منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أطفال يدفعون الثمن وأزمات تنتهي بالموت..

الطلاق في مصر.. أرقام تتصاعد وقوانين تعجز عن الاحتواء

14 أبريل 2026
مقترح لتعديلات على قانون الأحوال الشخصية بشأن المرأة المطلقة في مصر
مقترح لتعديلات على قانون الأحوال الشخصية بشأن المرأة المطلقة في مصر

تجدد الحديث والجدل عن قضية النفقة والحضانة في مصر مع توالي الحوادث المرتبطة بالقضية والتي شغلت الرأي العام في مصر خلال الفترة الماضية، انطلاقا من عدة أعمال درامية ناقشت القضية في شهر رمضان المنقضي، وانتهاء بحادث البلوغر المصرية التي أنهت حياتها في الإسكندرية وما تردد عن معاناتها النفسية منذ طلاقها.

وفي هذا السياق، وجه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الحكومة بسرعة تقديم تعديلات قوانين الأحوال الشخصية والحماية الاجتماعية للأسر المصرية في مجلس النواب لمناقشتها والانتهاء من إقرارها دعما لحماية حقوق الأبناء وحفاظا على سلامة وأمان المجتمع والأسر المصرية.

ويناقش مجلس النواب المصري، مقترح تعديلات على قانون الأحوال الشخصية، يتضمن حدًا أدنى للنفقة لا يقل عن 10 آلاف جنيه، وأن تكون الحضانة للأم أولًا ثم تنتقل مباشرة إلى الأب، مع استبدال الرؤية بالاستضافة، وعدم سقوط الحضانة تلقائيًا بزواج الحاضنة، وإتاحة رفع دعوى للحصول على ثلث ثروة الزوج عند ثبوت قدرته المالية.

وهذا التفصيل ليس شكليًا، لأن النقاش العام في مصر كثيرًا ما يتعامل مع مقترحات الأحوال الشخصية بوصفها “قوانين جديدة” قبل أن تتخذ مسارها التشريعي الكامل.

وتحدثت تقارير صحفية لاحقة عن تعديل البند المثير للجدل من “ثلث الثروة” إلى “ثلث الراتب” بعد ردود الفعل الواسعة، ما يعني أن النص المتداول نفسه لم يستقر بعد في صيغة واحدة يمكن اعتبارها نهائية.

لماذا يثار الملف؟

النقاش لا يأتي من فراغ، فبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد حالات الطلاق في مصر 273,892 حالة في 2024 مقابل 265,606 حالات في 2023، بزيادة 3.1%، بينما انخفض عدد عقود الزواج إلى 936,739 عقدًا في 2024 مقابل 961,220 في 2023.

هذه الأرقام تعني ببساطة أن ملف ما بعد الطلاق لم يعد شأنًا هامشيًا، بل قضية تمس مئات الآلاف من الأسر سنويًا.

ولا تتوقف المسألة عند الطلاق ذاته، بل تمتد إلى آثار ما بعده؛ النفقة، والسكن، والحضانة، والرؤية، والاستضافة، والإنفاق اليومي على الأطفال.

وهنا تظهر فجوة عملية مهمة، صندوق نظام تأمين الأسرة التابع لبنك ناصر الاجتماعي، المنشأ بموجب القانون 11 لسنة 2004، يضمن تنفيذ أحكام النفقة لصالح الزوجة أو المطلقة أو الأولاد أو الوالدين، لكنه يوضح على موقعه الرسمي أن الصرف عبر الصندوق يتم بحد أقصى 500 جنيه شهريًا للمستفيدين “دون انتظار تحصيله من المنفذ ضده”.

وهذا السقف، مقارنة بتكاليف المعيشة الحالية، يكشف أن جزءًا من الجدل حول “الحد الأدنى للنفقة” نابع من مشكلة واقعية في كفاية الحماية المالية القائمة.

أين يقف القانون الآن؟

دستوريًا، ينطلق أي نقاش حول الأحوال الشخصية من ثلاث قواعد كبيرة في الدستور المصري وهي المادة 10 التي تقرر أن الأسرة أساس المجتمع، والمادة 11 التي تكفل تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، والمادة 80 التي تعتبر كل من لم يبلغ الثامنة عشرة طفلًا وتُلزم الدولة بحمايته ورعاية مصلحته. هذه المواد لا تحسم التفاصيل، لكنها تضع الإطار الذي يجب أن تتحرك داخله أي تعديلات: حماية الأسرة، وعدم الإخلال بالمساواة، وتقديم مصلحة الطفل.

أما في النظام القانوني القائم، فترتيب الحضانة لا يزال تقليديًا، إذ تشير الشروح القانونية المعتمدة على الوضع القائم في مصر إلى أن الحضانة تبدأ بالأم، ثم النساء من جهة الأم، ثم النساء من جهة الأب، ثم الأب، لا أن ينتقل الحق إليه مباشرة بعد الأم.

كما أن سن الحضانة ارتفع إلى 15 عامًا للبنين والبنات، وبعدها يُسأل الطفل مع من يريد أن يعيش، هذه الصورة ليست محل إجماع اجتماعي، لكنها تمثل الوضع القانوني السائد الذي يريد المقترح تعديله جذريًا في جانبين معًا: الترتيب والسن.

وفي ما يخص النفقة، توضح دار الإفتاء المصرية أن النفقة في أصلها حق واجب على الملزم بها، وتشمل في حالات الأولاد المأكل والملبس والمسكن والتعليم وما يحقق الكفاية بحسب حال الأب يسرًا وعسرًا، بينما يظل التنفيذ القضائي أحد أكبر التحديات العملية.

بند “ثلث الثروة”

القانون المصري يعرف بالفعل صورًا متعددة من الحقوق المالية بعد الطلاق، مثل نفقة العدة والمتعة ونفقة الصغار وأجرة الحضانة ومسكن الحضانة بحسب الحالة، لكن فكرة منح المطلقة أو الزوجة ثلث ثروة الزوج على إطلاقها لا تبدو امتدادًا مباشرًا للبنية القانونية التقليدية في الأحوال الشخصية المصرية، بل أقرب إلى منطق “تقاسم الثروة” أو “التعويض الشامل” كما هو مطبق بصور مختلفة في بعض الأنظمة المقارنة.

وهو ما يطرح إشكاليات تتعلق بتعريف الثروة، ووقت تقديرها، وما إذا كانت قبل الزواج أم بعده، وكيفية إثباتها، وما إذا كانت تتضمن أصولًا موروثة أو ممتلكات مشتركة المنفعة أو شركات أو ديونًا أو ذممًا مالية غير سائلة. هذه الأسئلة لا يجيب عنها النص المنشور للمقترح.

ومن ثم، فالمشكلة ليست فقط في “ضخامة” النسبة، بل في غياب المنهج القانوني لضبطها، لأن أي نص من هذا النوع، إذا صيغ على نحو فضفاض، قد يصطدم بمبادئ اليقين القانوني والمساواة والملكية الخاصة، ويفتح بابًا واسعًا لمنازعات إثبات وتقييم تمتد لسنوات.

لذلك يمكن القول إن بند “ثلث الثروة” بصيغته المتداولة صحفيًا هو الأضعف تشريعيًا داخل المقترح، حتى لو كان مدفوعًا بفكرة إنصاف المرأة اقتصاديًا بعد الطلاق.

الزاوية الحقوقية النسوية

حتى البنود التي تبدو مبالغًا فيها أو صادمة، مثل “ثلث الثروة”، لا يمكن فهمها خارج واقع اقتصادي واجتماعي تتحمل فيه النساء عبئًا أكبر من الرعاية غير المدفوعة، فبيانات الأمم المتحدة للمرأة تشير إلى أن النساء في الدول العربية يقمن بنحو 4.7 مرة من أعمال الرعاية غير المدفوعة مقارنة بالرجال، وهي أعلى نسبة بين النساء والرجال عالميًا في الأقاليم التي رصدتها الهيئة.

كما تشير المنظمة الأممية إلى أن النساء العاملات وغير العاملات في مصر يقضين تقريبًا وقتًا متقاربًا في أعمال الرعاية غير المدفوعة، بما يعكس “العبء المزدوج” الواقع عليهن، وهذا مهم لأن جزءًا كبيرًا من الفقر بعد الطلاق ليس سببه غياب النصوص فقط، بل كون الرعاية نفسها عملًا غير محسوب اقتصاديًا رغم أثره المباشر في قدرة المرأة على العمل والدخل والترقي.

ومن هنا يمكن فهم الجذر الحقوقي للمطالبة بتعويضات أو حقوق مالية أقوى بعد الطلاق، ليس باعتبارها “منحة”، بل باعتبارها اعترافًا بكلفة الرعاية والانقطاع أو التراجع المهني الذي تتحمله نساء كثيرات خلال الزواج وبعده.

لكن تحويل هذا الاعتراف إلى نص عادل يتطلب أدوات قانونية دقيقة، مثل تقوية المتعة، وتطوير النفقة، وحماية مسكن الحضانة، وضمان التنفيذ السريع، وتقدير العمل الرعائي داخل حسابات القاضي، بدل القفز إلى نسبة جامدة قد يصعب دسترتها أو تنفيذها.

مراعاة مصلحة الطفل

حقوق الطفل هنا ليست مجرد عنوان بل معياراً حاسماً، فالدستور المصري يعتبر كل من لم يبلغ 18 عامًا طفلًا، ولجنة حقوق الطفل شددت في 2024 على ضرورة أن تكون قواعد الحضانة والولاية بعد الانفصال وإعادة الزواج قائمة على المصلحة الفضلى لكل طفل.

وهذا يعني أن أي تعديل جيد يجب أن يُسأل عنه من زاوية واحدة قبل كل شيء: هل يقلل النزاع على الطفل أم يزيده؟ هل يسرّع النفقة عليه أم يؤخرها؟ هل يضمن استقراره أم يجعله موضوعًا للتفاوض والضغط؟

وبهذه الزاوية، فإن أفضل ما في المقترح هو ترك بعض المسائل لتقدير المحكمة وفق مصلحة الطفل، مثل مد الحضانة وعدم سقوطها تلقائيًا بالزواج، أما أضعف ما فيه إنسانيًا، فهو احتمال أن تؤدي بعض الصياغات الصلبة، مثل خفض السن أو الاستضافة الإلزامية دون تفاصيل، إلى تعميم حلول واحدة على أوضاع أسرية شديدة الاختلاف، الأطفال لا يعيشون في ملفات قانونية متشابهة، ولذلك لا تكفي الشعارات العامة عن “حق الأب” أو “حق الأم” ما لم تُترجم إلى ضمانات فعلية لاستقرار الطفل.