لا شك أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال، بما يشمل الاغتصاب والاعتداء الجنسي والاستغلال الجنسي والتحرش والاتجار لأغراض جنسية، من أخطر انتهاكات حقوق الطفل وأكثرها خفاءً.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن إساءة معاملة الأطفال تشمل الاعتداء الجنسي والاستغلال التجاري وغيره من أشكال الإيذاء التي تمس الصحة والبقاء والنمو والكرامة، في سياق علاقة سلطة أو ثقة أو رعاية، كما تشدد على أن العنف ضد الأطفال غالبًا ما يبقى مخفيًا، وأن نسبة صغيرة فقط من الضحايا تصل إلى خدمات الدعم أو الحماية.
أرقام دولية صادمة
أحدث التقديرات العالمية الصادرة عن اليونيسف في 2024 و2025 تشير إلى أن أكثر من 370 مليون فتاة وامرأة على قيد الحياة اليوم تعرضن للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي قبل سن 18، أي ما يعادل 1 من كل 8.
وعند إضافة الأشكال غير التلامسية من العنف الجنسي، مثل الاستغلال اللفظي أو الإلكتروني، يرتفع العدد إلى 650 مليون فتاة وامرأة، أي 1 من كل 5.
كما تقدّر اليونيسف أن ما بين 410 و530 مليون رجل وفتى تعرضوا لعنف جنسي في الطفولة، من بينهم 240 إلى 310 ملايين تعرضوا لاغتصاب أو اعتداء جنسي خلال الطفولة.
وتتفق منظمة الصحة العالمية مع هذا الاتجاه العام، إذ تشير إلى أن 1 من كل 5 نساء و1 من كل 7 رجال أفادوا بأنهم تعرضوا لإساءة جنسية في طفولتهم.
كما تؤكد أن أكثر من مليار طفل بين عمر عامين و17 عامًا يتعرضون سنويًا لشكل من أشكال العنف، بما يشمل العنف الجنسي، وأن العنف ضد الأطفال لا يمثل فقط انتهاكًا جسيمًا للحقوق، بل يرتبط أيضًا بعواقب صحية ونفسية وتعليمية واجتماعية طويلة الأمد.
الأرقام تكشف جزءاً من الواقع
تقول منظمة اليونيسف إن الأرقام المنشورة، رغم ضخامتها، لا تمثل إلا جزءًا من الواقع، فبين النساء اللواتي تعرضن لعنف جنسي تلامسي في الطفولة ضمن عينة من 60 بلدًا، أفادت نحو 7 من كل 10 بأنهن لم يخبرن أحدًا أصلًا، بينما لم يلجأ إلى مساعدة مهنية سوى نحو 1 في المئة فقط.
كما أظهرت البيانات أن 42 في المئة من النساء البالغات اللواتي تعرضن لعنف جنسي تلامسي في حياتهن، كانت أول تجربة لهن في الطفولة.
وتوضح اليونيسف أيضًا أن مرحلة المراهقة المتأخرة بين 14 و17 عامًا هي مرحلة الخطر الأعلى، وأن الجناة غالبًا ليسوا غرباء، بل من الدائرة القريبة: الأسرة أو الأصدقاء أو الشركاء.
وفي البيئات الهشة والنزاعات، يتضاعف الخطر، حيث قدّرت اليونيسف أن معدل التعرض للاغتصاب والاعتداء الجنسي في الطفولة في السياقات الهشة يتجاوز ضعف المتوسط العالمي تقريبًا؛ إذ يبلغ 27 في المئة في البلدان الهشة و21 في المئة في البلدان المتأثرة بالنزاع، مقابل 12 في المئة في غيرها.
كما يبيّن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن الأطفال والنزاع المسلح الصادر في يونيو 2025، والخاص بانتهاكات عام 2024، أن الأمم المتحدة تحققت من 41,370 انتهاكًا جسيمًا ضد الأطفال، وأن حالات العنف الجنسي ضد الأطفال ارتفعت بنسبة 35 في المئة مقارنة بعام 2023.
وتكشف هذه المعطيات أن العنف الجنسي في النزاع ليس عرضًا جانبيًا، بل قد يستخدم كوسيلة للهيمنة والترويع والتطهير المجتمعي والتجنيد والإخضاع.
ويشير تقرير الأمم المتحدة نفسه إلى أن الأطفال تعرضوا لانتهاكات متعددة متداخلة، حيث ارتفع عدد الأطفال الذين تعرضوا لأكثر من انتهاك واحد من 2,684 في 2023 إلى 3,137 في 2024، عبر تلاقي الخطف والتجنيد والعنف الجنسي.
الاتجار والاستغلال الجنسي
الاستغلال الجنسي للأطفال لا يقتصر على الاعتداء المباشر، بل يمتد إلى الاتجار بالبشر لأغراض الاستغلال الجنسي والإباحية المتعلقة بالأطفال والاستغلال التجاري.
ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2024، ارتفع عدد ضحايا الاتجار المكتشفين عالميًا في 2022 بنسبة 25 في المئة مقارنة بما قبل الجائحة في 2019، فيما شكّل الأطفال 38 في المئة من جميع الضحايا المكتشفين، مع زيادة قدرها 31 في المئة في اكتشاف الضحايا الأطفال.
وتؤكد بيانات المكتب أن الفتيات يُكتشفن أساسًا في سياقات الاستغلال الجنسي، بينما يبرز الفتيان أكثر في العمل القسري والأنشطة الإجرامية القسرية.
الفضاء الرقمي بات جزءًا أساسيًا من الأزمة، وتؤكد اليونيسف أن الاستغلال والاعتداء الجنسيين عبر الإنترنت من أكثر التهديدات إلحاحًا على الأطفال، وأن الذكاء الاصطناعي يزيد المخاطر عبر تسهيل إنتاج وتداول مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال.
كما يوضح تحالف WeProtect أن الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت يتصاعد عالميًا من حيث الحجم والأساليب، مع اتساع مخاطر الابتزاز الجنسي والتغرير والاستغلال المصوّر.
بيانات صادمة إقليمياً
في المنطقة العربية، لا توجد حتى الآن قاعدة موحدة وحديثة تغطي جميع الدول بقياس واحد للعنف الجنسي ضد الأطفال، وهذه مشكلة منهجية كبيرة بحد ذاتها، ومع ذلك، فإن أحدث تقديرات اليونيسف الإقليمية تشير إلى أن نحو 29 مليون فتاة وامرأة في شمال إفريقيا وغرب آسيا تعرضن للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي قبل سن 18، مع معدل انتشار إقليمي مقدّر بنحو 15 في المئة.
لكن اليونيسف نفسها تحذّر من أن هذه المنطقة تحديدًا تعاني من تغطية سكانية دون 50 في المئة ومن قلة البلدان التي توافرت لها بيانات صالحة للنمذجة، ولذلك يجب التعامل مع المقارنة الإقليمية بحذر شديد.
أما على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فتشير اليونيسف إلى أن نحو 110 ملايين طفل يعيشون في بلدان متأثرة بالنزاع من أصل ما يقارب 200 مليون طفل في المنطقة، أي أن طفلًا من كل طفلين يعيش في سياق نزاع أو عنف.
كما تفيد اليونيسف بأن العنف داخل المنزل في المنطقة واسع الانتشار بمتوسط يتراوح بين 82 و88 في المئة، وأن أكثر من 46 مليون طفل دون الخامسة يتعرضون أو يتأثرون ببعض أشكال العنف، وهذه المؤشرات لا تقيس العنف الجنسي وحده، لكنها تكشف بيئة حماية هشة ترفع مخاطر الاستغلال والانتهاك.
الموقف القانوني الدولي
الإطار القانوني الدولي واضح نسبيًا، فاتفاقية حقوق الطفل تلزم الدول، في المادة 19، باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية المناسبة لحماية الطفل من جميع أشكال العنف والإيذاء والاستغلال، بما في ذلك الإساءة الجنسية، وأن تتضمن هذه التدابير إجراءات فعالة للتبليغ والإحالة والتحقيق والعلاج والمتابعة.
وفي المادة 34، تلزم الاتفاقية الدول بحماية الطفل من جميع أشكال الاستغلال والانتهاك الجنسي، بما يشمل إكراه الطفل على نشاط جنسي غير مشروع، واستغلاله في البغاء، وفي المواد الإباحية.
كما تلزم المادة 35 بمنع خطف الأطفال وبيعهم والاتجار بهم، بينما توجب المادة 39 ضمان التعافي البدني والنفسي وإعادة الإدماج الاجتماعي لضحايا الإهمال والاستغلال والانتهاك.
ويأتي البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية ليشدد الحماية الجنائية، إذ يوجب على الدول حظر بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء وفي المواد الإباحية، وتجريم الأفعال المرتبطة بذلك، وتوفير التدريب للعاملين مع الضحايا، وضمان أن تكون مصلحة الطفل الفضلى اعتبارًا أوليًا في منظومة العدالة الجنائية، إلى جانب التعافي وإعادة الإدماج والتعويض.
تجريم الاتجار بالأطفال
أما بروتوكول باليرمو المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، فيعرّف الاتجار بالأشخاص على نحو يشمل الاستغلال الجنسي، ويقرر صراحة أن تجنيد أو نقل أو إيواء أو استقبال طفل لغرض الاستغلال يعد اتجارًا بالأشخاص حتى دون إثبات وسائل الإكراه أو الخداع التي تُشترط بالنسبة للبالغين.
كما يلزم الدول بتجريم هذا السلوك، وحماية الخصوصية والهوية، ومراعاة السن والاحتياجات الخاصة للأطفال في الرعاية والإيواء والتعافي.
وتكمل اتفاقية العمل الدولية رقم 182 هذه المنظومة باعتبار الاستغلال الجنسي التجاري للأطفال من أسوأ أشكال عمل الأطفال، وتؤكد ضرورة اتخاذ تدابير فورية وفعالة ومحددة زمنيًا للقضاء عليه، وقد أصبحت هذه الاتفاقية ذات تصديق عالمي بحسب منظمة العمل الدولية.
وفي حالات النزاع المسلح، يكتسب الأمر بُعدًا جنائيًا دوليًا أشد؛ فنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يُدرج الاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البغاء والحمل القسري وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي الجسيم ضمن الجرائم ضد الإنسانية عندما ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين.
كما يلزم النظام بمراعاة السن والطبيعة الخاصة للجرائم التي تنطوي على عنف جنسي أو عنف ضد الأطفال، واتخاذ تدابير خاصة لحماية الضحايا والشهود وخصوصًا الأطفال وضحايا العنف الجنسي أثناء الإجراءات القضائية.
الموقف الحقوقي الدولي
المنظمات الدولية والحقوقية تكاد تتفق على مجموعة من الأولويات، اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية تشددان على أن المشكلة ليست في التجريم وحده، بل في بناء أنظمة حماية فعالة: قوانين واضحة، وخدمات صديقة للطفل، وتوعية وقائية، وتعليم ملائم للعمر، ودعم نفسي، وبيانات أفضل وأكثر أمانًا.
كما تؤكدان أن العنف الجنسي ضد الأطفال يحدث غالبًا في دوائر الثقة، وأن الصمت والخوف والوصمة هي ما يبقي الجريمة بعيدة عن أعين العدالة.
أما هيومن رايتس ووتش فتركز على الوصول إلى العدالة والانتصاف الفعال، وتدعو الحكومات إلى ضمان السرية، وتسريع القضايا، وتقليل مرات استجواب الطفل حتى لا يُعاد إيذاؤه، وإجراء المقابلات عبر مختصين مدربين، وتوفير خدمات نفسية واجتماعية وقانونية ملائمة، ومراقبة تنفيذ جبر الضرر والتعويضات، وعدم الاكتفاء بالتعويض المالي وحده.
كما نبّهت هيومن رايتس إلى أن كشف هوية الناجين الصغار في وسائل الإعلام أو في البيئة المدرسية قد يردع الضحايا الآخرين عن التبليغ.
وتضيف منظمة إيكبات الدولية ECPAT أن الاستجابة في السياقات الإنسانية والنزاعات تحتاج إلى نهج سياقي ومنسق ومتعدد القطاعات، لأن الاستغلال الجنسي للأطفال في الأزمات لا يأخذ شكلًا واحدًا؛ بل يشمل الاستغلال في البغاء، والاستغلال من أجل البقاء، والاستغلال أثناء النزوح والعبور، والاتجار، والاستغلال المسهّل بالتكنولوجيا.
وتؤكد المنظمة أن الأطفال في الأوضاع الإنسانية لا يحتاجون إلى تجريم الجناة فقط، بل إلى حماية اجتماعية وخدمات متخصصة وتنسيق بين الفاعلين الإنسانيين والعدليين والصحيين.

