عادت ولاية نورستان الجبلية الواقعة في شرق أفغانستان، إلى واجهة الأزمة الإنسانية بعد تحذير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” من أن نحو 100 ألف شخص، في منطقتي كامديش وبرغمتال ما زالوا محرومين من الوصول إلى المساعدات الإنسانية، لأن الطريق الوحيد إليهما عبر مديرية ناري في ولاية كونر لا يزال غير آمن بسبب المواجهات مع باكستان.
وبالنسبة إلى سكان هذه المناطق، لا يعني ذلك مجرد صعوبة في التنقل، بل انقطاعًا عن الغذاء والدواء والأسواق والرعاية الصحية في لحظة هم فيها أصلًا من بين الأكثر هشاشة في أفغانستان.
تأتي خطورة ما يحدث في نورستان من أن الولاية أصلًا تعيش على هامش الخدمات والبنية التحتية، فالصورة الأوسع في أفغانستان تُظهر أن الطبيعة الجبلية وضعف النقل وتشتت القرى عوامل تعرقل الوصول إلى الخدمات الصحية، وأن نحو 33% من سكان البلاد يعيشون في مناطق محرومة من الخدمات.
وفي بلد يقدَّر عدد سكانه بنحو 43.8 مليون نسمة مع نهاية 2025، فيما يشكل الأطفال 43% من السكان، تصبح الولايات الجبلية مثل نورستان أكثر تعرضًا للتحول السريع من الهشاشة إلى العزلة الكاملة بمجرد إغلاق طريق أو تعطل ممر إنساني واحد.
نورستان الأكثر هشاشة
الأمم المتحدة ومنظمات الصحة والتعليم تصف أفغانستان كلها بأنها بلد شديد التعرض للانقطاع الموسمي، لكن أثر ذلك يتضاعف في المناطق المرتفعة، تقرير اليونسكو عن وضع التعليم في أفغانستان أشار إلى أن الشتاء القاسي، خصوصًا في المناطق الجبلية والمرتفعة، يعزل المجتمعات ويعرقل الوصول إلى التعليم والخدمات.
وأوضح تقرير الصحة العامة لمنظمة الصحة العالمية أن الثلوج الكثيفة والجليد وسوء الطرق حدّت في يناير وحده من الوصول إلى مناطق نائية وصعبة، وتسببت في قيود على حركة العاملين الإنسانيين.
وفي نورستان، هذه ليست ظروفًا استثنائية، بل جزءاً من نمط متكرر يجعل أي تصعيد أمني أو كارثة طبيعية مضاعِفًا للأزمة الإنسانية.
العزلة تتحول لأزمة بقاء
التحذير الأممي الأخير لا يتحدث عن نقص جزئي، بل عن حرمان مستمر من الوصول، “أوتشا” قالت إن السكان في كامديش وبرغمتال أصبحوا معزولين عن الأسواق والخدمات الصحية، ويواجهون نقصًا حادًا في المواد الغذائية والإمدادات الطبية بسبب استمرار إغلاق الطريق غير الآمن.
وحين يُحرم مجتمع جبلي من السوق والطبيب والدواء في آن واحد، فإن الاحتياجات لا تبقى نظرية: المرضى المزمنون يفقدون العلاج، والنساء الحوامل يواجهن مخاطر أكبر، والأطفال يصبحون أول من يدفع الثمن من غذائهم وصحتهم ونموهم.
وما يجري في الولاية لا يمكن فصله عن السياق الوطني، فخطة الاستجابة الإنسانية لأفغانستان لعام 2026 تقدر أن 21.9 مليون شخص، أي نحو 45% من السكان، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية هذا العام، فيما لا تزال أفغانستان، بحسب أوتشا، واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
وهذا يعني أن نورستان لا تواجه أزمتها وهي محاطة بفائض من الموارد، بل داخل بلد يعاني أصلًا من ضغط هائل على كل شبكات الإغاثة والخدمات.
الجوع يقترب والتهديد يتفاقم
التهديد الأكثر مباشرة على سكان نورستان الآن هو الغذاء. تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أظهر أن أفغانستان كانت تتجه في ذروة موسم الشتاء بين نوفمبر 2025 ومارس 2026 إلى وجود 17.4 مليون شخص في مستويات الأزمة أو الأسوأ من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 4.664 مليون في حالة طوارئ غذائية.
وعلى مستوى نورستان نفسها، يبين التحليل أن الولاية كانت ضمن المناطق المتأثرة بشدة، مع 107,763 شخصًا في مرحلة الأزمة الغذائية أو أسوأ خلال فترة أبريل– سبتمبر 2026، أي 35% من السكان الذين شملهم التحليل في الولاية.
هذا مهم جدًا لأن التحذير الحالي عن 100 ألف معزول في كامديش وبرغمتال يأتي فوق قاعدة أصلية من الفقر الغذائي والضعف، لا فوق وضع طبيعي ومستقر.
سوء التغذية.. الخطر الصامت
الأزمة في نورستان ليست فقط أزمة سعرات حرارية، بل أزمة نوعية غذاء وصحة طفل، تحليل سوء التغذية الحاد في أفغانستان صنّف نورستان ضمن الولايات الموجودة في المرحلة الرابعة “الحرجة” من سوء التغذية الحاد في الفترة من أكتوبر 2025 إلى مايو 2026.
التقرير يربط ذلك مباشرة بضعف التنوع الغذائي، وهيمنة الحبوب على الوجبات، وارتفاع الأمراض الموسمية.
وبالنسبة لعائلات معزولة عن الأسواق والعيادات، فإن هذا يعني أن أي انقطاع إضافي في الإمدادات الغذائية والطبية قد يترجم سريعًا إلى ارتفاع في حالات الهزال الحاد، خصوصًا بين الأطفال والحوامل والمرضعات.
الصحة في ولاية بعيدة
الصحة في أفغانستان عمومًا تعاني من هشاشة عميقة، فمنظمة الصحة العالمية تقول إن الوصول إلى الرعاية الصحية يتأثر بشدة بسبب التضاريس الجبلية وضعف النقل وارتفاع تكاليف الوصول.
وتشير تقارير اليونيسف إلى أن المنظمة دعمت الرعاية الصحية الأولية لأكثر من 20 مليون شخص في 2025، بينما أوضح تقرير صحي إقليمي أن المنطقة الشرقية، التي تضم نورستان، تحتوي على 911 منشأة صحية في المجمل، مع تسجيل إغلاقات جزئية ومشكلات تشغيل في بعض المرافق خلال الأزمات.
لكن في ولايات مثل نورستان، لا تكمن المشكلة فقط في وجود المرفق، بل في القدرة على الوصول إليه أصلًا.. حين يصبح الطريق مغلقًا أو محفوفًا بالنيران، تتعطل قيمة المستشفى نفسه.
النساء والأطفال في قلب الأزمة
في بلد تقول فيه اليونيسف إن الأطفال يشكلون أكثر من نصف السكان تقريبًا، يكون أي انقطاع إنساني طويل ضربة مباشرة لجيل كامل.
وذكر تقرير التعليم في أفغانستان لعام 2025 أن 8.9 مليون طفل يحتاجون إلى دعم تعليمي طارئ، وأن 4 ملايين طفل خارج المدرسة، فيما تعاني الأسر من صدمات اقتصادية متكررة تدفعها إلى تقليص الإنفاق على التعليم والاحتياجات الأساسية.
وعندما تُغلق الطرق في ولاية معزولة مثل نورستان، فإن الخسارة لا تكون في الطعام والدواء فقط، بل في الدراسة أيضًا، وفي الحماية، وفي قدرة الأسرة على الإبقاء على الأطفال داخل دورة حياة طبيعية بدل دفعهم إلى العمل أو الانقطاع أو التهجير.
الزلازل والشتاء والحدود
نورستان ليست فقط ضحية التوتر الحدودي الحالي، أفغانستان عاشت خلال 2025 و2026 سلسلة صدمات متتالية: عودة جماعية من إيران وباكستان، وتراجع التمويل، وجفاف، وشتاء قاسٍ، ثم تصعيد حدودي جديد.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاشتباكات الحدودية منذ أواخر فبراير 2026 تسببت في نزوح نحو 20 ألف أسرة عبر المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية والجنوبية، وسقط خلالها 146 مدنيًا بين قتيل وجريح في الفترة بين 26 فبراير و2 مارس 2026.
وبذلك، فإن أزمة نورستان ليست طارئة منفصلة، بل تأتي في لحظة وطنية مزدحمة بالأزمات المتداخلة، ما يجعل وصول المساعدة أبطأ والاحتياج أعمق.
خدمات تحت الضغط
حتى المؤشرات الاقتصادية القليلة الإيجابية في أفغانستان لا تعني تحسنًا في حياة الناس، فالبنك الدولي قدّر نمو الاقتصاد الأفغاني في 2025 بنحو 4.3%، لكنه قال في الوقت نفسه إن النمو السكاني السريع وعودة أكثر من مليوني مهاجر ولاجئ خلال أشهر من 2025 ستؤدي إلى انخفاض نصيب الفرد من الناتج وزيادة الضغط على الخدمات والطلب المحلي.
وفي نورستان، حيث الأساس الخدمي ضعيف أصلًا، تتحول هذه الضغوط الوطنية إلى عبء مضاعف على الغذاء والصحة والتعليم والعمل.
ويمكن تلخيص الاحتياجات الفورية لنورستان في فتح ممر آمن ومستدام إلى كامديش وبرغمتال، لأن المساعدات لا يمكن أن تصل ببيانات التحذير وحدها، والدفع بإمدادات غذائية عاجلة، خصوصًا للأسر التي استنفدت مخزونها، وللأطفال والنساء الحوامل والمرضعات في ظل وضع تغذوي حرج.
بالإضافة إلى مد الولاية بأدوية ومستلزمات صحية وفرق متنقلة، لأن العزلة الجغرافية في نورستان تجعل الاستجابة الثابتة غير كافية، ودعم نقل وخدمات بديلة في الولاية، لأن الأزمة الحالية أثبتت أن الاعتماد على طريق واحد يترك عشرات الآلاف رهائن لأي تصعيد أو إغلاق.
اختبار لفكرة العدالة
نورستان في الخرائط تبدو ولاية بعيدة بين الجبال، لكن في الواقع هي اختبار قاسٍ لفكرة العدالة الإنسانية نفسها.. هل يمكن أن تصل المساعدة إلى من يعيشون في أبعد الأطراف حين تتقاطع الجغرافيا مع الفقر والخوف والسلاح؟
اليوم، نحو 100 ألف إنسان في كامديش وبرغمتال لا ينتظرون بيانات جديدة، بل طريقًا آمنًا، ودواءً، وكيس طحين، وفرصة ألا يتحول البعد عن المركز إلى حكم بالعزلة.
وفي بلد يحتاج فيه قرابة نصف السكان إلى المساعدة أصلًا، تصبح نورستان تذكيرًا مؤلمًا بأن أكثر الناس احتياجًا هم غالبًا أبعدهم عن الوصول.

