تثير تحذيرات منظمة العفو الدولية بشأن كأس العالم 2026 سؤالا حقوقيا مباشرا حول ما إذا كانت واحدة من أكبر الفعاليات الرياضية في العالم ستظل مساحة للاحتفال، أم تتحول إلى ساحة لاختبار حدود الحقوق الأساسية، في ظل سياسات الهجرة والأمن والقيود على الحريات في الدول المضيفة.
وتحذر المنظمة الحقوقية من أن ملايين المشجعين المتجهين إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك قد يواجهون انتهاكات جسيمة، تشمل الترحيل التعسفي، والاعتقال، والتضييق على حرية التعبير، في وقت وعد فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم ببطولة “آمنة ومرحبة وشاملة”.
وتفصل هذه المخاطر في تقرير بعنوان “يجب أن تنتصر الإنسانية”، الذي يرصد التأثيرات المحتملة على الجماهير واللاعبين والصحفيين والعمال والمجتمعات المحلية.
حقوق الحرية والأمن
يشير رئيس قسم العدالة الاقتصادية والاجتماعية في منظمة العفو الدولية، ستيف كوكبيرن، إلى أن “أكثر من 500 ألف شخص رحلوا من الولايات المتحدة في عام 2025″، وهو رقم يفوق بأكثر من ستة أضعاف عدد الحضور المتوقع لنهائي البطولة، في دلالة رقمية تعكس حجم السياسات التي قد تؤثر على أجواء الحدث.
ويضيف أن هذه العمليات لم تكن ممكنة “لولا تآكل ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة”، ما يقوض حقوق الحرية والأمن لمئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين، ويخلق مناخا من الخوف قد يمتد إلى المشجعين الراغبين في حضور المباريات.
تربط المنظمة بين هذه السياسات وواقع المدن المضيفة، إذ نشرت السلطات الأمريكية نحو 4000 جندي من الحرس الوطني في لوس أنجلوس استجابة لاحتجاجات على مداهمات الهجرة، فيما أبرمت مدن مثل دالاس وهيوستن وميامي اتفاقيات تلزم أجهزة إنفاذ القانون المحلية بالتعاون مع سلطات الهجرة، وهو ما يزيد من مخاطر التنميط العنصري ويقوض الثقة بين المجتمعات والسلطات.
تبرز التقارير أن هذه البيئة لا تقتصر على الولايات المتحدة وحدها، إذ حشدت المكسيك نحو 100 ألف عنصر أمني، بينهم 20 ألف جندي، في استجابة لمستويات العنف المرتفعة، ما يثير مخاوف من تأثير الطابع العسكري على الحق في الاحتجاج، خاصة مع خطط ناشطات لتنظيم مسيرات خلال افتتاح البطولة للمطالبة بالعدالة في قضايا الاختفاء القسري.
وفي كندا، تتجدد المخاوف من تشريد المشردين، بعد إغلاق مركز إيواء شتوي في تورنتو بسبب حجزه لأنشطة مرتبطة بالبطولة، في ظل أزمة سكن متفاقمة.
سياسات الهجرة الأمريكية
تسلط منظمة العفو الدولية الضوء على أن سياسات الهجرة الأمريكية تمثل الخطر الأكبر، إذ تشير إلى ترحيل أكثر من 500 ألف شخص خلال عام واحد، بينهم 230 ألفا اعتقلوا داخل البلاد و270 ألفا على الحدود، وفق تحليل بيانات رسمية.
وتؤكد أن بعض هذه العمليات جرت في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية، مع ترحيل أشخاص إلى دول لا تربطهم بها صلة، ما يعرضهم للاحتجاز المطول.
يحذّر رئيس قسم العدالة الاقتصادية والاجتماعية في منظمة العفو الدولية ستيف كوكبيرن من أن هذه السياسات “مزقت المجتمعات وخلقت مناخا من الخوف”، مشيرا إلى أن وكلاء فيدراليين استهدفوا اللاتينيين والسود والآسيويين وغيرهم من الأقليات، واحتجزوا أشخاصا، بمن فيهم أطفال، قرب منازلهم ومدارسهم وأماكن عملهم.
مخاوف الاعتقال أو الترحيل
ترتبط هذه السياسات مباشرة بكأس العالم، حيث قد يجد المشجعون أنفسهم عرضة للمراقبة أو القيود، إذ لن يتمكن مشجعو دول مثل ساحل العاج وهايتي وإيران والسنغال من السفر إلى الولايات المتحدة إلا بشروط محددة، كما تطرح مقترحات لإجبار الزوار على إتاحة حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي للتدقيق.
تدعو المنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” إلى استخدام نفوذه للحصول على ضمانات بعدم وجود إجراءات إنفاذ للهجرة في محيط الملاعب ومناطق المشجعين، لضمان حضور الجماهير دون خوف من الاعتقال أو الترحيل، وهو مطلب يعكس جوهر الحق في الأمان الشخصي وحرية التنقل.
وتشير التغطية التي نقلتها رويترز إلى أن هذه المخاطر تجعل البطولة بعيدة عن كونها “آمنة وحرة وشاملة”، كما وعدت بها الجهات المنظمة، خاصة في ظل ما وصفته المنظمة بـ”حالة طوارئ في مجال حقوق الإنسان” في الولايات المتحدة.
وفي الوقت الذي يواجه الحق في الاحتجاج وحرية التعبير تهديدا مباشرا في الدول الثلاث المضيفة، عادة ما تكون بطولات كأس العالم ساحة للتعبير السياسي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، استهدفت السلطات الأمريكية طلابا أجانب شاركوا في احتجاجات، فيما شهدت كندا تفريق مظاهرات سلمية واعتصامات طلابية، ما يعكس نمطا متكررا من القيود على التجمع السلمي.
يحذر رئيس قسم العدالة الاقتصادية والاجتماعية في منظمة العفو الدولية ستيف كوكبيرن من أن غياب الضمانات قد يحول البطولة إلى مساحة مقيدة، مؤكدا الحاجة إلى “تأكيدات واضحة بالسماح بتنظيم الاحتجاجات وتسهيلها”.
وقد شهدت المكسيك بالفعل احتجاجات مرتبطة بالبطولة، تعبيرا عن الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة ونقص المياه والتغيرات العمرانية، وهو ما يعكس التداخل بين التنمية المرتبطة بالفعاليات الكبرى والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان.
من جانبها حذرت “الغارديان” من أن البطولة قد تتحول إلى “مسرح للقمع”، في ظل التناقض بين وعود الفيفا والواقع الحقوقي في الدول المضيفة، خاصة مع إعلان وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية أنها ستلعب “دورا محوريا” في تأمين الحدث.
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن أيا من خطط المدن الأمريكية المضيفة لم يتناول بشكل واضح كيفية حماية المشجعين من عمليات إنفاذ قوانين الهجرة، ما يعكس فجوة بين التخطيط الأمني والاعتبارات الحقوقية.
بين الأرباح والحقوق
تبرز المعطيات أن البطولة، التي تضم 48 فريقا وتعد الأكبر في تاريخ كأس العالم، من المتوقع أن تحقق نحو 11 مليار دولار من العائدات، وهو رقم يعكس حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة بها، لكن في المقابل، تحذر منظمة العفو الدولية من أن هذه الأرباح لا يجب أن تأتي على حساب حقوق الأفراد.
يؤكد رئيس قسم العدالة الاقتصادية والاجتماعية في منظمة العفو الدولية ستيف كوكبيرن أن “المشجعين والمجتمعات واللاعبين والصحفيين هم أصحاب كرة القدم”، مشددا على ضرورة أن تكون حقوقهم في صميم الحدث، وليس مصالح الحكومات أو الرعاة.
تشير المنظمة إلى أن أربع مدن فقط من أصل 16 مدينة مضيفة نشرت خططا لحقوق الإنسان، دون أن تتضمن أي منها إجراءات لحماية الأشخاص من انتهاكات قوانين الهجرة، ما يعكس نقصا في الاستعداد الحقوقي للبطولة.
كما تظهر هذه المعطيات أن القضية لا تتعلق فقط بتنظيم حدث رياضي، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الأمن والحقوق، وبين المصالح الاقتصادية والالتزامات القانونية، في سياق عالمي يتزايد فيه استخدام الفعاليات الكبرى كأدوات سياسية.
تبقي هذه التحذيرات الباب مفتوحا أمام اختبار حقيقي، حيث سيتحدد ما إذا كان كأس العالم 2026 سيشكل نموذجا لاحترام الحقوق، أم مثالا على تغليب الاعتبارات الأمنية والسياسية على الحريات الأساسية، في لحظة تتقاطع فيها الرياضة مع أكثر القضايا الحقوقية حساسية.
