منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عودة المجر إلى الديمقراطية الليبرالية ليست مضمونة

10 أبريل 2026
ملصق لحزب فيدس قرب بودابست يظهر زيلينسكي وماجيار
ملصق لحزب فيدس قرب بودابست يظهر زيلينسكي وماجيار

غابرييلا غرايلينغر وكاس مودّي

 

يتوجه المجريون، يوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع لتحديد مسار بلادهم خلال السنوات الأربع المقبلة، في انتخابات تبدو شديدة التنافس، وقد يخسر فيكتور أوربان، أطول رؤساء الوزراء بقاءً في السلطة في أوروبا -والذي حكم البلاد لمدة 16 عامًا وحوّلها إلى نظام استبدادي انتخابي- هذه الانتخابات.

وقبيل التصويت، تُعلّق مؤسسات الاتحاد الأوروبي آمالًا كبيرة على حدوث تغيير في المجر تحت قيادة جديدة محتملة؛ فقد أشار تقرير لموقع “بوليتيكو” إلى أن “أوساط بروكسل تدعو لفوز بيتر ماغيار، أملًا في أن تعمّق حكومة تيسا علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي”.

برز ماغيار كلاعب جديد عندما دخل الساحة السياسية المجرية في عام 2024، عقب فضيحة سياسية طالت الرئيسة السابقة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل –طليقته- جوديت فارغا.. ومن خلال التركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، وتسييس تدهور قطاعي الصحة والتعليم، وتسليط الضوء على تراجع الوضع الاقتصادي وانتشار الفساد، صعد ماغيار تدريجيًا في استطلاعات الرأي.

ومع ذلك، ورغم أن فوز حزبه “تيسا” يبدو ممكنًا، فإنه قبل أقل من أسبوع على الانتخابات، لا ينبغي المبالغة في التوقعات، سواء بشأن نتائج الانتخابات أو فرص ماغيار إذا أصبح رئيسًا للوزراء.

أولًا، رغم أن معظم استطلاعات الرأي المستقلة تظهر تقدّم ماغيار وحزبه على حزب “فيدس”، فإن فوزه الفعلي لا يزال غير مؤكد.. فالانتخابات، وإن كانت حرة من حيث الشكل، فهي غير عادلة في الجوهر، بعدما عمل أوربان على ترجيح كفة النظام الانتخابي لصالحه عبر السنوات.

وتشمل هذه الإجراءات إعادة رسم الدوائر الانتخابية بشكل متكرر، وإضافة آليات تمنح الحزب الأقوى أفضلية، ومنح الأقليات المجرية في الخارج -التي تميل بغالبيتها لدعم “فيدس”- حق التصويت، كما كشفت تحقيقات عن ممارسات تزوير ممنهجة، مثل التصويت المتسلسل وشراء الأصوات والترهيب، خصوصًا في المناطق الأكثر فقرًا.

في ظل هذه الظروف، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت أصوات “تيسا” ستترجم إلى أغلبية برلمانية، فضلًا عن أغلبية دستورية، والأهم أن غياب أغلبية الثلثين في البرلمان يجعل من شبه المستحيل تفكيك نظام أوربان، الذي رسّخ نفوذه خلال 16 عامًا عبر قوانين أساسية لا يمكن تعديلها إلا بأغلبية كبيرة.

إن إعادة المجر إلى صف الديمقراطيات الانتخابية تتطلب استبدال الموالين لـ”فيدس” في مواقع حساسة، مثل قضاة المحكمة الدستورية ورؤساء المؤسسات العامة، من بينهم المدعي العام ورئيس هيئة الإعلام.

ويزيد الوضع تعقيدًا أن رئيس الجمهورية، تاماش شوليوك، وهو أيضًا من الموالين لـ”فيدس”، سيبقى في منصبه حتى عام 2029. ورغم أن دوره غالبًا بروتوكولي، فإن الحزب الحاكم عزّز صلاحياته مؤخرًا، ما قد يسمح له بعرقلة حكومة “تيسا” عبر إعادة القوانين إلى البرلمان أو إحالتها إلى المحكمة الدستورية التي يهيمن عليها الحزب.

في هذا السياق، قد يتكرر سيناريو شبيه بما حدث في بولندا بعد انتخابات 2023، عندما فاز دونالد توسك على حزب “القانون والعدالة”، فقد وُجهت إليه اتهامات باستخدام وسائل غير قانونية لاستعادة الديمقراطية، كما واجه عراقيل مستمرة من الرئيس كارول نافروتسكي، الذي عطّل إصلاحات أساسية، بينها إصلاح القضاء.

ستواجه أي حكومة جديدة في المجر عقبات مماثلة، وربما أكثر تعقيدًا، فبعد 16 عامًا في الحكم -أي ضعف مدة حكم الحزب في بولندا- أصبح “فيدس” أكثر تجذرًا في مؤسسات الدولة، ما يجعل العودة إلى الوضع السابق أكثر صعوبة.

وحتى إذا نجح “تيسا” في تحقيق أغلبية برلمانية تتيح له تنفيذ إصلاحات، فلا ينبغي للديمقراطيين رفع سقف توقعاتهم كثيرًا، فزعيم المعارضة ينتمي إلى خلفية محافظة، وكان عضوًا في “فيدس” لأكثر من عقدين، وعمل لسنوات ضمن نظام أوربان، ولا يزال قريبًا منه أيديولوجيًا.

بل إن تحليلات أولية لتصويت “تيسا” في البرلمان الأوروبي تشير إلى تقاطعات كبيرة مع “فيدس”، خاصة في ملفات الهجرة وأوكرانيا، ورغم أن ذلك قد يكون تكتيكيًا، فإن برنامج الحزب يتعهد أيضًا برفض ميثاق الهجرة الأوروبي، ومعارضة تسريع انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن “تيسا” قد يكون شريكًا أكثر تعاونًا مع أوروبا، فإن الخلافات الجوهرية ستظل قائمة.

وأخيرًا، رغم أن قاعدة ناخبي “تيسا” تضم كثيرًا من الليبراليين واليساريين، فلا ينبغي للتيارات التقدمية التعويل على انتقال سريع نحو الديمقراطية الليبرالية. فالتوقعات تشير إلى برلمان يهيمن عليه اليمين: “تيسا” اليميني، و”فيدس” اليميني المتطرف، وربما حركة “وطننا” الأكثر تطرفًا.

كما أن ماغيار، رغم حديثه عن المساواة، تجنّب حتى الآن اتخاذ مواقف واضحة داعمة لقضايا أساسية مثل حقوق مجتمع الميم، وهو ما يعكس تاريخه السياسي وطبيعة برنامجه.

وبالنظر إلى التحديات التي سيواجهها، فضلًا عن توجهاته السياسية، يبدو من غير المرجح أن يجعل ماغيار استعادة الديمقراطية الليبرالية أولوية.

على التقدميين والديمقراطيين أن يديروا توقعاتهم قبل تصويت الأحد؛ وفي أفضل السيناريوهات، قد تعود المجر إلى ديمقراطية انتخابية تحت قيادة ماغيار، أما الديمقراطية الليبرالية فستظل -على الأرجح- بعيدة المنال في الوقت الراهن.

نقلاً عن الغارديان