تتصدر فرنسا مشهد أزمة عمال التوصيل في أوروبا، حيث تكشف التقارير الحقوقية، وعلى رأسها تقرير منظمة أطباء العالم لعام 2025، عن واقع مهني وإنساني بالغ الهشاشة يعيشه آلاف العمال، خاصة من المهاجرين، في ظل تدني الأجور، وساعات العمل الطويلة، وغياب الاستقرار القانوني، وتبرز هذه الظاهرة بشكل لافت في المدن الكبرى مثل باريس، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع ثغرات تنظيمية، لتجعل من هذا القطاع أحد أكثر مجالات العمل عرضة للانتهاكات.
ولا يقتصر هذا الواقع على فرنسا وحدها، بل يمتد إلى مختلف دول أوروبا والعالم، في ظل التوسع المتسارع لاقتصاد المنصات الرقمية، فقد أظهرت بيانات منظمة العمل الدولية والمفوضية الأوروبية لعام 2025 أن هذا النموذج، رغم ما يوفره من فرص عمل، يرتبط بتراجع معايير العمل اللائق، وزيادة الاعتماد على العمالة المهاجرة في الوظائف غير المستقرة، ما دفع منظمات أممية وحقوقية إلى التحذير من تحوله إلى نمط عالمي يعمق الفوارق الاجتماعية ويعيد إنتاج الهشاشة في أسواق العمل الحديثة.
وتطرقت التقارير الحقوقية إلى أوضاع معيشية ومهنية صعبة لعمال التوصيل، خاصة من المهاجرين، في ظل تدني الأجور وغياب الاستقرار القانوني، وتسلط الأرقام الضوء على حجم الانتهاكات التي تجعل من هذا القطاع أحد أكثر مجالات العمل هشاشة داخل الاقتصاد الأوروبي، ويشير تقرير منظمة أطباء العالم، بالتعاون مع المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية والمعهد الوطني للبحوث من أجل التنمية، إلى أن 98 بالمئة من عمال التوصيل هم من المهاجرين، و68 بالمئة منهم بلا تصاريح إقامة، في حين يعتمد 76 بالمئة على استئجار حسابات من أطراف ثالثة، وتوضح هذه الأرقام بنية غير رسمية للعمل، تجعل العمال عرضة للابتزاز وعدم دفع الأجور، في ظل غياب أي حماية قانونية حقيقية.
العنف والتمييز في بيئة العمل
ووفقاً لبيانات منظمة أطباء العالم، تعرض ستة من كل عشرة عمال توصيل لاعتداءات لفظية، في حين تعرض نحو 25 بالمئة منهم لاعتداءات جسدية، وتربط منظمات حقوقية فرنسية، بينها رابطة حقوق الإنسان في تقريرها لعام 2025، هذه الظواهر بخلفيات العمال المهاجرة، ما يعكس وجود تمييز ممنهج في سوق العمل المرتبط بالتطبيقات.
تشير منظمة العمل الدولية في تقريرها حول تحقيق العمل اللائق في اقتصاد المنصات إلى أن العمال المصنفين عاملين مستقلين يخضعون فعلياً لرقابة رقمية مشددة، حيث تتحكم الخوارزميات في توزيع الطلبات وتقييم الأداء، وهو ما يخلق علاقة تبعية غير معلنة بين العامل والمنصة، وتؤكد المنظمة أن هذا النموذج يقوض مبدأ العمل اللائق ويحد من قدرة العمال على التحكم في ظروفهم المهنية.
الصحة المهنية في دائرة الخطر
وتظهر بيانات منظمة أطباء العالم انتشار أمراض مهنية بين عمال التوصيل، تشمل إصابات الجهاز العضلي والإجهاد المزمن واضطرابات نفسية، وتربط منظمة الصحة العالمية في تقارير مشتركة مع منظمة العمل الدولية بين العمل غير المستقر وارتفاع مخاطر الصحة النفسية، خاصة في القطاعات غير المنظمة، حيث تغيب الحماية والتأمين الصحي.
اقتصاد المنصات بالأرقام
تشير المفوضية الأوروبية إلى أن نحو 28 مليون شخص يعملون عبر المنصات الرقمية في أوروبا، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 43 مليون بحلول عام 2030، ما يعكس توسعاً متسارعاً لهذا النمط من العمل، وفي السياق ذاته، توضح قاعدة بيانات منظمة العمل الدولية أن الاقتصاد الرقمي أصبح أحد أسرع القطاعات نمواً، مدعوما بالتحول التكنولوجي وانتشار العمل المرن.
فجوة الحماية الاجتماعية
وتؤكد منظمة العمل الدولية في تقريرها أن العمال في اقتصاد المنصات غالباً ما يُستثنون من أنظمة الحماية الاجتماعية، ومنها التأمين الصحي وتعويضات البطالة، نتيجة تصنيفهم عاملين مستقلين، ويعني ذلك أن ملايين العمال حول العالم يعملون خارج شبكات الأمان الاجتماعي، رغم اعتمادهم الكامل على هذا النوع من العمل بوصفه مصدر دخل أساسياً.
ووفقاً لتقرير منظمة العمل الدولية حول اتجاهات العمالة العالمية، يبلغ معدل البطالة العالمي نحو 5 بالمئة، وهو الأدنى تاريخياً، إلا أن هذا الرقم يخفي تفاوتات كبيرة، حيث تتركز الهشاشة في قطاعات العمل غير المستقر، مثل اقتصاد التطبيقات، وتشير المنظمة إلى أن الشباب والعمال المهاجرين هم الأكثر عرضة لهذه الأنماط من العمل.
الامتداد العالمي للأزمة
وتوضح منظمة هيومن رايتس ووتش أن الانتهاكات التي يتعرض لها عمال التوصيل في فرنسا تتكرر في دول عدة، منها الولايات المتحدة وبريطانيا والهند، حيث يعاني العمال من تدني الأجور وغياب التأمين والحماية القانونية، وتؤكد المنظمة أن نموذج العمل القائم على التعاقد المستقل يسمح للشركات بتقليل التكاليف على حساب حقوق العمال.
يشير تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع إلى أن اقتصاد العمل المؤقت يسهم في إعادة إنتاج الفقر داخل المدن الكبرى، حيث يعمل الأفراد لساعات طويلة دون ضمانات، ويؤكد التقرير أن هذا النموذج يهدد تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة تلك المتعلقة بالعمل اللائق والحد من الفقر.
في محاولة لمعالجة الأزمة، تعمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي على تطبيق توجيه جديد يهدف إلى إعادة تصنيف عمال المنصات بوصفهم موظفين في حال ثبوت تبعيتهم للشركات، ووفقاً للبرلمان الأوروبي لعام 2025، فإن هذا التوجه قد يشمل ملايين العمال، لكنه يواجه مقاومة من الشركات التي ترى فيه تهديداً لنموذج أعمالها.
تقليل التكلفة والمخاطر
تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تحليلها إلى أن شركات التوصيل تعتمد على نموذج تقليل التكاليف عبر نقل المخاطر إلى العمال، من خلال عدم توفير التأمين أو ضمان الدخل. ويؤدي هذا النموذج إلى زيادة الأرباح على حساب الاستقرار الوظيفي، ما يعمق الفجوة بين رأس المال والعمل.
تشير بيانات هيئات السلامة الأوروبية لعام 2025 إلى ارتفاع معدلات الحوادث بين سائقي الدراجات العاملين في التوصيل، نتيجة ضغط الوقت والعمل لساعات طويلة، وتؤكد منظمة العمل الدولية أن غياب معايير السلامة في العمل عبر المنصات يمثل أحد أبرز التحديات في هذا القطاع
العمالة المهاجرة في قلب الأزمة
تؤكد تقارير منظمة العمل الدولية أن العمال المهاجرين يمثلون نسبة كبيرة من العاملين في اقتصاد المنصات، وغالباً ما يواجهون فجوات في الأجور مقارنة بالعمال المحليين، إضافة إلى تعرضهم للتمييز والاستغلال ويجعل هذا الواقع من عمال التوصيل إحدى أكثر الفئات هشاشة في سوق العمل الحديث.
وفقاً لبيانات منظمة العمل الدولية يشكل العمال المهاجرون نحو 17 بالمئة من إجمالي العاملين في اقتصاد المنصات الرقمية عالمياً، وهي نسبة تفوق تمثيلهم في سوق العمل التقليدي، ما يعكس اعتماد هذا القطاع بشكل متزايد على العمالة الهشة، وفي أوروبا وحدها، يعمل أكثر من 28 مليون شخص عبر المنصات، بينهم نسبة كبيرة في قطاع التوصيل، وسط توقعات بارتفاع العدد إلى 43 مليون خلال سنوات قليلة، وفقاً لبيانات مجلس الاتحاد الأوروبي
تطور الظاهرة
بدأت ملامح اقتصاد التوصيل الرقمي في الظهور مع انتشار تطبيقات الهواتف الذكية بعد عام 2010، قبل أن يشهد توسعاً كبيراً خلال جائحة كوفيد 19، حيث ارتفع الطلب على خدمات التوصيل بشكل غير مسبوق، وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن هذا التوسع السريع لم يواكبه تطوير كاف للتشريعات، ما أدى إلى ظهور فجوات قانونية واسعة في تنظيم العمل.
تعكس أزمة عمال التوصيل تحولاً عميقاً في بنية سوق العمل العالمي، حيث تتراجع الوظائف التقليدية لصالح أنماط مرنة لكنها غير مستقرة، وتؤكد تقارير الأمم المتحدة لعام 2025 أن استمرار هذا الاتجاه دون تنظيم فعال قد يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر الحضري وزيادة التفاوت الاجتماعي.
تكشف أزمة عمال التوصيل في فرنسا والعالم عن خلل هيكلي في اقتصاد المنصات، حيث تتقدم التكنولوجيا بوتيرة أسرع من القوانين، وبينما تسعى الحكومات والمنظمات الدولية إلى سد الفجوات التنظيمية، يبقى ملايين العمال عالقين في دائرة العمل غير المستقر، في انتظار إصلاحات تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة المهنية والإنسانية، وفقاً لما تؤكده تقارير منظمة العمل الدولية والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

