مع بداية كل موسم أمطار في سوريا، تتحول البادية إلى وجهة لعشرات آلاف المدنيين الباحثين عن الكمأة التي باتت تمثل أحد أبرز مصادر الدخل الموسمية في بلد يعاني من أزمة اقتصادية حادة، وتؤكد بيانات البنك الدولي أن أكثر من 90 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ما يدفع العديد من الأسر إلى الاعتماد على موارد طبيعية غير مستقرة لتأمين احتياجاتها الأساسية، وفي هذا السياق، تبرز الكمأة بوصفها فرصة اقتصادية نادرة، لكنها محفوفة بمخاطر معقدة تتجاوز البعد المعيشي إلى تهديد مباشر للحياة.
تعد الكمأة من النباتات الفطرية التي تنمو في المناطق الصحراوية بعد هطول الأمطار، وتعرف في سوريا بأسماء متعددة مثل “بنات الرعد” و”فقع الأرض”، ويسميها البعض “لحم الفقراء” وتتمتع بقيمة غذائية واقتصادية عالية، حيث يتم تصديرها إلى عدة دول في المنطقة، إلا أن انتشارها في مناطق ملوثة بمخلفات الحرب جعلها ترتبط بمخاطر كبيرة، ما حول موسم جمعها إلى ظاهرة إنسانية معقدة تجمع بين الحاجة الاقتصادية والخطر الأمني.
انتشار واسع في مناطق ملوثة
تنتشر الكمأة في مساحات شاسعة من البادية السورية، تقدر بنحو 75 ألف كيلومتر مربع، وفق بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وتشمل مناطق في حمص وحماة والرقة ودير الزور والحسكة، لكن هذه المناطق نفسها تعد من بين الأكثر تلوثاً بمخلفات الحرب، حيث تشير تقديرات خدمة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام إلى أن سوريا تضم واحدة من أعلى نسب التلوث بالذخائر غير المنفجرة عالمياً، وهذا التداخل بين الثروة الطبيعية والخطر الكامن يجعل من عملية جمع الكمأة نشاطاً محفوفاً بالموت.
الألغام تهديد دائم
تشكل الألغام الأرضية ومخلفات الحرب أحد أخطر التهديدات المستمرة للمدنيين في مناطق انتشار الكمأة في سوريا، حيث تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذه المخلفات لا تزال تحصد الأرواح بعد توقف العمليات العسكرية، وتشير تقديرات خدمة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام إلى أن سوريا تعد من أكثر الدول تلوثاً بالذخائر غير المنفجرة، إذ تنتشر هذه المخلفات على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبادية دون وجود خرائط دقيقة تحدد مواقعها، وتفيد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن ملايين القطع من الذخائر غير المنفجرة، ومنها الألغام الأرضية، ما تزال منتشرة في البلاد، ما يجعل الوصول إلى مصادر الرزق مثل الكمأة محفوفاً بمخاطر يومية.
وتوضح خدمة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أن أكثر من نصف المجتمعات المحلية في سوريا تعيش في مناطق ملوثة بمخلفات الحرب، في حين تقدر منظمات أممية أن مئات الآلاف من الألغام والذخائر لم تتم إزالتها حتى الآن بسبب محدودية التمويل وتعقيد العمليات الميدانية. كما تشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن نقص عمليات المسح وإزالة الألغام، خاصة في المناطق الصحراوية مثل البادية السورية، يزيد من احتمالات وقوع ضحايا بين المدنيين، خصوصاً مع عودة الأنشطة الاقتصادية التقليدية، وفي هذا السياق، تتحول كل رحلة بحث عن الكمأة إلى مخاطرة حقيقية، في ظل غياب بنية حماية فعالة أو تحذيرات كافية تغطي كامل المناطق الملوثة.

تحذيرات أممية متكررة
يحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن الألغام تمثل أحد أبرز التحديات الإنسانية في سوريا، مشيراً إلى أن المدنيين الذين يعودون إلى مناطقهم أو يبحثون عن مصادر دخل هم الأكثر عرضة للخطر، كما يؤكد أن نقص التمويل يحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج إزالة الألغام والتوعية بمخاطرها، وتدعو الأمم المتحدة إلى تكثيف الجهود الدولية لمعالجة هذه الأزمة، خاصة في ظل استمرار سقوط الضحايا.
إرشادات محلية
أصدر الدفاع المدني السوري سلسلة من الإرشادات الموجهة للمدنيين، دعا فيها إلى تجنب دخول المناطق غير الآمنة والالتزام بإجراءات السلامة، إلا أن هذه التوصيات تبقى محدودة التأثير في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية، ما يدفع السكان إلى تجاهل المخاطر، وتؤكد تقارير محلية أن ضعف الإمكانيات الفنية وغياب المعدات اللازمة يعوق جهود الاستجابة، ويترك المدنيين في مواجهة مباشرة مع الخطر.
تصاعد أعداد الضحايا
تشير الإحصاءات إلى تزايد مستمر في أعداد الضحايا المرتبطين بجمع الكمأة خلال السنوات الأخيرة، فقد سجل عام 2024 مقتل أكثر من 110 أشخاص خلال فترة قصيرة، بحسب الدفاع المدني السوري، في حين وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ارتفاع العدد إلى نحو 180 مدنياً في عام 2025، وتوضح هذه الأرقام أن الظاهرة لم تعد حوادث متفرقة، بل تحولت إلى أزمة إنسانية موسمية تتكرر سنوياً، مع تزايد حدتها في ظل غياب إجراءات حماية فعالة.
وشهد عام 2026 تصاعداً لافتاً في الحوادث المرتبطة بجمع الكمأة في سوريا، حيث تكررت انفجارات الألغام بشكل شبه يومي مع بداية الموسم، ما أدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين، بينهم أطفال ونساء، ففي أبريل 2026 قُتل سبعة أشخاص من عائلة واحدة، بينهم أطفال ونساء، إثر انفجار لغم أرضي استهدف سيارة كانت تقلهم أثناء توجههم للبحث عن الكمأة في منطقة عقيربات بريف حماة الشرقي، في واحدة من أكثر الحوادث دموية خلال الموسم.
وفي حادثة أخرى متزامنة في المنطقة ذاتها، أدى انفجار لغم أرضي بسيارة تقل عائلة إلى مقتل ثلاثة أطفال وإصابة أربعة آخرين بجروح متفاوتة، بينهم مراهقون تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً، ما يعكس اتساع دائرة الخطر لتشمل مختلف الفئات العمرية، كما وثقت تقارير ميدانية مقتل ثلاثة أشخاص من عائلة نازحة، بينهم طفل وامرأتان، وإصابة ناجٍ بجروح خطيرة أدت إلى بتر أحد أطرافه، أثناء توجههم لجمع الكمأة في ريف حماة.
وفي محافظة دير الزور، سجلت حوادث متفرقة خلال مارس 2026، حيث قُتل خمسة أشخاص في يوم واحد نتيجة انفجار ألغام أثناء جمع الكمأة في مناطق مختلفة من البادية، في حين ارتفعت الحصيلة إلى 19 قتيلاً خلال فترة قصيرة مع بداية الموسم، بحسب ما ذكره تلفزيون سوريا، وتعكس هذه الأرقام نمطاً متكرراً من الحوادث الجماعية، حيث تقع الانفجارات غالباً أثناء تنقل مجموعات من المدنيين أو عائلات كاملة داخل مناطق غير ممسوحة.
وتؤكد هذه الوقائع أن موسم الكمأة في 2026 لم يكن مجرد نشاط اقتصادي موسمي، بل تحول إلى سلسلة من الحوادث المميتة المرتبطة مباشرة بانتشار الألغام ومخلفات الحرب، كما تشير المعطيات إلى أن تكرار الحوادث في مناطق محددة مثل بادية حماة ودير الزور يعكس استمرار غياب عمليات إزالة الألغام بشكل كاف، ما يجعل هذه المناطق واحدة من أخطر البيئات على المدنيين في سوريا خلال هذا الموسم.
سوق مربحة وسط غياب البدائل الاقتصادية
رغم المخاطر، تظل الكمأة من المنتجات ذات القيمة الاقتصادية العالية، حيث تصل أسعار بعض أنواعها إلى مستويات مرتفعة في الأسواق المحلية والدولية. وتشير بيانات تجارية محلية إلى تصديرها إلى لبنان والعراق ودول الخليج وتركيا، ما يعزز من جاذبيتها بوصفها مصدر دخل. ويعد نوع الزبيدي من أغلى الأنواع، إذ قد يصل وزن الحبة الواحدة إلى نحو كيلوغرام، ما يرفع من قيمتها السوقية بشكل كبير.
يرتبط الإقبال على جمع الكمأة بشكل مباشر بتدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا، حيث تشير بيانات الأمم المتحدة إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض فرص العمل في المناطق الريفية، وفي ظل هذا الواقع، تصبح المخاطرة خياراً شبه إجباري للعديد من الأسر، وتؤكد هذه المعطيات أن المشكلة لا تقتصر على المخاطر الأمنية، بل تمتد إلى غياب سياسات تنموية توفر بدائل آمنة ومستدامة.
مخاطر أمنية إضافية
إلى جانب الألغام، يواجه الباحثون عن الكمأة تهديدات أخرى، تشمل التعرض لهجمات أو عمليات سلب من قبل مجموعات مسلحة، وفقاً لتقارير محلية، وتضيف هذه المخاطر بعداً جديداً للأزمة، حيث يجد المدنيون أنفسهم بين خطرين متوازيين: الألغام، والعنف، ويؤدي هذا الواقع إلى زيادة هشاشة الأوضاع الأمنية في البادية السورية.
مواقف حقوقية وتحذيرات دولية
أعربت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن قلقها من استمرار سقوط الضحايا، ودععت إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين، كما أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن مخلفات الحرب تمثل تهديداً طويل الأمد، يتطلب استجابة دولية شاملة، وتشدد هذه المنظمات على ضرورة توثيق الانتهاكات وضمان المساءلة بما يتماشى مع المعايير الدولية.
وينص القانون الدولي الإنساني على التزام أطراف النزاع بإزالة مخلفات الحرب وحماية المدنيين، وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الذخائر غير المنفجرة تشكل انتهاكاً مستمراً لحقوق الإنسان، كما تشير اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد إلى ضرورة اتخاذ تدابير فعالة لمنع استخدامها وإزالتها، رغم أن تطبيق هذه الالتزامات في الحالة السورية يواجه تحديات كبيرة.
فجوة الاستجابة الدولية
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود فجوة كبيرة بين حجم المشكلة والموارد المخصصة لمعالجتها، حيث يعاني قطاع إزالة الألغام من نقص التمويل، ويؤثر هذا القصور بشكل مباشر في قدرة المنظمات على تنفيذ برامج فعالة، ما يؤدي إلى استمرار الخطر. وتؤكد هذه المعطيات أن الاستجابة الحالية غير كافية لمواجهة الأزمة.
تعكس أزمة الكمأة في سوريا تداخلاً معقداً بين العوامل الاقتصادية والأمنية والإنسانية، حيث يتحول مورد طبيعي إلى مصدر خطر، وفي ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع المعيشية، يبدو أن هذه الظاهرة ستستمر في حصد المزيد من الضحايا، وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن معالجة هذه الأزمة تتطلب نهجاً شاملاً يجمع بين إزالة الألغام وتوفير بدائل اقتصادية.

