فرانسيس رايان
تخيّل أن منزلك يحترق، وعندما تتصل برقم الطوارئ يُقترح عليك أن تحاول إخماد الحريق بنفسك. الموارد شحيحة، كما يُقال، والطلب مرتفع، والخدمة باتت تعتمد أكثر فأكثر على المتطوعين. أو تخيّل أن معلم الرياضيات لطفلك مريض، فيرسل لك مدير المدرسة رسالة يطلب منك مغادرة عملك لتشرح للطلاب الجبر. في النهاية، هذا ابنك، أليس من المفترض أن تتدخل؟.
الفكرة تبدو عبثية، بالطبع، ومع ذلك، هذا بالضبط ما يحدث لنحو ستة ملايين شخص في المملكة المتحدة، يقدّمون الرعاية دون أجر لأقارب مرضى أو مسنين أو ذوي الإعاقة. وبينما نشعر بالصدمة من عناوين عن طبّ الأسنان الذاتي أو مرضى يمولون عملياتهم عبر التبرعات، أصبح من الطبيعي أن تسدّ العائلات الفجوات الهائلة في نظام الرعاية الاجتماعية.
والأمر يزداد سوءاً، فمع تزايد الاحتياجات وتعثر الإصلاحات وضعف الموارد، قدم 1.9 مليون شخص في إنجلترا وحدها رعاية «بدوام كامل» (35 ساعة أو أكثر أسبوعياً) خلال 2023-2024، بزيادة 70% مقارنة بما كان عليه الحال قبل 20 عاماً. وهناك آخرون يوازنون بين العمل والرعاية، ويوصلون أطفالهم إلى المدرسة، ويذهبون إلى وظائفهم، ثم يعودون لمساعدة آبائهم المسنين على الاستحمام وتناول الطعام.
دعونا نسمّهم كما هم: القوة العاملة الشبحية في البلاد. جيش متنامٍ من الطهاة والممرضين وعمال النظافة وأخصائيي العلاج الطبيعي، يعملون ليل نهار خلف الأبواب المغلقة، بعيداً عن الأنظار.
نيسا ستبلغ الستين هذا العام، لكنها، بوصفها واحدة من هذه القوة الخفية، لا تفكر في التقاعد، بل تقلق بشأن من سيرعى ابنها. جاي البالغ 36 عاماً يعاني من التوحد وإعاقات جسدية متعددة تجعله طريح الفراش ويعيش ألماً يومياً. منذ سحب حزمة الرعاية الخاصة به عام 2017 بعد «مراجعة للميزانية»، أصبحت نيسا مقدّم الرعاية الوحيد له.
تحدثتُ معها خلال عطلة عيد الفصح. وبينما كان كثيرون يستمتعون بإجازتهم، كانت هي تؤدي نوبتها المعتادة على مدار الساعة: تساعده على الحركة، تعطيه الأدوية، وتغيّر ضمادات جروحه النازفة. تقول: “لم أحصل على استراحة منذ نحو 30 عاماً”.
نيسا نفسها تعاني من إعاقة هشاشة عظام وأضرار شديدة في العضلات والأربطة، ومع ذلك، فإن عبء الرعاية يجعلها بالكاد تستطيع المشي أو مغادرة المنزل دون مساعدة. غالباً ما تنام عند الثالثة صباحاً، وأحياناً لا تجد وقتاً لتناول الطعام لأيام. تقول: “يُطلب منك ما يفوق العادي، وليس أمامك إلا أن تتحمل. هذا ما يفعله مقدّمو الرعاية”.
وماذا تقدّم لها الحكومة مقابل هذا الجهد الاستثنائي؟ 86.45 جنيه إسترلينياً أسبوعياً. تحسب نيسا أنها ترعى ابنها 133 ساعة أسبوعياً، أي ما يعادل 65 بنساً في الساعة.
هذا الأسبوع يصادف الذكرى الخمسين لإقرار بدل مقدّم الرعاية، والذي كان يعرف في عام 1976 بـ«بدل رعاية العاجزين» ويبلغ 7.90 جنيه أسبوعياً، ولم تكن النساء المتزوجات مؤهلات للحصول عليه.
صحيح أن بعض التقدم تحقق، حيث أصبح بإمكان النساء الحصول على البدل بغض النظر عن الحالة الاجتماعية، وأقرت اسكتلندا نظاماً خاصاً بها، وأصبح البدل مدخلاً للحصول على مزايا أخرى مثل دعم السكن، لكن القيمة الأساسية بقيت تراوح مكانها، ترتفع قليلاً مع التضخم دون أن تواكب تكاليف المعيشة أو نمو الأجور، ولو واكبت الزيادة في الدخل، لكان مقدمو الرعاية يحصلون اليوم على 160.46 جنيه إضافي شهرياً في المتوسط، وفقاً لبحث حديث.
النتيجة قاسية: 62% من المستفيدين من هذا البدل يعيشون في فقر.
بل إن الغالبية لا تحصل عليه أصلاً بسبب شروط أهلية صارمة. فالأطفال الذين يقدّمون الرعاية -وهو مصطلح يشرعن ما لا يمكن تبريره- لا يُمنحون البدل قبل سن 16، وكثير من البالغين يُحرمون منه لأن ساعات رعايتهم «غير كافية»، أو لأن دخلهم يتجاوز الحد، أو لأن من يرعونهم لا يستوفون الشروط. لذلك ليس مستغرباً أن يوصفوا رسمياً بــ “غير مدفوعي الأجر”.
وفي المقابل، توفّر الدولة مليارات من خلال هذا العمل المجاني: إذ تقدّر قيمة الرعاية الأسرية بأكثر من 184 مليار جنيه سنوياً، أي أكثر من ثلاثة أرباع إنفاق هيئة الصحة الوطنية.
لكن المسألة ليست مالية فقط، بل تتعلق بحجم العمل وظروفه. نعم، البشر بطبيعتهم يعتنون بأحبائهم، وغالباً دون انتظار مقابل. كما قالت نيسا: “أرعى من أحب، وهذا ثمن مستعدة لدفعه”.
لكن استعداد الناس للتضحية لا يعني أن على الدولة الحديثة أن تبني سياساتها على هذه التضحية، ولا يعني أن يُحرم المرضى وكبار السن من حق اختيار من يرعاهم.
اعتماد الحكومات المتعاقبة على مقدمي الرعاية غير المدفوعي الأجر هو، في جوهره، استغلال للحب، تسخير لأحد أعمق الدوافع الإنسانية لتوفير المال، دون اعتبار للكلفة البشرية.
فضيحة بدل مقدّمي الرعاية الأخيرة التي شهدت اتهام آلاف الأشخاص زوراً بالاحتيال، تلخص هذا الإهمال، بل وربما الازدراء، تجاه من يفترض دعمهم. ومع استمرار مراجعات نظام الرعاية الاجتماعية وتزايد شيخوخة السكان، حان الوقت لطرح الأسئلة المؤجلة: ما الذي يمكن أن نطلبه من الأفراد؟ وما الذي يجب أن تتحمله الدولة؟ وما الدعم الذي ندين به لملايين يسندون هذا النظام؟ ولماذا لا يزال المطالبة بذلك أمراً محرّماً؟
قبل أن ننهي حديثنا، تخبرني نيسا بقلق آخر.. بسبب تدهور صحتها، حصلت على مساعدة لمدة ست ساعات أسبوعياً للتسوق وتنظيف المنزل، لكن المجلس المحلي يفرض عليها إسهام قدره 200 جنيه أسبوعياً، وهي تخشى أن تفقد هذا الدعم مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
تقول: “مقدمو الرعاية هم الأكثر عملاً وتعباً.. لكن من يرعاهم؟” سؤال تأخرنا كثيراً في طرحه.
نقلاً عن الجارديان..
