في عالم ينتج ما يكفي من الغذاء لإطعام سكانه، لا تبدو المجاعات وأزمات الجوع المعاصرة نتيجة حتمية لندرة الموارد بقدر ما تعكس اختلالات أعمق ترتبط بالنزاعات المسلحة والانهيار الاقتصادي وتعطل مؤسسات الدولة.
بالنسبة لملايين الأشخاص الذين يعيشون في مناطق الصراع، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب الغذاء من الأسواق، بل في فقدان القدرة على الوصول إليه أو تحمّل تكلفته.
وتكشف المؤشرات الدولية أن الحروب باتت أحد أبرز العوامل التي تدفع السكان نحو انعدام الأمن الغذائي، سواء عبر تدمير الإنتاج الزراعي وتعطيل سلاسل الإمداد، أو من خلال النزوح وفقدان مصادر الدخل وارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، لم يعد الحق في الغذاء قضية تنموية أو إنسانية فقط، بل أصبح أحد أكثر حقوق الإنسان تأثراً بتداعيات النزاعات الممتدة.
أرقام تكشف حجم الأزمة
وفقاً للتقرير العالمي حول الأزمات الغذائية 2025 الصادر عن شبكة معلومات الأمن الغذائي العالمية وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، واجه أكثر من 295 مليون شخص في 53 دولة وإقليماً مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2024، بزيادة بلغت 13.7 مليون شخص مقارنة بالعام السابق.
ويشير التقرير إلى أن النزاعات المسلحة ظلت المحرك الرئيسي للأزمة، حيث أثرت بصورة مباشرة في نحو 140 مليون شخص، ما يؤكد أن الجوع بات يرتبط بصورة متزايدة بغياب الأمن والاستقرار أكثر من ارتباطه بندرة الغذاء.
الحرب لا تدمر الحقول فقط
لا تقتصر آثار النزاعات على تعطيل الإنتاج الزراعي أو تدمير البنية التحتية، بل تمتد إلى الأسواق والدخول وسلاسل التوريد.
فإغلاق الطرق والموانئ وارتفاع تكاليف النقل والتأمين يؤدي إلى زيادة أسعار المواد الغذائية، في حين يتسبب التضخم وفقدان مصادر الدخل في تراجع القدرة الشرائية للأسر.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن ملايين الأشخاص في الدول المتأثرة بالنزاعات يجدون الغذاء متوافراً في الأسواق لكنهم يعجزون عن شرائه، في حين حذرت الأمم المتحدة عام 2026 من أن نحو ثلثي حالات الجوع الحاد في العالم تتركز في عشر دول تعاني من النزاعات وعدم الاستقرار.
لماذا يرتبط الجوع بالحروب؟
تكشف الأزمات الغذائية الحديثة تحولاً مهماً في طبيعة الجوع العالمي، فبينما ارتبطت المجاعات تاريخياً بالجفاف أو ضعف الإنتاج، أصبحت الحروب والنزاعات اليوم من أبرز العوامل التي تدفع المجتمعات نحو انعدام الأمن الغذائي.
ويرجع ذلك إلى أن النزاع لا يؤثر في جانب واحد من منظومة الغذاء، بل يضربها بأكملها في الوقت نفسه؛ من الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع، وصولاً إلى قدرة السكان على شراء احتياجاتهم الأساسية. ونتيجة لذلك، يصبح الغذاء متوافراً نظرياً لكنه غير متاح فعلياً لشرائح واسعة من السكان.
ويرى الدكتور فاضل الزعبي، خبير الأمن الغذائي، أن المجاعات وأزمات الجوع في المناطق المتأثرة بالحروب لا ترتبط أساساً بشح الموارد الطبيعية أو تراجع الإنتاج الزراعي، بقدر ما تعكس فشل الحوكمة والانهيار الاقتصادي وتعطل مؤسسات الدولة.
ويوضح الزعبي، في حديثه لمنصة “صفر”، أن الحروب تقوض أركان الأمن الغذائي كافة، من توافر الغذاء ووصول السكان إليه، وصولاً إلى استقراره وقدرة الأسر على الاستفادة منه بصورة مستدامة.
ويشير إلى أن النزاعات المسلحة تدفع المزارعين إلى النزوح أو ترك أراضيهم، وتدمر البنية التحتية الزراعية من شبكات ري ومخازن وصوامع، كما تعطل الأسواق والأنظمة المالية وسلاسل التوريد.
أزمة القدرة على الشراء
يؤكد الزعبي أن أحد أبرز مظاهر الأزمة يتمثل في تراجع القدرة الشرائية للسكان نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار وانهيار مصادر الدخل.
ففي كثير من مناطق النزاع قد تبقى السلع الغذائية متوافرة في الأسواق، لكن ملايين الأسر تعجز عن شرائها بسبب الفقر وفقدان الوظائف وانقطاع الرواتب، ما يحول الجوع من أزمة توافر إلى أزمة وصول.
كما أن التوترات الأمنية في الممرات البحرية وطرق التجارة الدولية ترفع تكاليف الشحن والتأمين والنقل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية، خاصة في الدول المعتمدة على الاستيراد.
الحق في الغذاء
رغم استمرار برامج الإغاثة، ترى منظمات دولية أن توزيع المساعدات وحده لم يعد كافياً لمواجهة الأزمة.
فقد حذر برنامج الأغذية العالمي من أن تراجع التمويل الإنساني وارتفاع تكاليف الشحن والنقل يهددان قدرة المنظمات على الوصول إلى ملايين المحتاجين.
ومن منظور حقوق الإنسان، يشكل الحق في الغذاء أحد الحقوق الأساسية المكفولة بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يفرض على الدول وأطراف النزاع والمجتمع الدولي مسؤولية ضمان وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية دون معوقات.
ويشدد الزعبي على أن الحق في الغذاء لا يجوز استخدامه أداة للضغط أو المساومة خلال النزاعات، وأن حماية المدنيين من مخاطر التجويع تمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق جميع الأطراف.
الجوع نتيجة للحرب
تكشف الأزمات الغذائية المعاصرة أن الجوع في كثير من مناطق النزاع لم يعد نتيجة مباشرة لنقص الغذاء بقدر ما أصبح انعكاساً لانهيار منظومات الحماية والاقتصاد والحكم. فكلما طال أمد الصراعات، اتسعت الفجوة بين الغذاء المتاح والغذاء الذي يستطيع الناس الوصول إليه.
ومن هنا، لا يقتصر الدفاع عن الحق في الغذاء على توفير المساعدات الطارئة، بل يشمل حماية سبل العيش والأسواق والبنية التحتية الزراعية وضمان وصول المدنيين إلى الغذاء دون تمييز أو معوقات.
فالحروب قد تبدأ بالسلاح، لكنها كثيراً ما تترك آثارها الأعمق في موائد الناس وقدرتهم على العيش بكرامة.

