مع مصلحة المجتمع.
إلى أي مدى ينبغي تحميل الآباء المسؤولية، ليس فقط عن أبنائهم، بل عن سلامة الآخرين؟ في الولايات المتحدة، تتجه المحاكم إلى موقف أكثر تشددًا، فقد أصبح جيمس وجينيفر كرامبلي أول والدين يُسجنان بتهمة القتل غير العمد بسبب إطلاق نار مدرسي نفّذه ابنهما إيثان (15 عامًا)، بعد ثبوت تقصيرهما في طلب المساعدة لحالته النفسية المتدهورة، بل وشرائهما له سلاحًا كهدية عيد الميلاد. وعندما استدعتهما المدرسة لمناقشة رسم مقلق رسمه، أنهيا الاجتماع سريعًا للعودة إلى العمل، ورفضا اصطحابه إلى المنزل. وبعدها بوقت قصير، عاد إيثان إلى الفصل حاملاً سلاحًا في حقيبته وقتل أربعة مراهقين.
لكن إذا صُوِّر آل كرامبلي في المحكمة كآباء مشتتين، فإن عائلة روداكوبانا بدت على النقيض: متداخلة أكثر من اللازم. لم يتمكنوا من فرض حدود واضحة -بل خافوا حتى من وضع رقابة أبوية على أجهزته خوفًا من رد فعله، رغم تحذيرات المدرسة بشأن ما يشاهده عبر الإنترنت- وكانوا يلقون باللوم على الجميع باستثناء ابنهم. كل مدرسة تقريبًا تعرف هذا النمط من الآباء، الذين يرفضون الاعتراف بأن طفلهم قد يكون مخطئًا، وإن نادرًا ما تكون العواقب بهذا القدر من الفظاعة.
السؤال هو: متى يتحول ضعف التربية إلى جريمة إهمال؟ وما الجدوى العامة من سجن الآباء، خاصة إذا كان لديهم أطفال آخرون لا ينبغي أن يدفعوا ثمن أخطاء أشقائهم؟
أوصى فولفورد بدراسة استحداث جريمة جديدة تستهدف الآباء أو الشهود الذين يفشلون في الإبلاغ عن سلوك إجرامي. لكن مثل هذا القانون يجب أن يكون دقيقًا للغاية حتى لا يطال أولئك الذين يشاهدون أبناءهم ينزلقون خارج نطاق السيطرة دون ذنب منهم. (فالأطباء لم يجدوا دليلًا على مرض نفسي لدى أكسل، ولم يستوفِ أيضًا معايير برنامج مكافحة التطرف “بريفنت”، لعدم وجود دافع أيديولوجي واضح، رغم تعديل هذه المعايير لاحقًا).
ومع ذلك، فإن الآباء الأكثر هشاشة -ممن لا يستطيعون تحمّل تكاليف العلاج الخاص أو التعامل مع شبكة معقدة من المؤسسات- هم الأكثر عرضة لتحمّل تبعات مثل هذه القوانين.
أحد الخيارات المطروحة هو توسيع جريمة عدم الإبلاغ عن التخطيط لعمل إرهابي لتشمل التخطيط لهجمات جماعية بلا دوافع أيديولوجية، مع دعم ذلك بتدخلات مشابهة لبرنامج “بريفنت” تستهدف المراهقين عاليي الخطورة. فإذا شعر الآباء بأن طلب المساعدة لا يعني التضحية بأبنائهم، فقد نقترب خطوة من منع مآسٍ جديدة.
أما الآن، فالدرس القاسي لبقية الآباء هو أن محاولة حماية طفلهم على حساب الآخرين قد تقود في النهاية إلى خسارته. فقد انتهى الأمر بوالدي أكسل إلى رؤيته يُسلب منهم بحكم السجن.
ويبقى عزاء الآخرين أنهم لم يُوضعوا في مثل هذا الاختيار المستحيل.
نقلاً عن الغارديان
