منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الألغام في أفغانستان.. مآسٍ لا تنتهي وأطفال يدفعون ثمن النزاعات

09 أبريل 2026
50 ضحية يسقطون شهريا نتيجة الألغام في أفغانستان
50 ضحية يسقطون شهريا نتيجة الألغام في أفغانستان

لا تزال أفغانستان تواجه واحداً من أكثر أخطار ما بعد الحروب فتكاً واستدامة في العالم، إذ تحولت الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة إلى تهديد يومي يحاصر حياة المدنيين، ويضرب على نحو خاص الأطفال الذين يشكلون الشريحة الأكثر تعرضاً للقتل والتشويه والإعاقة الدائمة.

ووفق المعطيات الأممية، فإن البلاد تسجل نحو 50 ضحية بين قتيل وجريح كل شهر بسبب الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة، فيما يشكل الأطفال نحو 80% من هؤلاء الضحايا، في مشهد يلخص امتداد آثار النزاع إلى ما بعد توقف المعارك بسنوات طويلة.

وتؤكد الأمم المتحدة أن أفغانستان لا تزال من أكثر بلدان العالم تلوثاً بالذخائر المتفجرة بعد أكثر من أربعة عقود من الصراع.

وقالت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما)، في تقرير لها، اليوم الاثنين، إن أفغانستان لا تزال ملوثة بشدة بالذخائر المتفجرة، وإن الأطفال شكلوا 81% من الضحايا.

كما وصف تقرير لليونيسف البلاد بأنها واحدة من أكثر دول العالم تلوثاً بالأسلحة، مؤكدا أن أطفال أفغانستان يُقتلون ويُشوَّهون بالذخائر المتفجرة أكثر من أي بلد آخر.

الأطفال أبرز الضحايا

ولا يتوقف الخطر عند الأرقام العامة، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فالأطفال في أفغانستان يواجهون هذا التهديد أثناء اللعب، أو في أثناء السير إلى المدرسة، أو خلال جمع الخردة المعدنية وملامسة أجسام يظنونها غير مؤذية.

وفي بيان أصدره المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان ريتشارد بينيت في 2 أبريل 2026، أشار إلى أن 24% من ضحايا مخلفات الحرب المتفجرة يسقطون، في حين يكون الأطفال في حالة لعب، بينما تقع إصابات أخرى أثناء جمع الخردة المعدنية، وهو ما يعكس كيف يتحول الفقر والنشاط اليومي العادي إلى مسار مباشر نحو الموت أو الإعاقة.

وتكشف البيانات الدولية الخاصة بعام 2025 عن استمرار هذا النزيف البشري، فبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، سجلت أفغانستان خلال عام 2025، 217 حادثة مرتبطة بالتلوث بالأسلحة، أسفرت عن 92 قتيلاً و375 جريحاً.

وذكرت اللجنة أن الأطفال شكلوا 309 ضحايا، أي 66% من إجمالي الضحايا في ذلك العام، مع تمركز أعلى عدد من الحوادث في المنطقة الشرقية تليها الغربية ثم الجنوبية.

وتظهر هذه الأرقام أن التهديد ليس متناثراً أو محدوداً، بل واسع الانتشار جغرافياً، ويصيب المجتمعات المحلية بصورة متكررة وممتدة.

كلفة التلوث بالذخائر

ومن زاوية أممية أخرى، وصف مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان هذا الواقع بأنه صورة مروعة لكلفة التلوث بالذخائر في أفغانستان، مشيراً إلى أن 471 إصابة مدنية سُجلت في 2025، وأن 67% منها كانت من الأطفال، وغالبيتهم العظمى من الذكور.

ويعزز هذا التقدير ما تذهب إليه بقية المؤسسات الدولية من أن الأطفال هم الطرف الأضعف والأكثر استهدافاً فعلياً، ليس لأنهم طرف في النزاع، بل لأنهم يعيشون في بيئة ملوثة لا تزال الحرب فيها كامنة تحت التراب وبين الأنقاض.

وتربط منظمات الأمم المتحدة هذا الخطر المستمر بضعف التمويل وتراجع القدرة على مواصلة عمليات التطهير والتوعية، فقد شددت يوناما في رسائلها الأخيرة على الحاجة العاجلة إلى تمويل أعمال إزالة الألغام والمواد المتفجرة.

كما حذر المقرر الأممي ريتشارد بينيت من أن خفض التمويل في السنوات الأخيرة أدى إلى تقليص برامج مكافحة الألغام وتعليق بعض عمليات التطهير وتقليص فرق إزالة الألغام وخدمات التوعية بالمخاطر، وهو ما يترك مساحات ملوثة واسعة من دون معالجة، ويُبقي المجتمعات، خصوصاً الأطفال، في دائرة الخطر المباشر.

حملات إعلامية للتوعية

تؤدي التوعية المجتمعية دوراً مكمّلاً لا يقل أهمية عن إزالة الألغام نفسها، وذكرت يونيسف في تقريرها الإنساني الختامي لعام 2025 أنها وصلت إلى 603,825 شخصاً عبر جلسات مباشرة وحملات إعلامية للتوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة.

كما أشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أنها، بالشراكة مع الهلال الأحمر الأفغاني، دربت خلال 2025 أكثر من 210,500 شخص على التوعية بالمخاطر والسلوك الأكثر أماناً في المناطق الملوثة، غير أن اتساع التلوث وحجم الفجوات التمويلية يجعلان هذه الجهود، رغم أهميتها، أقل من مستوى الحاجة الفعلية على الأرض.

وتتجاوز آثار الألغام حدود القتل والإصابة الفورية إلى تدمير طويل الأمد للحياة الاجتماعية والاقتصادية، فالأمم المتحدة الخاصة بالأطفال والنزاع المسلح تؤكد أن هذه الذخائر لا تهدد حياة الأطفال فقط، بل تقوّض الوصول إلى التعليم والصحة ومصادر الرزق، وتمنع المجتمعات من التعافي الآمن.

كما يشير الصليب الأحمر إلى أن كثيراً من المصابين يخرجون بإعاقات دائمة تتطلب رعاية وتأهيلاً طويلين، ما يضاعف العبء على عائلات فقيرة أصلاً وعلى نظام صحي هش.

استمرار سقوط الضحايا

من الناحية الإنسانية، فإن استمرار سقوط الضحايا بعد سنوات من النزاع يعني أن الحرب في أفغانستان لم تنتهِ فعلياً بالنسبة إلى آلاف الأسر، وقد عبر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن أفغانستان الصادر في ديسمبر 2024 عن هذا المعنى، إذ قال إن استمرار فقدان الأطفال لأرواحهم وتعرضهم لإصابات تغيّر حياتهم بسبب الذخائر غير المنفجرة أمر غير مقبول ويمكن منعه.

ودعا التقرير الأممي إلى زيادة الدعم الدولي لأعمال إزالة الألغام والتوعية. هذا التوصيف الأممي يضع القضية في إطارها الحقيقي: ليست مجرد مشكلة تقنية، بل أزمة حماية وحقوق إنسان وتنمية في آن واحد.

وتبدو أزمة الألغام في أفغانستان اليوم اختباراً مباشراً لقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع إرث الحروب لا مع لحظاتها العسكرية فقط، فكل تأخير في التمويل، وكل تباطؤ في التطهير، يعني فعلياً مزيداً من الأطفال الذين قد يفقدون أطرافهم أو حياتهم لأنهم لعبوا في حقل، أو حملوا جسماً معدنياً، أو عادوا مع أسرهم إلى أرض لم تغادرها الحرب بعد.

وبينما تتزايد الدعوات الأممية والدولية لتوسيع الدعم، يظل الثابت الوحيد أن أفغانستان ستبقى رهينة لهذا الخطر ما لم تتحول إزالة الألغام من استجابة إنسانية موسمية إلى أولوية دولية مستدامة.