منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تضخّم الغدة الدرقية في كوت ديفوار أزمة صحية واجتماعية يفاقمها الفقر

10 أبريل 2026
فحص طبي لحالة مصابة بالغدة الدرقية
فحص طبي لحالة مصابة بالغدة الدرقية

في جمهورية كوت ديفوار المعروفة بـ “ساحل العاج” تواجه آلاف الأسر، ولا سيما النساء في المناطق الريفية، معضلة صحية متجذرة تتخطى كونها مجرد مشكلة طبية فردية، وهي تضخّم الغدة الدرقية أو ما يعرف طبيا بـ”الدُّراق” هذه الحالة المرضية التي غالباً تلتبس أعراضها بالمعتقدات الاجتماعية والتفسيرات التقليدية، تتحول إلى وصمة اجتماعية تزيد من معاناة المصابين وتؤخر الوصول إلى خدمات التشخيص والعلاج وتلقي بظلالها على عملية التنمية.

الدُّراق هو تضخّم غير طبيعي في الغدة الدرقية الموجودة في العنق، عادة نتيجة نقص عنصر اليود في النظام الغذائي، وهو عنصر حيوي لإنتاج هرمونات الغدة الضرورية لوظائف الجسم الحيوية، ويؤدي نقص اليود إلى محاولة الغدة زيادة حجمها لتعويض العجز، في حين يستمر نقص الهرمونات بدرجات متفاوتة، ما ينعكس على الصحة العامة والأداء الوظيفي لدى الأفراد، هذا التفسير الطبي تطرحه بيانات منظمة الصحة العالمية باعتباره أحد أبرز أسباب انتشار الدُّراق في المناطق التي تفتقر إلى مصادر غذائية محتوية على اليود.

أرقام وباء غير مرئية لكنها ملموسة

رغم ندرة الدراسات المحدثة على مستوى سنة 2025 في كوت ديفوار، تكشف أبحاث وبائية سابقة أن نسبة انتشار الدُّراق بلغت 50.3 في المئة في عيّنة سكانية من سكان غرب البلاد، في دراسة أُجريت على أكثر من 1400 شخص، وتشير النتائج إلى وجود فرق كبير بين المجموعات الإثنية حيث بلغت النسبة 52.7 في المئة لدى جماعة معينة مقابل 28.6 في المئة لدى الآخرين، ما يسلّط الضوء على عنصر التفاوت الجغرافي والسكاني في هذه الظاهرة الصحية.

هذا الارتفاع يفوق بكثير الحدود التي تعدها منظمة الصحة العالمية أعراضاً خطيرة لنقص اليود في المجتمع، إذ تُعد نسبة أكثر من 5 في المئة لدى الأطفال بين 6 و12 سنة دليلاً على مشكلة صحية عامة حقيقية، وتحدد المنظمة الأممية أن مستوى اليود في البول أقل من 100 ميكروغرام لكل لتر يشير إلى نقص غذائي عام في السكان، وأن أدنى من 50 ميكروغرام يعني نقص معتدل إلى حاد، ما يمثل خطراً على الصحة العامة.

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت دراسة ميدانية حديثة على نساء حوامل في واحدة من المناطق الموبوءة بالدُّراق نشرها موقع “ساينس دايركت” أن نحو 66 في المئة منهن كان مستوى اليود في البول أقل من المستوى الصحي الموصى به من منظمة الصحة العالمية، وهو ما يعكس وجود نقص غذائي واسع النطاق يؤثر خصوصاً في الأجيال القادمة.

تداعيات صحية وإنسانية

لا يقتصر تأثير نقص اليود وتضخّم الغدة الدرقية على مظاهر جسدية واضحة فقط، بل يتعدّاه إلى مخاطر صحية جسيمة، خاصة لدى النساء الحوامل والأطفال، وبحسب توصيات منظمة الصحة العالمية حول نقص اليود، فإن هذا النقص يمكن أن يؤدي إلى تأخر النمو البدني والعقلي لدى الأطفال، واضطرابات في التطور العصبي، وزيادة خطر الإجهاض أو الولادة المبكرة وفق منظمة الصحة العالمية.

النساء في سن الإنجاب غالباً ما يعانين من أعراض غير مباشرة للدُّراق، مثل التعب المزمن، ضعف التركيز، اضطرابات الهرمونات، ما يؤثر في قدرتهن على العمل وتعليم أطفالهن ودعم أسرهن، كما تؤثر الحالة في فرص الحمل الآمن وتزيد من مخاطر مضاعفات ما قبل الولادة، خصوصاً في المناطق ذات الخدمات الصحية الضعيفة.

في المجتمعات المحلية غالباً ما تُقرأ هذه الأعراض في إطار تفسيرات ثقافية أو روحانية متداولة، ما يؤخر التوجه إلى العيادات الطبية ويُعلي من دور المعتقدات التقليدية وهذا التداخل بين الثقافة والطب يجعل من الدُّراق قضية مجتمعية معقدة يصعب معالجتها بعيداً عن الجوانب الاجتماعية والتعليمية.

العجز الغذائي قضية تنموية

تُعزى أغلب حالات الدُّراق في كوت ديفوار إلى نقص اليود في الغذاء والمياه، وخاصة في المناطق الداخلية البعيدة عن مصادر غذاء البحر أو منتجات غذائية معززة باليود، وتشير الأدلة الطبية إلى أن نقص اليود يؤدي إلى تعطيل إنتاج هرمونات الغدة الدرقية، الذي لا يؤثر فقط في حجم الغدة، بل في وظائف حيوية متعددة في الجسم.

وفق بيانات منظمة الصحة العالمية لا يقتصر نقص اليود على كوت ديفوار وحدها، بل يمتد إلى مناطق واسعة في القارة الإفريقية، حيث يُعد من أهم اضطرابات نقص المغذيات الدقيقة التي تصنفها منظمة الصحة العالمية ضمن مؤشرات الصحة العامة المقلقة، ويُرتبط بتأثيرات واسعة في نمو الأطفال وقدراتهم الإدراكية.

نقص في خدمات التشخيص والعلاج

ويعد نقص الفحوصات التشخيصية المبكرة والخدمات المتخصصة في العديد من المناطق الريفية، واحدة من أبرز التحديات التي تواجه مكافحة هذه الظاهرة في كوت ديفوار حيث لا توجد فحوص دم لتحديد مستويات هرمونات الغدة الدرقية أو اختبارات لتحديد نقص اليود، ما يعني أن الكثير من الحالات تبقى غير مشخصة حتى تتفاقم.

وبينما يتم التعامل طبياً مع بعض الحالات بدرجات خفيفة من الدواء أو المكملات الغذائية المحتوية على اليود، تؤدي النظرة الاجتماعية واللجوء للتداوي التقليدي إلى تأخر العلاج، ما يزيد من احتمال تعرض المصابين لمضاعفات صحية طويلة الأمد.

جهود الحكومة والهيئات الصحية

استجابة لهذه التحديات، أطلقت وزارة الصحة في كوت ديفوار بالتعاون مع شركاء إقليميين حملات لتعزيز الوعي حول أهمية اليود الغذائي، وتشجيع استخدام الملح المعالج باليود بوصفه أحد أكثر التدخلات فعالية وأقلها تكلفة في الحد من نقص اليود.

كما تعمل الحكومة على تدريب العاملين الصحيين في المناطق الريفية على الفحص الأولي للحالات المشتبه بها، وتوسيع نطاق الوصول إلى العلاج الهرموني والجراحي لدى الحالات التي تتطلب ذلك، بالإضافة إلى دعم برامج التوعية التي تستهدف النساء الحوامل والأسر في المجتمعات الأكثر تضرراً.

وفي هذا السياق، تنظم الجمعية الإيفوارية للجراحين مبادرات طبية تهدف إلى تنظيم حملات جراحية مجانية لعلاج حالات تضخّم الغدة الدرقية لدى النساء والرجال الذين يعانون من آثار المرض المظهرية والوظيفية، ووفق ما ذكرته شبكة “فرانس 24″، فإن هذه المبادرات تمكّنت من فحص حوالي 200 امرأة مصابة بالدُّراق في مركز جامعي في منطقة تريشفيل، وأجريت عمليات جراحية مجانية لنحو 50 منهن بسبب القيود في الميزانية ونقص الموارد المتاحة للجميع، وتهدف المبادرات أيضاً إلى تدريب الجراحين المحليين على أحدث التقنيات الجراحية لإزالة الورم الدرقي، وهو ما يعزز القدرات الصحية في المناطق النائية التي تفتقر عادة إلى خبرات عالية ومتخصّصة، وترمي هذه المبادرة إلى منح المرضى فرصة لاستعادة ثقتهم بأنفسهم وحياتهم الاجتماعية بعيداً عن العزل والوصمة التي يفرضها المرض عليهم.

وتُعد هذه الحملات من النماذج المهمة في الاستجابة المجتمعية المحلية لظاهرة طبية واسعة الانتشار في كوت ديفوار، إذ لا تقتصر على إجراء الجراحات فحسب، بل تتضمن تدريب الكوادر الطبية المحلية على مهارات إزالة الغدة الدرقية أو العقيدات التي قد تسبب مضاعفات خطيرة عند إهمالها، كما يتعاون أطباء الجمعية مع مؤسسات صحية أكاديمية لتوفير دعم فني وتقني في إجراءات التخدير، الفحوصات قبل الجراحة، والرعاية ما بعد العملية، ما يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الصحة العامة في المناطق التي تشهد نقصاً في الخدمات الطبية.

أهداف التنمية الصحية

اليود عنصر غذائي أساسي لصحة الإنسان، ولدى نقصه عواقب وخيمة على الصحة العامة، وقد أدرجته منظمة الصحة العالمية ضمن المؤشرات الأساسية لتقييم الصحة التغذوية في البلدان وتؤكد المنظمة أن الكشف المبكر وعلاج نقص اليود يحدان بشكل كبير من خطر تطور الدُّراق ومضاعفاته، مشيرة إلى أن تحسين حالة اليود في السكان هو أحد أهم أهداف التنمية الصحية.

برامج مماثلة لتعزيز اليود في الأغذية والمياه وتوسيع نطاق اختبار مستويات اليود لدى السكان أثبتت فعاليتها في دول أخرى، ما يبرز أهمية توسيع نطاق الجهود في ساحل العاج لضمان تحسين الحالة الصحية على المدى الطويل.

الفقر والوضع الاقتصادي

يمثل الوضع الاقتصادي في جمهورية كوت ديفوار سياقاً حاسماً لفهم أبعاد انتشار حالات تضخّم الغدة الدرقية وتأخر التشخيص والعلاج، إذ لا يمكن فصله عن مستويات الفقر وعدم المساواة والقدرة المحدودة للوصول إلى خدمات صحية متخصصة.

وفق بيانات البنك الدولي المتاحة حتى عام 2021، فإن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر الوطني في ساحل العاج تصل إلى 37.5 في المئة من إجمالي السكان، وهو معدل يفوق متوسط الفقر العالمي ويعكس حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر في البلاد، خاصة في المناطق الريفية والفقيرة حيث يرتفع هذا المعدل مقابل المناطق الحضرية.

وفي سياق الفقر المدقع، تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن 20.9 في المئة من السكان يعيشون على أقل من 1.90 دولار يومياً، وهو المعيار الدولي للفقر المدقع، ما يعني أن جزءاً كبيراً من السكان يواجه ضغوطاً معيشية وصعوبات في تأمين الاحتياجات الأساسية من الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، وهي عوامل ترتبط مباشرة بضعف التغذية ونقص العناصر الغذائية الحيوية مثل اليود المسؤول عن صحة الغدة الدرقية.

على الرغم من أن الاقتصاد الإيفواري يُعد من الاقتصادات الأسرع نمواً في غرب إفريقيا، فإن هذا النمو لا يزال غير كاف لمحو الفوارق الهيكلية في الرفاهية. ففي عام 2025 قدّر إجمالي الناتج المحلي للبلاد بنحو 99.21 مليار دولار أمريكي، مع معدل نمو اقتصادي يُقدّر بنحو 6.4 في المئة، وهو مؤشر قوي نسبياً مقارنة بالعديد من الدول الإفريقية، لكنه لا يكفل توزيعاً عادلاً للثروة أو فرص العمل المتساوية.

وتظهر المؤشرات أيضاً أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يزال نسبياً منخفضاً، إذ يصل إلى نحو 3016 دولاراً أمريكياً في عام 2025، ما يشير إلى مستوى دخل متوسط لا يعكس بشكل كافٍ تحسينات ملموسة في مستوى معيشة السكان عموماً، خصوصاً الفئات الضعيفة ذات الدخل المحدود والتي تعتمد على الزراعة والأنشطة غير الرسمية لتأمين معيشتها.

رغم انخفاض معدل البطالة الرسمي إلى نحو 2.32 في المئة في عام 2025، إلا أن هذا الرقم لا يقيس الواقع غير الرسمي لسوق العمل، حيث يعمل نحو 40 في المئة من القوى العاملة في الاقتصاد غير الرسمي بدون ضمانات اجتماعية أو دخل ثابت، ما يجعلهم أكثر هشاشة في مواجهة الصدمات الاقتصادية والمرض وعدم القدرة على تحمل تكاليف العلاج أو الفحوص الطبية المتقدمة.

وتشكل الزراعة، ولا سيما إنتاج الكاكاو الذي يسهم بحوالي 40 في المئة من الصادرات الوطنية، حجر الزاوية في الاقتصاد، ولكنه أيضاً يعكس هشاشة النمو الاقتصادي الذي يعتمد بشكل كبير على السلع الأولية والتقلبات في أسعار الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس على مستويات الدخل والاستقرار الاقتصادي للأسر، ويزيد من ضغوط الفقر وعدم الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة ظاهرة تضخّم الغدة الدرقية بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، إذ إن نقص الموارد، ومعاناة الأسر الفقيرة، وضعف الخدمات الصحية في المناطق الريفية يشكلان بيئة مواتية لانتشار حالات المرض وتأخر العلاج.

نداءات إنسانية

وسبق أن طالبت منظمة الصحة العالمية بإدراج اضطرابات نقص اليود وتداعياتها على الغدة الدرقية ضمن أولويات الصحة العامة، معتبرة أن الحق في الصحة والتغذية السليمة من الحقوق الأساسية التي يجب أن تلتزم بها الدول تجاه مواطنيها، وتشدد هذه المنظمات على ضرورة إدماج مكافحة نقص اليود في برامج الصحة الوطنية بوصفها عاملاً مركزياً للتنمية الشاملة.

ظاهرة تضخّم الغدة الدرقية في كوت ديفوار لا تُعد مجرد حالة طبية عابرة، بل تمثّل أزمة صحية واجتماعية تنعكس على حياة آلاف الأفراد والأسر، خصوصاً في المناطق التي تعاني نقصاً غذائياً وخدمات صحية ضعيفة، وللتصدي لهذه المشكلة بشكل فعال، لا بد من تكامل الجهود الحكومية، دعم المنظمات الدولية، وتغيير النظرة الاجتماعية عبر التوعية والتعليم، لضمان أن يتحول هذا التحدي من عبء صحي إلى فرصة للتنمية والصحة المستدامة للجميع.