منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

السرقة تتصاعد والشرطة مُستنزَفة.. إرث تيريزا ماي

12 أبريل 2026
تيريزا ماي، وزيرة الداخلية آنذاك، تتحدث في المؤتمر السنوي لاتحاد الشرطة في إنجلترا وويلز عام 2010
تيريزا ماي، وزيرة الداخلية آنذاك، تتحدث في المؤتمر السنوي لاتحاد الشرطة في إنجلترا وويلز عام 2010

دال بابو

لا، العالم ليس على حافة الانهيار، لكن نعم، هناك شيء ينفلت أمام أعيننا: السلع تُسرق من رفوف المتاجر الكبرى من تيسكو إلى ماركس آند سبنسر علناً، وبلا خوف يُذكر من العقاب.

إنها خسارة فادحة للمتاجر، لكنها أيضاً مؤشر مقلق على شيء أعمق، وهو خلق شعور متزايد بأن القانون والنظام أصبحا مجرد مشهد تلفزيوني، لا واقع يُعاش.

بصفتي ضابط شرطة سابقاً، خدمت ثلاثين عاماً في شرطة العاصمة، وكنت رئيساً للضباط، كثيراً ما أعود بذاكرتي مع زملائي إلى سؤال واحد وهو كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف تآكلت ثقة الناس في الشرطة بهذا الشكل؟

أتذكر جيداً أيامي الأولى كشرطي مبتدئ في توتنهام شمال لندن، كنا نستجيب بشكل يومي لبلاغات سرقة المتاجر، كانت العملية واضحة: اعتقال، تحذير قانوني، تسجيل المضبوطات، نقل المتهم، التحقيق، ثم الإحالة إلى المحكمة. كانت تجربة مهنية أساسية للضباط الجدد، ومفيدة للمجتمع والمتاجر على حد سواء.

أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً، التراجع لم يكن تدريجياً فقط، بل كان نتيجة قرارات سياسية محددة، وإذا سُئلت: من المسؤول؟ فإجابتي واضحة: أتهم تيريزا ماي.

خلال فترة توليها وزارة الداخلية بين 2010 و2016، اتُّخذت خمسة قرارات كارثية لا تزال آثارها تضرب منظومة الأمن حتى الآن.

أولها، التخفيض الهائل في أعداد الشرطة: نحو 22 ألف ضابط، وأكثر من 20 ألف موظف، وهذا لم يكن مجرد تقشف، بل تقويض مباشر لقدرة الشرطة، والنتيجة تفريغ وحدات الشرطة المجتمعية، التي كانت العمود الفقري لبناء الثقة مع المواطنين، لأجل مجرد الاستجابة لبلاغات الطوارئ.

ثانياً، تسييس العمل الشرطي عبر استحداث مفوضي الشرطة والجريمة، هؤلاء المنتخبون، الذين يُفترض أنهم يمثلون المجتمعات، صاروا عملياً امتداداً للسلطة السياسية، لا صوتاً مستقلاً عنها.

ثالث القرارات كان الأخطر وهو قانون 2014 الذي اعتبر سرقة السلع التي تقل قيمتها عن 200 جنيه استرليني جنحة بسيطة. عملياً، لم يعد هناك اعتقال حقيقي، بل مجرد خطابات وغرامات يمكن تجاهلها، والنتيجة هي لصوص محترفون يستغلون النظام، ويسرقون دون خوف.

أما الخطأ الرابع، فكان تجاهل التحذيرات، فعندما قيل إن تقليص الشرطة سيؤدي إلى ارتفاع الجريمة، كان الرد اتهام المنتقدين بالمبالغة، واليوم، “الذئب” الذي حُذرنا منه بات حقيقة.

الخطأ الخامس تمثل في إضعاف القيادة الشرطية، عبر تعيينات تفتقر للخبرة، بل والسماح لأشخاص بلا خلفية شرطية بدخول المناصب العليا مباشرة. الأمر بدا، بالنسبة لي، كأن شخصاً يطلب دخول غرفة العمليات لإجراء جراحة قلب دون تدريب.

تقوم الشرطة بدوريات في شارع أكسفورد بلندن خلال عملية سرقة جماعية من المتاجر في أغسطس 2023
تقوم الشرطة بدوريات في شارع أكسفورد بلندن خلال عملية سرقة جماعية من المتاجر في أغسطس 2023

فماذا بعد؟ لقد تراجعنا كثيراً، لكن لا يزال بالإمكان الإصلاح، فقط نحتاج إلى استقرار في أعداد الشرطة، لا مزيد من التخفيضات، نحتاج إلى إعادة الاستثمار في الشرطة المجتمعية، واستعادة العلاقة مع المواطنين، والأهم، نحتاج إلى استعادة الثقة، ثقة الناس في أن القانون يُطبق، وأن من يسرق سيُحاسب.

الشرطة لا يمكن أن تعمل في فراغ، تحتاج إلى دعم سياسي حقيقي، لا قرارات تُضعفها ثم تُحاسبها على الفشل.

أما ما حدث في عهد ماي، فيجب أن يكون درساً واضحاً: لا تكرروا هذا الخطأ مرة أخرى.

نقلاً عن الجارديان..