شهدت سيراليون في السنوات الأخيرة جدلاً متصاعداً حول سياسات الإجهاض، في ظل اتجاهات حكومية ومجتمعية لإعادة النظر في الإطار القانوني القائم، الذي يجرم الإجهاض في معظم الحالات، ويأتي هذا النقاش في سياق صحي بالغ الحساسية، إذ تشير بيانات مجموعة الأمم المتحدة المشتركة لتقديرات وفيات الأمهات إلى أن معدل وفيات الأمهات في سيراليون يبلغ نحو 442 حالة وفاة لكل مئة ألف ولادة حية، وهو من أعلى المعدلات عالميا، وفق منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان.
ويعكس هذا الرقم تحديات عميقة في النظام الصحي، خاصة في ما يتعلق بالرعاية التوليدية الطارئة وخدمات الصحة الإنجابية، حيث ترتبط نسبة كبيرة من هذه الوفيات بمضاعفات يمكن الوقاية منها، بما في ذلك الإجهاض غير الآمن.
الإجهاض غير الآمن
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الإجهاض غير الآمن يُعد أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات في الدول التي تفرض قيودا قانونية صارمة، حيث تقدر مساهمته في نحو 7% إلى 10% من إجمالي وفيات الأمهات في سيراليون وفق تقديرات صحية وطنية ودولية حديثة، وتوضح دراسة ميدانية نُشرت عام 2025 في مجلة الصحة العامة (BMC Public Health) وشملت مئات الحالات في مرافق صحية داخل البلاد أن نحو 27% من النساء اللواتي تلقين رعاية ما بعد الإجهاض تعرضن لمضاعفات شديدة، فيما سُجلت حالات وفاة ضمن العينة المدروسة، إلى جانب أن نحو 23% من الحالات كانت مرتبطة بإجهاض إنتاني (عدوى شديدة) وقرابة 36% أظهرت علامات عدوى أو إصابات داخلية، وهي مؤشرات ترتبط غالبًا بالإجهاض غير الآمن.
وفي ما يتعلق بانتشار الظاهرة، تشير تقديرات بحثية صادرة عن معهد جوتماشر إلى أن معدل الإجهاض في البيئات ذات القيود القانونية المشابهة في غرب إفريقيا يصل إلى نحو 30 إلى 50 حالة لكل 1000 امرأة في سن الإنجاب سنويا، مع ارتفاع احتمالات الإجهاض غير الآمن إلى أكثر من 60% من الحالات في البيئات ذات الوصول المحدود للخدمات الصحية، كما توضح تقارير منظمة الصحة العالمية أن ضعف الوصول إلى وسائل منع الحمل الحديثة يؤدي إلى تسجيل معدلات حمل غير مقصود قد تتجاوز 80 إلى 100 حالة لكل 1000 امرأة سنويا في بعض دول غرب إفريقيا، وهو ما يخلق دائرة مغلقة تبدأ بالحمل غير المخطط له وتنتهي غالبًا بإجهاض غير آمن في ظل القيود القانونية.
وتشير التحليلات الصحية إلى أن العلاقة بين هذه المؤشرات مترابطة بشكل مباشر، إذ يؤدي انخفاض استخدام وسائل منع الحمل وارتفاع معدلات الحمل غير المقصود إلى زيادة الطلب على الإجهاض، بينما يدفع الإطار القانوني المقيد إلى اللجوء لطرق غير طبية، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات المضاعفات والوفيات في حالات يمكن تجنبها عبر خدمات صحية آمنة ومنظمة.
الإطار القانوني وتحديات التطبيق
لا يزال الإجهاض في سيراليون خاضعاً لقانون جنائي يعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، حيث يُجرم في معظم الحالات مع استثناءات محدودة لإنقاذ حياة الأم، وتشير تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن هذا الإطار القانوني لا يعكس الواقع الصحي الحالي، بل يسهم في دفع النساء نحو الإجهاض غير الآمن بدلًا من الوصول إلى خدمات طبية آمنة ومنظمة.
وفي عام 2015، أقرّ البرلمان قانوناً للصحة الإنجابية يتضمن توسيع نطاق الوصول إلى خدمات الإجهاض الآمن، إلا أن هذا القانون لم يدخل حيز التنفيذ بسبب عدم المصادقة الرئاسية عليه، وفق وثائق تشريعية رسمية صادرة عن مؤسسات الدولة في سيراليون.
المؤشرات الديموغرافية والصحية
تشير بيانات الأمم المتحدة للسكان إلى أن معدل الخصوبة في سيراليون يبلغ نحو 3.7 طفل لكل امرأة، مع تسجيل ما يقارب 260 ألف ولادة سنويا، كما توضح تقارير الأمم المتحدة أن نسبة استخدام وسائل منع الحمل الحديثة لا تزال منخفضة مقارنة بالاحتياجات الفعلية، وهو ما يسهم في ارتفاع معدلات الحمل غير المقصود، أحد العوامل الرئيسية المرتبطة بالإجهاض غير الآمن.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ضعف التغطية الصحية في المناطق الريفية، إضافة إلى نقص الكوادر الطبية المؤهلة، يحد من قدرة النظام الصحي على تقديم خدمات صحة إنجابية آمنة، ما يضاعف من المخاطر المرتبطة بالحمل غير الآمن.
البُعد الحقوقي والقانوني الدولي
تؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية الآمنة يُعد جزءا من الحق في الصحة والحق في الحياة، وأن القيود المفرطة على الإجهاض قد تؤدي إلى انتهاكات غير مباشرة لهذه الحقوق، كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الدول التي تفرض قيودا صارمة على الإجهاض غالبا ما تسجل معدلات أعلى من الإجهاض غير الآمن ووفيات الأمهات المرتبطة به.
وفي هذا السياق، تُعد سيراليون من الدول التي تواجه تحديا في مواءمة تشريعاتها الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المتعلقة بالصحة الإنجابية، خاصة في ظل استمرار ارتفاع معدلات وفيات الأمهات مقارنة بالمعدلات العالمية التي تقل عن 200 حالة وفاة لكل مئة ألف ولادة في المتوسط العالمي وفق البنك الدولي.
العبء الصحي على النظام الطبي
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن مضاعفات الإجهاض غير الآمن تشكل عبئا كبيرا على أنظمة الرعاية الصحية في الدول ذات الدخل المنخفض، حيث تمثل حالات الطوارئ الناتجة عن النزيف والعدوى نسبة معتبرة من دخول المستشفيات المرتبطة بالصحة الإنجابية.
وفي سيراليون، ينعكس هذا العبء على المستشفيات العامة التي تعاني أصلا من نقص الموارد الطبية والبنية التحتية، ما يجعل التعامل مع الحالات الحرجة أكثر صعوبة ويزيد من احتمالات الوفاة التي يمكن تجنبها.
المشهد السياسي والإصلاحي
تشير تقارير الأمم المتحدة وصندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن الحكومة في سيراليون أبدت في السنوات الأخيرة توجها نحو إصلاح قانون الصحة الإنجابية، بما في ذلك مناقشة توسيع الوصول إلى خدمات الإجهاض الآمن ضمن إطار قانوني منظم، ويأتي هذا التوجه ضمن جهود أوسع لتحسين مؤشرات صحة الأمهات وتقليل الوفيات التي يمكن الوقاية منها.
كما تؤكد الوثائق الحكومية أن إصلاح هذا الملف يواجه تحديات سياسية واجتماعية مرتبطة بالاعتبارات الدينية والثقافية، إلى جانب النقاش حول الإطار الأخلاقي للتشريع.
محددات التنمية والاستدامة الصحية
تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تحسين صحة الأمهات يمثل عنصرا أساسيا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، وفي حالة سيراليون فإن استمرار ارتفاع معدلات وفيات الأمهات يشير إلى فجوة تنموية تتطلب تدخلات متعددة تشمل الصحة والتعليم وتمكين المرأة.
كما توضح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن العلاقة بين الفقر والصحة الإنجابية وثيقة، حيث ترتفع معدلات المخاطر الصحية في البيئات الأكثر فقرًا وضعفًا في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
يعود الإطار القانوني الحالي للإجهاض في سيراليون إلى قوانين الحقبة الاستعمارية البريطانية، التي ظلت سارية دون تحديث شامل لعدة عقود، وبعد الاستقلال، لم يشهد هذا الإطار إصلاحًا جذريا، رغم التغيرات الكبيرة في الواقع الصحي والاجتماعي.
وفي العقود الأخيرة، بدأت محاولات إصلاحية تدريجية، أبرزها مشروع قانون عام 2015 الذي سعى إلى تنظيم خدمات الصحة الإنجابية وتوسيع نطاق الإجهاض الآمن، إلا أن مسار هذا القانون تعثر سياسيًا، ما أبقى الوضع القانوني في حالة تجميد تشريعي.
تكشف حالة الإجهاض في سيراليون عن تداخل معقد بين القانون والصحة العامة وحقوق الإنسان، حيث يظل الإطار التشريعي الحالي عاملًا مؤثرا في استمرار معدلات مرتفعة من وفيات الأمهات الناتجة عن مضاعفات يمكن الوقاية منها، وبينما تتجه الدولة تدريجيا نحو إصلاحات في مجال الصحة الإنجابية، فإن التحدي الأساسي يتمثل في تقليص الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الصحي، بما يضمن حماية حياة النساء والفتيات وتحسين مؤشرات التنمية الصحية على المدى الطويل.

