منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من أجل الذهب.. نساء وأطفال يواجهون الموت في مناجم كيدوغو بالسنغال

13 أبريل 2026
نساء سنغاليات تعملن في تعدين الذهب
نساء سنغاليات تعملن في تعدين الذهب

في منطقة كيدوغو الواقعة بشرق السنغال، يعمل آلاف الرجال والنساء في التعدين الحرفي لكسب لقمة العيش في المناطق الغنية بالذهب، لكن ما يبدو كفرصة اقتصادية يتحول إلى خطر بيئي وصحي كبير، إذ تعتمد عمليات استخلاص المعدن النفيس على مادة الزئبق السامة، التي تتسرب عبر الهواء والمياه والتربة، وتؤثر على حياة المجتمعات بأكملها.

الزئبق معدن ثقيل يستخدم على نطاق واسع في التعدين الحرفي لاستخلاص الذهب عن طريق تكوين “خليط الزئبق والذهب”، ثم تسخينه لإطلاق الزئبق كبخار سام، وهذه الطريقة رخيصة وسهلة وتدر دخلا سريعا، لكنها تعكس انبعاث كميات ضخمة من الزئبق في البيئة المحيطة.

وتشير الدراسات البيئية إلى أن مستويات الزئبق في التربة والمياه بالقرب من مناطق التعدين في كيدوغو تتجاوز بأكثر من عشرة أضعاف الحدود الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية والهيئات البيئية الدولية، بحسب المركز الأوروبي للبحوث.

تربة ومياه في دائرة الخطر

يشير موقع “ساينس دايركت” العلمي إلى أن الزئبق لا يبقى محصورا في مواقع التعدين فحسب، بل يتسرب إلى التربة ومجاري الأنهار والبرك، ويتحول تدريجيا إلى مركب “الميثيل زئبق” الذي يعد أكثر سمية ويتراكم في السلسلة الغذائية، وهذه العملية تجعل المياه الجارية القريبة من مواقع التعدين، وكذلك الأسماك والكائنات المائية، مصدرا جديدا للزئبق الذي يمكن أن يدخل إلى الأجسام البشرية عبر الغذاء ومياه الشرب.

وتُشكل النساء نسبة كبيرة من القوى العاملة في مواقع التعدين الحرفي في كيدوغو، وغالبا ما تكون مشاركتهن في غسل التربة وفصل الذهب بالقرب من مجاري المياه سببا مباشرا في تعرضهن لبخار الزئبق والمياه الملوثة، دون أي حماية كافية، وغالبا ما يتواجد أطفالهن بالقرب منهن أثناء العمل أو في أنشطة الحياة اليومية، ما يجعل الأطفال أيضا من الفئات الأكثر عرضة لهذا التعرض السام.

آثار صحية على الجسم والعقل

الزئبق من أخطر المواد السامة على الصحة البشرية، إذ يمكن أن يؤثر على الجهاز العصبي، والدماغ، والكلى، والجهاز المناعي، ووظائف العضلات، وقد يؤدي التعرض المزمن إلى أضرار طويلة الأمد تشمل اضطرابات عصبية، وخلل في التطور الذهني عند الأطفال، وضعف السمع والبصر، وفقدان التناسق الحركي، وحتى تشوهات خلقية في الأجنة، وهذه التأثيرات لا تظهر بشكل فوري غالبا، بل تتراكم عبر سنوات من التعرض، ما يجعلها أكثر خطورة لأنها غير مرئية في البداية.

تكمن خطورة الزئبق أيضا في قدرته على الاستمرار داخل الأنظمة البيئية لفترات طويلة، وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، إذ يمكن للجزيئات أن تتكاثر في الشبكة الغذائية، فتنتقل من التربة والمياه إلى الأسماك ثم إلى الإنسان عند استهلاك هذه المنتجات، وهذا يعني أن المجتمعات التي تعتمد على صيد الأسماك أو الغذاء المائي القريب من مناطق التعدين المعرضة للزئبق تكون عرضة بشكل مضاعف للمخاطر الصحية.

الاقتصاد مقابل الصحة

رغم المخاطر الصحية البيّنة للتعرض إلى الزئبق، يستمر عمال التعدين الحرفي في منطقة كيدوغو في الاعتماد عليه نظرا لأنه أرخص وأبسط طريقة لاستخلاص الذهب مقارنة بالتقنيات البديلة التي تتطلب معدات أكثر تكلفة وتدريباً فنيا متقدما، ويُستخدم الزئبق في طرق معالجة الذهب لأنه أسرع وأقل كلفة، خصوصاً في مناطق تفتقر للتمويل والبدائل التقنية.

وذكرت وكالة أسوشيتد برس في تقرير سابق لها إلى أنه في كيدوغو قد يحقق العامل ما يعادل من 370 دولارا إلى 745 دولارا شهرياً من بيع الذهب المُستخرج بهذه الطريقة، وهو دخل يفوق ضعف متوسط الدخل السنغالي الوطني البالغ نحو 200 دولار شهريا وفق الحكومة السنغالية، وتوضح هذه الفروق الاقتصادية سبب استمرار هذه الممارسة حتى مع الاعتراف العام بخطر الزئبق على الصحة، لأن العمال يواجهون خياراً صعباً بين الربح المعيشي الفوري والتعرض لخطر صحي طويل الأمد قد لا يظهر آثاره إلا بعد سنوات من التعرض المتواصل.

ولمواجهة مخاطر الزئبق، صادقت السنغال في عام 2016 على اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، وهي معاهدة دولية تهدف إلى الحد من استخدام وإطلاق الزئبق لحماية البيئة وصحة الإنسان، لكن تنفيذ هذه الاتفاقية على الأرض ظل ضعيفا للغاية حتى عام 2025، إذ تم إنشاء وحدة معالجة خالية من الزئبق، واحدة فقط من أصل 400 وحدة وعدت بها الحكومة، ولا تزال حتى الآن غير قادرة على تغطية جميع مناطق التعدين أو تقديم بدائل فعّالة للمجتمعات المحلية.

تحذيرات أممية وحقوقية

تجدر الإشارة إلى أن العديد من المنظمات الأممية والحقوقية الدولية وهيئات المجتمع المدني قد سلطت الضوء على مخاطر الزئبق في التعدين الحرفي باعتبارها قضية ترتبط بحقوق الإنسان وحق الصحة والبيئة، بما يتجاوز مجرد مشكلة بيئية ضيقة، من بين هذه الجهات، أعدّت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريرا متخصصا عن الآثار المترتبة على حقوق الإنسان من استخدام الزئبق في تعدين الذهب الضيق النطاق يُبرز كيف يؤثر هذا التعرض السام على الصحة والبيئة ويعد خرقاً لحقوق السكان في بيئة آمنة وصحية، بما يستلزم إشراك المجتمعات المتضررة ووضع ترتيبات رقابية صارمة على تداول واستخدام الزئبق للحد من هذه الانتهاكات.

كما وثّقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في تقارير سابقة أضرار الزئبق على العمال والأطفال في مواقع التعدين حول العالم، معتبرة أن التعرض لهذه المادة يشكل انتهاكا لحق الصحة وبيئة العمل ويتطلب من الحكومات تبني خطط وطنية إلزامية لحماية الفئات الأضعف، خاصة النساء والأطفال، من أضرار التعرض والممارسات الخطرة.

وتدعم منظمة الصحة العالمية هذه التوجهات من منظور صحي، فهي تصنف الزئبق ضمن المواد التي تُسبب أضرارا خطيرة للجهاز العصبي والدماغ والجهاز المناعي، وتدعو إلى زيادة الوعي وبرامج التدريب حول مخاطر التعرض في المجتمعات التي تعتمد على الزئبق في التعدين والحياة اليومية.جهود التوعية والتقليل من المخاطر.

تشير دراسات حديثة إلى أن التعليم والتدريب يمكن أن يغير سلوكيات العاملين في مواقع التعدين، حيث أسفرت حملات توعوية وإدخال معدات لاحتجاز الزئبق عن زيادة إدراك خطورة الزئبق لدى 94% من المشاركين في بعض المجتمعات، مع ارتفاع استخدام هذه المعدات من 3% إلى 64%.

رغم ذلك، يظل انتشار هذه المبادرات محدوداً، ولا يلبي حتى الآن احتياجات جميع العاملين في كيدوغو.

تحديات أمام الحلول المستدامة

تواجه جهود التقليل من استخدام الزئبق في التعدين الحرفي عدة عقبات، من بينها نقص التمويل، وغياب التدريب التقني الفعّال، وضعف تنفيذ التشريعات، وتردد العمال في تبني طرق بديلة، ما يجعل الأزمة بيئية وصحية واقتصادية واجتماعية في آن واحد، ويظل الهدف الأهم هو ترسيخ بيئة تنظيمية قادرة على حماية الصحة العامة دون حرمان السكان من مصادر دخلهم.

تكشف أزمة استخدام الزئبق في مناجم الذهب بمنطقة كيدوغو السنغالية عن صراع بين احتياج الإنسان لكسب الرزق وحماية صحته وبيئته، وبينما تدعو الاتفاقيات الدولية والبيئة المحلية إلى الحد من المخاطر وتطبيق أنظمة آمنة، يبقى التحدي الأكبر هو تطبيق هذه الحلول عمليا بحيث تستفيد المجتمعات من مواردها الطبيعية دون أن تُعرّض حياتها للخطر، واستمرار تدفق الزئبق في الهواء والمياه والتربة لا يعني فقط تداعيات بيئية بعيدة المدى، بل يعني أيضا أن الأجيال القادمة سترث مجتمعات ملوثة وصحة متدهورة ما لم تتحرك الحكومات والمجتمعات والهيئات الدولية بشكل فعّال وعاجل.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية