منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هنا تعلو الإنسانية.. ديرٌ في جنوب لبنان يؤوي عائلات مسلمة هربت من القصف

07 أبريل 2026
في جنوب لبنان.. نازحون مسلمون يحتمون بالأديرة
في جنوب لبنان.. نازحون مسلمون يحتمون بالأديرة

في بلدة قطين بقضاء جزين في جنوب لبنان، لا يقتصر المشهد داخل دير مار بطرس وبولس على جدران قديمة أو طقوس دينية، بل يتحول المكان إلى ملاذ إنساني لعائلات مسلمة اضطرت إلى ترك منازلها تحت وقع القصف الإسرائيلي، حاملة معها خوف الأطفال وقلق الأمهات ووجع الرحيل المفاجئ.

ومع اتساع رقعة التصعيد في جنوب لبنان منذ الثاني من مارس الماضي، وجدت عشرات العائلات نفسها أمام خيار بالغ القسوة: البقاء تحت خطر الغارات، أو الفرار نحو مصير مجهول في بلد يرزح أصلًا تحت أعباء الحرب والنزوح وارتفاع كلفة السكن، بحسب ما ذكرت وكالة “الأناضول” اليوم الثلاثاء.

وفي ظل الضغط المتزايد على مراكز الإيواء الرسمية، برزت مبادرات محلية لسد الفراغ، كان من بينها ما قدمه هذا الدير الذي فتح أبوابه لعائلات فرّت من بلدات المواجهات.

ومع احتفالات عيد الفصح، بدا المشهد كأنه اختصار مكثف لحكاية لبنان نفسها.. أجراس الكنيسة تتردد في المكان، بينما يركض الأطفال النازحون في الساحات، في صورة تمتزج فيها مشاعر الألم بالأمان المؤقت، والخسارة ببقايا الطمأنينة.

ضيوف وأهل البيت

كاهن الرعية الأب بطرس عاقوري قال إن الدير فتح أبوابه منذ اليوم الأول للحرب الأخيرة، مؤكدا أن المقيمين فيه لا يُنظر إليهم باعتبارهم نازحين غرباء، بل “ضيوفًا لبنانيين وأهل البيت”.

ويوضح أن نحو 39 شخصا من 6 عائلات يقيمون حاليا في الدير، بعد وصولهم تباعا منذ مطلع مارس، في محاولة لإعادة شيء من الحياة الطبيعية إلى أيامهم المضطربة.

وبالنسبة إلى الأب عاقوري، فإن المبادرة تتجاوز مجرد الاستضافة، لتلامس معنى أعمق لهوية البلد، فلبنان، كما يقول، لا ينبغي أن تقسمه الانتماءات الدينية أو السياسية حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان وأمانه.

ومن هذا المنطلق، يرى أن الاختلافات، مهما اشتدت، يجب ألّا تتحول إلى حواجز تمنع التضامن في لحظات الخطر.

رحلة أكثر صعوبة

هذه الفكرة بدت واضحة أيضًا في روايات من احتموا بالمكان.. محمد مونس، وهو أب لأربعة أبناء وصاحب محل ألبسة من بلدة دير قانون النهر في قضاء صور، يروي أن عائلته غادرت منزلها ليلًا بعد أن استيقظت على دوي الانفجارات وإطلاق النار.

وبين بكاء الأطفال وسرعة جمع بعض الحاجيات، لم يكن أمام الأسرة سوى الرحيل.. يقول إنهم خرجوا قرابة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وسلكوا طريقا طويلا نحو صيدا وسط زحام شديد، قبل أن تبدأ رحلة أخرى أكثر صعوبة للبحث عن مأوى.

ويضيف مونس أن الوصول إلى الدير لم يكن مجرد العثور على سقف يحتمي به أفراد عائلته، بل كان لحظة شعر فيها بأن الأبواب فُتحت لهم كما فُتحت القلوب أيضا.

وبحسب روايته، حرص القائمون على المكان على توفير الاحتياجات الأساسية، والأهم من ذلك أنهم عاملوا النازحين بطريقة أزالت عنهم شعور الغربة، حتى خلال شهر رمضان، أكملت العائلات صيامها وصلاتها بشكل طبيعي، من دون أن تشعر بأن وجودها في مكان ذي طابع ديني مختلف يشكل أي عائق أو حرج.

نزوح متكرر

أما دارين عز الدين، وهي من البلدة نفسها، فترى أن النزوح لم يعد حادثة استثنائية في جنوب لبنان، بل صار جزءًا متكررًا من حياة كثير من العائلات خلال السنوات الأخيرة.

وتقول إن التعب لم يعد سببه الرحيل وحده، بل تكراره المستمر، حيث بالكاد تلتقط الأسر أنفاسها حتى تجد نفسها مضطرة إلى المغادرة مرة أخرى. وتشير إلى أن فقدان الاستقرار لا ينعكس فقط على السكن، بل يطول العمل والتعليم وإيقاع الحياة اليومية كله.

وفي ركن آخر من الدير، تقيم ليليان مع عائلتها المؤلفة من 11 فردا بعد أن غادرت بلدة كفر ملكي في قضاء النبطية على عجل.. تتحدث عن تلك الليلة بوصفها لحظة ارتباك كاملة، لم يكن فيها هدف الأسرة سوى الوصول إلى مكان آمن، من دون معرفة مسبقة بالوجهة.

وتقول إن التواصل مع القائمين على الدير كان نقطة التحول التي خففت من صدمة النزوح، وإن ما وجدته العائلة هناك لم يكن مجرد إقامة مؤقتة، بل معاملة قائمة على الاحترام الكامل من دون أي تمييز ديني أو طائفي، وهو ما منحهم شيئًا من الطمأنينة المفقودة.

الإحساس بعدم الاستقرار

ورغم ما وفره الدير من أمان نسبي، يبقى الإحساس بعدم الاستقرار حاضرًا في كلمات المقيمين فيه. فالملاذ، مهما كان دافئا، لا يعوض البيت، والعمل، والروتين اليومي الذي تمنحه الحياة المستقرة.

لذلك تبدو استضافة العائلات هنا أشبه بمحاولة إنسانية لتأجيل القسوة لا إنهائها، ولمنح الناجين من الخوف فرصة لالتقاط أنفاسهم ريثما تهدأ النيران.

ويأتي هذا المشهد الإنساني على وقع تصعيد واسع في جنوب لبنان منذ 2 مارس الماضي، أسفر، وفق آخر بيانات وزارة الصحة اللبنانية الواردة في النص، عن 1497 شهيدا و4639 جريحا جراء العدوان الإسرائيلي الموسع.

وبينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتهجير السكان، يبرز ما يجري في دير مار بطرس وبولس بوصفه صورة معاكسة لمنطق الحرب.. مكان صغير يثبت أن ما يجمع اللبنانيين في لحظات المحنة قد يكون أكبر من كل الانقسامات.