هيئة تحرير الإندبندنت
لم يعد المرضى وحدهم من فقدوا صبرهم تجاه إضرابات الأطباء، بل حتى زملاؤهم في المهنة بدؤوا يشعرون بالضيق.
ليس من المبالغة القول إن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الناخبين، قبل أقل من عامين، إلى انتخاب أول حكومة عمالية منذ عام 2010، كان إنهاء حالة الفوضى التي يعيشها نظام الصحة الوطني.
الوعد الذي قدّمه الحزب في عام 2024 كان واضحاً: عدد كبير من المرضى تأثرت رحلات علاجهم بسبب الإضرابات، وحان الوقت لإعادة ضبط العلاقة مع العاملين في القطاع الصحي، بعيداً عن النهج الفاشل الذي اتبعه المحافظون.
لكن، وبغضّ النظر عن المسؤول، فإن هذا “الإصلاح” لم يتحقق، ومع شروع الأطباء المقيمين في إضراب جديد يمتد لستة أيام، لا يبدو أن هناك أي بوادر لحل قريب، بل على العكس، فإن هذه الجولة -وهي الخامسة عشرة خلال ثلاث سنوات- لا تثير التوتر بين الأطباء والحكومة فقط، بل داخل المستشفيات والمجتمع الطبي نفسه.
الاستشاريون الذين يجدون أنفسهم مضطرين لتعويض غياب زملائهم، يرزحون تحت ضغط متزايد، وفي المقابل، يواجه مديرو المستشفيات الذين يتعرضون لانتقادات مستمرة، ضغوطاً شديدة لإصلاح الأداء ورفع الإنتاجية، في وقت تقلّصت فيه مهلة الاستعداد للإضرابات بسبب قوانين العمل الجديدة.
صحيح أن إدارات المستشفيات أصبحت أكثر خبرة في التكيّف مع الإضرابات وتقليل آثارها، لكن الإضرابات الطولى مع إشعار أقصر وتغطية أقل من الاستشاريين تجعل المهمة أكثر صعوبة.
والنتيجة الحتمية؟ تضرر المرضى، حتى مع استمرار التعامل مع الحالات الطارئة، فإن تأجيل المواعيد يطيل فترات الانتظار، ويؤخر التشخيص، ويؤدي إلى نتائج صحية أسوأ. هذه حقيقة مزعجة، لكنها واقعية.
والمفارقة أن الضغط المتزايد على الاستشاريين يدفعهم بدورهم للمطالبة بتحسين أوضاعهم، تعويضاً عن التضحيات التي يُطلب منهم تقديمها، فمثل زملائهم الأصغر سناً، تآكلت أجورهم الحقيقية بفعل التضخم، وتزداد صعوبة عملهم في ظل نظام يعاني من نقص التمويل، إلى جانب التحدي الديموغرافي المتمثل في زيادة أعداد كبار السن الذين يعيشون لفترات طولى لكن بصحة أقل.
لهذا بدأ الاستشاريون أيضاً التفكير في الإضراب، مع تصويت مرتقب الشهر المقبل.
فأين إذن “إعادة ضبط العلاقة” مع الحكومة؟ في المدى القريب، لا توجد أي فرصة، بل إن الوضع قد يزداد سوءاً، خاصة إذا قرر الاستشاريون والأطباء المتخصصون الانضمام إلى الإضرابات في التوقيت نفسه.
والأسوأ من ذلك، هو احتمال تكرار سيناريو شهدناه سابقاً، حين انضمت فئات أخرى -مثل الممرضين والمسعفين- إلى موجة الإضرابات، هذا السيناريو ليس مستبعداً خلال العامين المقبلين.
كل ذلك يحدث رغم أن الأطباء المقيمين حصلوا بالفعل على زيادة استثنائية في الأجور تقارب 30% منذ وصول حزب العمال إلى السلطة، كما أن نظام مراجعة الأجور المستقل أُنشئ أصلاً لتجنب مثل هذه النزاعات، لكن الطرفين يتجاهلان توصياته عندما لا تتوافق مع مصالحهما.
اليوم، يبدو أن الأطباء هم من يتجاوزون هذه الآلية ويدفعون بأجندتهم الخاصة.
لكن المزاج العام تغيّر، التعاطف الشعبي مع الأطباء لم يعد كما كان، الناس سئموا من الإضرابات المتكررة، ويرون أن هذه الفئة حصلت بالفعل على زيادات كبيرة، ومن الصعب إقناع الرأي العام بأن مجموعة بعينها تستحق استعادة قدرتها الشرائية إلى نقطة زمنية “مريحة” في الماضي، في حين أن أغلب العاملين في البلاد كانوا سيعدون زيادة بنسبة 28% إنجازاً كبيراً.
حتى داخل صفوف الأطباء المقيمين، بدأت تظهر مؤشرات على الإرهاق. صحيح أن التأييد للإضراب لا يزال مرتفعاً، لكنه لم ينعكس على نسبة المشاركة في التصويت التي تراجعت خلال السنوات الثلاث الماضية.
ربما بدأ بعض الأطباء يدركون أن هذه الإضرابات لا تضر فقط بالحكومة، بل تمس جوهر فكرة نظام الصحة الوطني نفسه ومستقبله. فإذا كانت حكومة العمال التي تعد نفسها الحامي التاريخي لهذا النظام عاجزة عن إصلاحه، فكيف يمكن للمواطنين أن يثقوا في حصولهم على العلاج في الوقت المناسب؟
بالنسبة للبعض، خاصة من اضطروا بالفعل للجوء إلى القطاع الخاص، قد يبدو نظام التأمين الصحي الخاص بديلاً أقل سوءاً من الانتظار المستمر. قد يكون هذا التصور خاطئاً، لكنه مفهوم.
وهنا تبرز خطورة اللحظة: شخصيات مثل نايجل فاراج لن تتردد في الدفع نحو هذا التحول الجذري، وهو ما قد يكون أكثر قسوة على الأطباء أنفسهم من أي “إصلاح” حكومي مطروح الآن.
في النهاية يبقى السؤال: هل يريد الأطباء إنقاذ النظام الصحي أم الإسهام في تقويضه؟
فكما هو الحال في كثير من الأمور، قد تؤدي الإضرابات إلى نتائج لم تكن في الحسبان.
