منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ارتبط بأخطر المجرمين

“الكاتراز” .. أمريكا تحاول إحياء أشهر سجن في تاريخها

14 أبريل 2026
سجن الكاتراز الأمريكي
سجن الكاتراز الأمريكي

أعاد طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تخصيص 152 مليون دولار في مشروع موازنة السنة المالية 2027 لإعادة بناء سجن الكاتراز وفتحه مجدداً، الجدل حول واحد من أكثر السجون شهرة في التاريخ الأمريكي.

وأدرج البيت الأبيض المبلغ باعتباره تمويلاً للسنة الأولى من المشروع، واصفاً الكاتراز بأنه سيكون “مرفقاً سجنيّاً آمناً على أحدث طراز”، ضمن طلب أوسع لتمويل مرافق احتجاز اتحادية متداعية، لكن هذا الطلب ما يزال بحاجة إلى موافقة الكونغرس، ولم يتحول بعد إلى قرار نافذ.

ما الكاتراز؟

الكاتراز سجن اتحادي شديد الحراسة أُقيم على جزيرة في خليج سان فرانسيسكو، وعمل بوصفه سجناً فيدرالياً بين 11 أغسطس 1934 و21 مارس 1963.

وقبل ذلك استخدمه الجيش الأمريكي لأكثر من 80 عاماً، من 1850 حتى 1933، بوصفه موقعاً دفاعياً ثم سجناً عسكرياً، قبل نقله إلى وزارة العدل ومكتب السجون الفيدرالي.

وتوضح وثائق مكتب السجون أن الحكومة الأمريكية أرادت منه أن يكون “سجناً” مخصصاً للنزلاء الأكثر عنفاً أو استعصاءً أو خطراً من حيث محاولات الهرب.

وعلى الرغم من شهرته الكبيرة، لم يكن الكاتراز سجناً ضخماً، فطاقته القصوى كانت 336 سجيناً، في حين يراوح متوسط عدد نزلائه بين 260 و275 فقط، أي أقل من 1% من إجمالي السجناء الفيدراليين في الولايات المتحدة آنذاك.

وبحسب مكتب السجون، كان بعض النزلاء يرون أن ظروفه المعيشية أفضل من سجون اتحادية أخرى من ناحية وجود زنزانة فردية لكل سجين، لكن جوهر النظام فيه كان يقوم على الصرامة والروتين وقلة الامتيازات.

لماذا أصبح أسطورياً؟

ارتبط اسم الكاتراز بعدد من أشهر المجرمين الأمريكيين، بينهم آل كابون وجورج “ماشين غَن” كيلي وألفين كاربِس وآرثر “دوك” باركر، كما احتجز فيه روبرت ستراود المعروف إعلامياً باسم “طائر الكاتراز” الذي أمضى لاحقاً 17 عاماً في السجن، منها 6 سنوات في العزل.

وتوثق سجلات مكتب السجون 14 محاولة هرب شارك فيها 36 رجلاً خلال 29 عاماً؛ أُلقي القبض على 23 منهم، وقُتل 6 أثناء المحاولة، وغرق 2، في حين بقي 5 في السجلات الرسمية باعتبارهم “مفقودين ويُفترض أنهم غرقوا”.

لكن شهرة الكاتراز لم تنبع فقط من النزلاء ومحاولات الفرار، بل أيضاً من بنية العقاب نفسها، فخلايا D Block كانت مخصصة للعزل الانفرادي، وتقول خدمة المتنزهات الوطنية الأمريكية إن هذا القسم كان يضم “أسوأ النزلاء” في الحبس الانفرادي.

هذا الإرث هو ما يجعل اسم الكاتراز يرتبط، حتى اليوم، بصورة العقوبة القصوى والعزل والإرهاق النفسي أكثر من ارتباطه بفكرة “منشأة إصلاحية” بالمعنى الحديث.

لماذا أُغلق الكاتراز؟

بعكس الصورة الشائعة، لم يُغلق الكاتراز بسبب أسطورته الأمنية أو بسبب الهروب الشهير في 1962، بل لأسباب مالية ولوجستية بالدرجة الأولى، فمكتب السجون يوضح أن الإبقاء عليه مفتوحاً كان يتطلب آنذاك 3 إلى 5 ملايين دولار فقط لأعمال الترميم والصيانة، دون احتساب كلفة التشغيل اليومية.

وكان تشغيله يقارب ثلاثة أضعاف كلفة تشغيل أي سجن فيدرالي آخر؛ ففي عام 1959 بلغت الكلفة اليومية للفرد في الكاتراز 10.10 دولار مقابل 3 دولارات فقط في سجن أتلانتا الاتحادي.

وكان السبب الأساسي هو العزلة الجغرافية، فالغذاء والوقود والمياه والإمدادات كلها كانت تُنقل بالقوارب، في حين كانت الجزيرة تحتاج إلى نقل قرابة مليون غالون من المياه العذبة أسبوعياً لأنها لا تملك مصدراً ذاتياً للمياه.

ماذا حدث بعد إغلاقه؟

بعد إغلاق السجن في 1963، تُركت الجزيرة من دون استخدام واضح لسنوات، ثم اكتسبت معنى سياسياً وتاريخياً جديداً مع سيطرة نشطاء من السكان الأصليين عليها تحت اسم “Indians of All Tribes” بين 1969 و1971، في خطوة صارت جزءاً مهماً من تاريخ الحقوق المدنية للسكان الأصليين في الولايات المتحدة.

وبعد ذلك، أدرج الكونغرس الجزيرة عام 1972 ضمن منطقة غولدن غيت الوطنية للاستجمام التابعة لخدمة المتنزهات الوطنية، وفتحت للجمهور في خريف 1973.

واليوم تستقبل الجزيرة نحو 1.2 مليون زائر سنوياً وفق خدمة المتنزهات الوطنية، في حين تصفها الوكالة بأنها موقع يتيح للزائر التفكير في قضايا الجريمة والعقاب والعدالة والحرية، لا مجرد زيارة أثرية لسجن قديم.

ما الذي يريده ترامب الآن؟

وفق مشروع موازنة البيت الأبيض للسنة المالية 2027، فإن الإدارة تريد تخصيص 152 مليون دولار لتغطية السنة الأولى من تكاليف إعادة بناء الكاتراز بوصفه “سجناً آمناً على أحدث طراز”.

وجاء ذلك بعد أن كان ترامب قد أعلن في مايو 2025 أنه وجّه مكتب السجون ووزارة العدل ووكالات أخرى إلى دراسة إعادة بناء الكاتراز وفتحه مجدداً ليصبح رمزاً لـ”القانون والنظام”.

ويقول نص الموازنة إن هذا التمويل يأتي ضمن حزمة أوسع لدعم مكتب السجون وتحسين الأجور والظروف وسد العجز في أعداد العاملين.

لكن المبلغ المقترح لا يغطي سوى المرحلة الأولى، في حين لا يوجد حتى الآن جدول زمني معلن أو كلفة إجمالية رسمية نهائية للمشروع، ولهذا يعتبر كثير من المنتقدين أن 152 مليون دولار ليست سوى “دفعة أولى” لمشروع قد يصبح أكثر كلفة بكثير من المعلن حالياً.

انتقادات محلية

الانتقادات المحلية جاءت حادة وسريعة، نانسي بيلوسي، العضو السابقة في قيادة مجلس النواب والممثلة عن سان فرانسيسكو، وصفت في بيان رسمي طلب الإدارة بأنه “عبثي من أساسه”، وقالت إن إعادة بناء الكاتراز بوصفه سجناً حديثاً ستكون “فكرة غبية” و“هدراً لأموال دافعي الضرائب”.

كما نقلت تقارير محلية ووطنية عن خصوم المشروع في كاليفورنيا تقديرات بأن الكلفة الإجمالية قد تتجاوز 2 مليار دولار، في وقت يفتقر فيه الموقع حالياً إلى بنية تشغيلية أساسية مثل المياه الجارية وشبكات الصرف والطاقة الملائمة لسجن حديث.

وهذا الاعتراض لا يقوم فقط على الكلفة، بل أيضاً على الوظيفة الحالية للجزيرة، فإغلاق الموقع أمام الجمهور أو تقليص طابعه التاريخي والسياحي سيصطدم بوضع قانوني وإداري معقد؛ لأن الجزيرة اليوم جزء من منظومة المتنزهات الوطنية وموقع جذب عام له قيمة تاريخية وثقافية وسياحية واسعة.

واعتبرت كورن كندريك، نائبة مدير المشروع الوطني للسجون في الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ACLU، أن فكرة إعادة فتح الكاتراز “بعيدة عن الواقع”، مشيرة إلى أن مبانيه القديمة لا تحتوي حتى على مياه جارية أو صرف صحي مناسب وأن الكهرباء فيه محدودة، وهو ما يجعل تحويله إلى منشأة سجنية حديثة أمراً شديد الصعوبة.

كما يرى منتقدون أن إحياء الكاتراز يعيد تمجيد نموذج عقابي قديم قائم على الرمزية الردعية أكثر من الحلول الإصلاحية أو الكفاءة التشغيلية.