لم يعد “الكوش” في سيراليون مجرد مخدر جديد ظهر في الأحياء الفقيرة، بل تحوّل خلال وقت قصير إلى أزمة صحة عامة وأمن اجتماعي دفعت الرئيس جوليوس مادا بيو إلى إعلان حالة طوارئ وطنية بشأن تعاطي المخدرات في أبريل 2024، وفي خطاب رسمي لاحق أمام البرلمان في أغسطس 2025 وصف الرئيس صعود المخدرات الاصطناعية، وعلى رأسها الكوش، بأنه “حالة طوارئ صحية عامة” تهدد الأرواح، وتعرض مستقبل البلاد للخطر.
وتكتسب هذه الأزمة ثقلًا خاصًا لأن سيراليون بلد شاب في الأساس، فعدد سكان البلاد بلغ نحو 8.8 مليون نسمة في 2025، بينما يشكل من هم بين 10 و24 عامًا نحو 32% من السكان، ومن هم دون 15 عامًا نحو 38%، وهذا يعني أن الوباء يضرب في قلب الفئة العمرية التي يُفترض أن تمثل الطاقة البشرية والتعليمية والاقتصادية للبلاد، لا على هامشها.
ومنذ ظهوره في سيراليون قبل بضع سنوات، خرج الكوش من نطاق التعاطي المحلي المحدود إلى نطاق إقليمي أوسع، وقال مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في تقرير المخدرات العالمي 2025 إن الكوش ظهر في سيراليون ثم انتشر سريعًا في دول غرب إفريقيا، ومنها ليبيريا وغامبيا وغينيا وغينيا بيساو والسنغال.
وحذر المكتب الأممي من أنه أصبح تهديدًا متزايدًا للصحة العامة في الإقليم. كما أشار التقرير إلى أن الكوش بات في سيراليون المادة الأولى المرتبطة بأكبر عدد من حالات العلاج والرعاية المرتبطة باضطرابات تعاطي المخدرات.
يخفي تركيبة متغيرة
الخطير في هذا المخدر أن اسمه الشعبي الواحد يخفي تركيبة متغيرة وغير مستقرة، فبينما راجت لسنوات شائعات عن احتوائه على مواد عشوائية، كشفت اختبارات حديثة نُشرت في فبراير 2025 أن عينات من الكوش في سيراليون احتوت على أفيونات اصطناعية من مجموعة النيتازين إلى جانب كانابينويدات اصطناعية.
ونقلت وكالة رويترز عن التقرير أن بعض هذه المركبات من النيتازين قد تكون أشد قوة بما يصل إلى 25 مرة من الفنتانيل، ما يفسر جزئيًا حالات الانهيار السريع، والإدمان الشديد، وصعوبة العلاج.
هذا الاكتشاف بدد أيضًا فكرة أن الكوش “منتج محلي خالص”. فنتائج الفحوص التي أُجريت بطلب من الحكومة السيراليونية أشارت إلى أن بعض المواد الداخلة في تصنيعه أو في سلاسل توريده تأتي من الخارج، مع ذكر الصين والمملكة المتحدة وهولندا كمصادر رئيسية لبعض المكونات أو المواد الوسيطة، قبل أن تُخلط محليًا في فريتاون وتُرش على مواد نباتية تُدخَّن لاحقًا وتُباع في الشوارع على أنها كوش.
ولهذا السبب لا تبدو الأزمة مجرد قصة “مخدر شارع” في الأحياء الفقيرة، بل مسألة تتقاطع فيها الصحة العامة مع الجريمة المنظمة والاقتصاد غير المشروع.
وقالت الأمم المتحدة إن غرب ووسط إفريقيا يشهدان تنوعًا متسارعًا في أسواق المخدرات مع بروز شبكات إجرامية تستغل الهشاشة الاقتصادية، بينما أظهر تقرير 2025 أن 57% من الكميات المضبوطة عالميًا من الأفيونات الدوائية بين 2019 و2023 كانت في إفريقيا، وأن معدل انتشار تعاطي الأفيونات في غرب ووسط إفريقيا بلغ 2.35% في 2023، وهو مستوى مرتفع مقارنة بالمعدل الإفريقي العام البالغ 1.4%.
واقع اجتماعي هش
في سيراليون تحديدًا، يتغذى انتشار الكوش على واقع اقتصادي واجتماعي هش، حيث تُظهر بيانات البنك الدولي أن السكان بلغوا 8.64 مليون في 2024، بينما قدّر البنك في 2025 أن أكثر من ربع السكان ما زالوا في فقر مدقع، كما توقعت وثيقة “آفاق الفقر الكلي” أن ترتفع نسبة الفقر المدقع المقاس عند 3 دولارات يوميًا تقريبًا إلى 51.6% في 2024 قبل أن تستقر قرب 50% في 2025.
وفي بلد ترتفع فيه البطالة والهشاشة بين الشباب، يصبح المخدر الرخيص وسيلة هروب سريعة من واقع ضاغط، لكنه يتحول إلى طريق مختصر نحو الانهيار الصحي والاجتماعي.
ومع أن الخطاب العام في سيراليون ركز كثيرًا على مشاهد المتعاطين في شوارع فريتاون، فإن الأثر الأعمق ظهر داخل النظام الصحي.
ووصفت الوكالة الوطنية للصحة العامة في سيراليون الكوش في أكتوبر 2025 بأنه أحد أشد الطوارئ الصحية والأمنية إلحاحًا في البلاد، وقالت إن انتشاره حطم أسرًا وأغرق المجتمعات وأثقل كاهل المنظومة الصحية.
العلاج وإعادة التأهيل
وبدات الحكومة نفسها في نقل الأزمة من لغة “الضبط الأمني” وحدها إلى لغة العلاج وإعادة التأهيل، ففي أكتوبر 2025، أعلنت الوكالة الوطنية للصحة العامة أن فرق العمل الوطنية ناقشت إعادة فتح مركزي التأهيل في هاستينغز وغونداما، إلى جانب التوسع في الاستفادة من الأسرة المتاحة في مستشفى كيسي للأمراض النفسية، مع دعم إنشاء منشأة جديدة في دارو.
وفي الشهر نفسه، تحدثت الوكالة عن فتح مراكز إعادة تأهيل إضافية في غوداما ودارو لتكون مراكز إقليمية لخدمات إزالة السموم، والإرشاد، وإعادة الإدماج.
هذا التحول يعكس إدراكًا رسميًا بأن الإدمان لا يمكن التعامل معه فقط بوصفه جريمة، ففي بيان رسمي للوكالة الوطنية للصحة العامة في أكتوبر 2025، شدد المسؤولون الصحيون على أن إدمان المخدرات ليس جريمة بل صرخة طلب للمساعدة، مؤكدين أن المتضررين من الكوش يحتاجون إلى إزالة سموم، ورعاية نفسية، وعلاج لمشكلات صحية مصاحبة، لا إلى الإقصاء المجتمعي فقط.
لكن في المقابل، لم تتخلَ الدولة عن مسار الضبط والملاحقة، ففي فبراير 2026، أعلنت وزارة الإعلام والشؤون المدنية أن وحدة مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود TOCU حصلت على 52 إدانة في حملة وطنية منسقة ضد تهريب المخدرات، بينها 36 إدانة في المنطقة الغربية و6 في الشرق و6 في الشمال الغربي و4 في الجنوب، مع وجود 18 قضية إضافية قيد النظر أمام المحكمة العليا.
وأضافت الوزارة أن بعض أحكام السجن في قضايا الكوش الكبرى وصلت إلى 40 سنة، إلى جانب أحكام أخرى بـ30 و31 و25 و15 و10 سنوات، في إشارة إلى تشدد قضائي واضح.
خطر الانتشار الإقليمي
وترى السلطات أن المعركة ذات شقين؛ علاج من وقعوا في الإدمان، وتفكيك شبكات التصنيع والاتجار، وهذا ما يفسر تعدد الجهات الرسمية المنخرطة في الاستجابة، من الصحة والشرطة والجيش إلى الهيئات المدنية والإعلامية.
ففي حملات أكتوبر 2025 مثلًا، شاركت الوكالة الوطنية للصحة العامة مع هيئة مكافحة المخدرات، والشرطة، والقوات المسلحة في مداهمات استهدفت أحياء بشرق فريتاون وُصفت بأنها بؤر رئيسية لتعاطي الكوش والاتجار به.
إقليميًا، لا تبدو المشكلة محصورة داخل حدود سيراليون، تقرير المخدرات العالمي 2025 للأمم المتحدة أكد أن “الكوش” انتقل سريعًا عبر غرب إفريقيا، بينما ذهبت تقارير بحثية دولية أحدث في 2026 إلى أن سيراليون كانت مركز الانطلاق لموجة استهلاك ووفيات مرتبطة به في دول مجاورة.
لكن من المهم مهنيًا هنا التمييز بين ما هو مثبت رسميًا وما هو تقديري؛ فالتعبير عن “آلاف الوفيات” يتكرر في بعض الأبحاث والتقارير الصحفية، لكنه لا يستند حتى الآن إلى حصيلة وطنية رسمية شاملة ومحدثة منشورة من حكومة سيراليون أو الأمم المتحدة.
تعاطي يؤدي للوفاة
ونقلت وكالة رويترز عند إعلان الطوارئ في أبريل 2024 أن الحكومة تحدثت عن “مئات الوفيات”، لكنها أقرت أيضًا بعدم وجود رقم رسمي دقيق ومكتمل للضحايا، لذلك فإن أي تقرير مسؤول يجب أن يذكر حجم الكارثة، لكن من دون ادعاء رقم نهائي غير منشور رسميًا.
وتزداد خطورة المشهد حين يُنظر إليه من زاوية القدرة العلاجية في القارة ككل، فالأمم المتحدة تقول إن 3.4% فقط من العدد التقديري للأشخاص الذين يعانون اضطرابات تعاطي المخدرات في إفريقيا يتلقون العلاج، ما يعني أن أغلبية المتضررين تبقون خارج منظومة الرعاية.
وفي بيئة مثل سيراليون، حيث القدرات الصحية محدودة أصلًا، يصبح انتشار مخدر عالي السمية ومتغير التركيب مثل الكوش عبئًا مضاعفًا على قطاع نفسي وعلاجي غير مهيأ لاستيعاب موجات واسعة من التسمم والإدمان والانتكاس.
ارتفاع حوادث الصحة النفسية
كما أن الكوش لا يهدد الأفراد فقط، بل يضرب البنية الاجتماعية نفسها، حيث قالت الوكالة الوطنية للصحة العامة إن أثره ظهر في ارتفاع حوادث الصحة النفسية والتسرب من التعليم والعنف المجتمعي، بينما ربطت الحكومة بين الحرب على الكوش وحماية “الأمل” و”الكرامة” وإعادة دمج المتعافين.
وهذا يعكس تحول الأزمة من ملف صحي صرف إلى ملف يتعلق بمستقبل الشباب، والأمن الأسري، والقدرة على العمل، وحماية رأس المال البشري في بلد ما زال يواجه أصلًا تحديات اقتصادية وتنموية صعبة.
ومع دخول 2026، يبدو أن سيراليون لم تعد في مرحلة “الاعتراف بالمشكلة”، بل في مرحلة اختبار فاعلية الاستجابة، فالحكومة رسخت الطوارئ، ووسعت حملات إنفاذ القانون، وبدأت في بناء أو إعادة فتح مراكز تأهيل، والأمم المتحدة قدمت توصيفًا أوضح لطبيعة المخدر وانتشاره الإقليمي.

