أثار الحديث عن منح القطاع الخاص دوراً في إدارة المشافي الحكومية في سوريا عاصفة من القلق والرفض الشعبي، ليس فقط بسبب مضمون الفكرة نفسها، بل بسبب السياق الذي طُرحت فيه.. بلد خرج من حرب طويلة باقتصاد منهك، وغالبية سكانه تحت خط الفقر، ونظام صحي ما زال يعمل بأقل من طاقته.
وفي خضم الجدل، سارعت هيئة الاستثمار السورية إلى نفي ما وُصف بـ”خصخصة المشافي”، مؤكدة أن “الصحة ليست للبيع” وأن الدولة ستبقى الضامن الأساسي للعلاج، وأن ما يجري بحثه يقتصر على نماذج إدارية حديثة وشراكات محتملة مع القطاع الخاص لتحسين الكفاءة والخدمة تحت إشراف حكومي كامل.
لكن هذا النفي لم ينهِ الجدل؛ لأن ردود الفعل الشعبية انطلقت من شعور أعمق من مجرد سوء فهم لفظي، فالنصوص والتعليقات المتداولة بين السوريين أظهرت خوفاً من أن يكون ملف المشافي بداية انتقال جديد من نموذج الرعاية العامة، مهما كان متعثراً، إلى نموذج أكثر تجارياً لا يستطيع أغلب الناس تحمّل كلفته.
واقع القطاع الصحي
حساسية الملف لا يمكن فهمها من دون النظر إلى واقع القطاع الصحي السوري نفسه، فبيانات منظمة الصحة العالمية والقطاع الصحي في سوريا تشير إلى أن النظام الصحي ما يزال في وضع هش للغاية.
ووفق نشرات القطاع الصحي لعام 2025، فإن 57% فقط من المستشفيات و23% من المراكز الصحية العامة كانت تعمل بكامل طاقتها في بعض التقديرات الوطنية خلال أواخر 2025، في حين أشار خطاب صحي رسمي نقلته النشرات نفسها إلى أن نحو 40% من المراكز الصحية دُمّرت بالكامل وأن 60% أخرى تعاني أضراراً بنيوية كبيرة.
كما تكرر في تقارير أممية وأوروبية أن نقص الأدوية والمستلزمات والكوادر والمعدات القديمة يضغط بقوة على الخدمة العامة.
وتعطي وثيقة “الميثاق الصحي الوطني” المدعومة من البنك الدولي صورة أكثر قسوة: 54% فقط من المستشفيات و39% من مراكز الرعاية الصحية الأولية كانت قادرة على القيام بدورها بعد أكثر من 14 عاماً من النزاع، مع الإشارة إلى أن أكثر من 90% من المعدات الطبية يتجاوز عمرها خمس سنوات.
هذه الأرقام تجعل أي نقاش عن إصلاح القطاع ضرورياً، لكنها في الوقت نفسه تفسر لماذا يخشى السوريون أن تتحول “الإدارة الحديثة” أو “الشراكات” إلى طريق مختصر لتحويل ما تبقى من الرعاية العامة إلى سوق علاجية مكلفة.
سياق اجتماعي واقتصادي
ويزداد هذا الخوف واقعية حين يوضع في سياق اجتماعي واقتصادي شديد القسوة، فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قال في فبراير 2025 إن 9 من كل 10 سوريين يعيشون في الفقر، وإن واحداً من كل أربعةٍ عاطلٌ عن العمل، في حين أظهر تقرير آخر للمنظمة أن أكثر من 20 مليون سوري باتوا في فقر مالي.
كما تؤكد الخطط الإنسانية الأممية أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر وأن كثيراً من الأسر تضطر إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والمياه والصحة والتعليم.
وفي هذه البيئة، لا يُقرأ أي تحول في تمويل المشافي أو طريقة إدارتها بوصفه إصلاحاً إدارياً تقنياً فحسب، بل مسألة بقاء يومي.
ومن هذه الزاوية تبدو ردود الفعل الشعبية مفهومة أكثر من كونها انفعالية فقط، فالتعليقات التي وردت في النص المرسل تتحدث بوضوح عن خشية من أن يصبح العلاج محكوماً بالقدرة المالية، وأن تتكرر في الصحة تجربة التراجع التدريجي في دعم سلع وخدمات أساسية أخرى.
بعض الأصوات رفض المسار من أساسه، وبعضها قبل بفكرة تطوير الإدارة لكن بشرط وجود تأمين صحي شامل وضمانات تمنع التسليع الكامل للعلاج، في حين دافعت آراء أخرى عن إمكانية الاستفادة من نماذج شراكة أو تعهيد محددة من دون بيع القطاع العام نفسه.
ويكشف هذا التنوع في المواقف أن النقاش في سوريا ليس ببساطة بين “مع” و”ضد”، بل بين من يخشى الانهيار الاجتماعي، ومن يرى أن المشافي الحكومية في وضعها الحالي لم تعد قادرة على أداء دورها أصلاً.
إشراف حكومي ورقابة
وفي هذا الإطار، يمكن فهم سبب إصرار هيئة الاستثمار على استخدام لغة مطمئنة، مثل تأكيد أن الدولة ستبقى الضامن الأساسي للرعاية وأن أي نموذج مستقبلي سيخضع لإشراف حكومي ورقابة صارمة، وأن الهدف هو رفع الجودة وتخفيض الكلفة لا حرمان المواطنين من العلاج.
كما توازى هذا الخطاب مع رسائل رسمية أخرى تشجع “الاستثمار الصحي” وتقديم خدمات نوعية داخل سوريا، ومع استمرار وزارة الصحة نفسها في الإعلان عن توسيع شبكة المشافي التابعة لها وإعادة تأهيل عدد منها.
وفي أبريل 2026 تحدثت وكالة سانا عن ارتفاع عدد المشافي التابعة لوزارة الصحة من 70 إلى 90 مشفى، والعمل على إعادة تفعيل 38 مشفى خارج الخدمة، كما وقّعت وزارة الصحة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فبراير 2026 مذكرة تفاهم بقيمة 35 مليون يورو لإعادة تأهيل خمسة مشافٍ و25 مركزاً صحياً.
ومع ذلك، فإن تعزيز الاستثمار وإعادة التأهيل لا يحسمان وحدهما مخاوف الناس، فالمشكلة ليست فقط في وجود مستشفى أو عدمه، بل في طبيعة الوصول إليه.. هل سيظل العلاج الأساسي في متناول الفئات الفقيرة، أم سيتحول تدريجياً إلى خدمة تتفاوت حسب القدرة على الدفع؟
هنا يبرز البعد الحقوقي بقوة، فالقانون الدولي لحقوق الإنسان، عبر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يعترف بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، وتؤكد الأمم المتحدة أن هذا الحق يشمل الإتاحة وإمكانية الوصول والقبول والجودة.
وهذا يعني عملياً أن أي إصلاح في القطاع الصحي، حتى لو كان عبر شراكات مع القطاع الخاص، لا يصبح مقبولاً حقوقياً إلا إذا حافظ على الوصول المتكافئ وغير التمييزي إلى الرعاية، خاصة للفئات الأشد هشاشة.
تدهور البنية التحتية
وفي حالة سوريا تحديداً، يصبح هذا الشرط أكثر إلحاحاً؛ لأن النظام الصحي لا يعمل في ظروف عادية، الأمم المتحدة تشير إلى أن 15.8 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى مساعدة صحية عاجلة، وأن نقص التمويل والهجمات السابقة على الرعاية الصحية وتدهور البنية التحتية كلها يجعل أي انقطاع أو زيادة في الكلفة تهديداً مباشراً لحياة الناس.
كما أظهرت بيانات أممية في 2025 وجود نقص حاد في أدوية أساسية مثل الإنسولين ومستلزمات غسيل الكلى وعلاجات السرطان في بعض المناطق، ما يعكس أن التحدي لم يعد فقط “من يدير المستشفى”، بل كيف يمكن أصلاً إبقاء الخدمة متاحة وآمنة وممولة.
ومن هنا فإن جوهر الجدل السوري لا يدور فقط حول كلمة “خصخصة”، بل حول الثقة، كثير من السوريين لا يناقشون الفكرة في فراغ نظري، بل من داخل تجربة تراكمية مع تراجع الدعم وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
لذلك حتى لو كانت الصياغة الرسمية الحالية تتحدث عن “شراكات” لا “بيع”، فإن المخاوف الشعبية ترتبط بما يراه الناس انتقالاً أوسع من دور الدولة الاجتماعي إلى دور أكثر تحرراً من الضوابط الاجتماعية.
هذا المعنى حاضر بقوة، ويظهر أيضاً في ردود كتّاب وصحفيين وباحثين اجتماعيين حذروا من أن المضي في هذا الاتجاه من دون ضمانات صلبة قد يوسع التفاوت الطبقي ويضعف دور الدولة بوصفها ضامناً للحد الأدنى من الأمان الصحي.

