أعاد الإعلان عن فتح معبر تورخم، أمام ترحيل وإعادة المهاجرين الأفغان من باكستان، قبل إغلاقه مجدداً بعد ساعات في ظل الاشتباكات الحدودية، هذا المعبر إلى صدارة المشهد الإقليمي بوصفه أكثر من مجرد نقطة حدودية.
فالممر الذي يربط ولاية ننغرهار شرقي أفغانستان بإقليم خيبر بختونخوا الباكستاني، يُعد أحد المعبرين الرئيسيين بين البلدين، كما تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى بوابة رئيسية للعودة القسرية والاضطرارية للأفغان، بالتوازي مع كونه شرياناً للتجارة والتنقل والعلاج، بحسب ما ذكرت شبكة “أفغانستان إنترناشيونال”، اليوم الأربعاء.
واقتصرت إعادة الفتح الأخيرة على إعادة الأفغان المحتجزين أو المرحلين من باكستان، من دون استئناف كامل لحركة التجارة والتنقل العام.
معبر استراتيجي للأفغان
تكمن أهمية تورخم في موقعه على الطريق البري الأكثر حيوية بين باكستان وشرق أفغانستان، وهو جزء من ممر خيبر الاقتصادي الذي تصفه مجموعة البنك الدولي بأنه طريق تاريخي يربط جنوب آسيا بأفغانستان وآسيا الوسطى.
بينما تشير وثائق بنك التنمية الآسيوي إلى أن تورخم من أهم نقاط العبور لحركة البضائع والمسافرين، مع تقديرات سابقة لحركة أشخاص تتجاوز 25 ألف شخص يومياً في أوقات الذروة، وحجم مرور للشاحنات يصل إلى نحو 700 مركبة يومياً في بعض التقديرات التشغيلية.
ولا تقتصر أهمية المعبر على التجارة فقط، حيث تظهر البيانات الحديثة أن 1,007,530 مسافراً عبروا تورخم خلال 2025، كما مر عبره 36,070 مريضاً أفغانياً لتلقي العلاج، إلى جانب كونه المسار الذي شهد 465,121 عودة طوعية و51,736 حالة توقيف وترحيل لأفغان خلال العام نفسه، وفق تقرير لوكالة التحقيقات الفيدرالية الباكستانية.
وهذا يعني أن تورخم بات يجمع فعلياً بين ثلاثة أدوار: معبر تجاري، وممر إنساني، ونقطة تنفيذ لسياسات الإبعاد.
توترات المعبر منذ 2025
لم يكن ما جرى في مارس 2026 حدثاً معزولاً، ففي فبراير ومارس 2025 أُغلق تورخم لنحو شهر بعد اشتباكات بين القوات الباكستانية وعناصر طالبان على خلفية خلافات حدودية، قبل أن يُعاد فتحه في 19 مارس 2025 أمام التجارة أولاً، ثم أمام حركة الأفراد لاحقاً.
وأكدت وكالة رويترز آنذاك أن المعبر هو المسار الرئيسي للسفر والتجارة بين البلدين، وأن إغلاقه أحدث اضطراباً واسعاً في سلاسل الإمداد إلى أفغانستان.
كما شهدت الحدود إغلاقاً أوسع في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بعد جولة جديدة من القتال، شملت أيضاً معبر تشمن ومنافذ أخرى، ما رسخ نمطاً متكرراً من التعطيل الحدودي المرتبط بالتوتر الأمني والسياسي بين الجانبين.
وفي 2026 عاد هذا النمط بصورة أوضح؛ فبحسب تقارير صحفية وبيانات أممية، أُعيد فتح المعبر مؤقتاً في أواخر مارس للسماح بإعادة الأفغان من باكستان، ثم أُغلق مجدداً سريعاً بعد حادث أمني وإصابة جندي باكستاني.
وأشارت منظمة اليونيسف إلى أن إعادة الفتح جاءت في لحظة كانت فيها الوكالات الإنسانية تتحسب لارتفاع إضافي في أعداد العائدين، فيما قالت تقارير أخرى إن المعبر فُتح حصراً لترحيل الأفغان المحتجزين أو الموجودين في وضع غير نظامي، من دون إعادة حركة التجارة والعبور المدني إلى طبيعتها.
تورخم في قلب سياسة الترحيل
منذ أن بدأت باكستان تطبيق خطة إعادة الأجانب غير النظاميين في سبتمبر 2023، أصبح تورخم نقطة مركزية في موجات العودة الجماعية للأفغان.
وتوضح مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الخطة توسعت في مارس 2025 لتشمل حاملي بطاقات المواطنة الأفغانية، ثم دخلت مرحلة أشد في أغسطس 2025 مع استهداف حاملي بطاقات إثبات التسجيل أيضاً.
وفي هذا السياق، قدّرت الأمم المتحدة أن 2.9 مليون أفغاني عادوا إلى أفغانستان خلال 2025 من إيران وباكستان، بينهم نحو 155 ألف شخص جرى ترحيلهم من باكستان وحدها، بينما ذكرت تحديثات 2026 أن أكثر من 160 ألف أفغاني عادوا من باكستان منذ بداية العام حتى أواخر مارس، وأن باكستان لا تزال تستضيف نحو 1.92 مليون أفغاني بين موثقين وغير موثقين.
كما أفادت مفوضية اللاجئين بأن أكثر من 2.95 مليون أفغاني عادوا إلى بلادهم منذ سبتمبر 2023، في وقت وصفت فيه المنظمة الأممية هذه العودة بأنها كثيراً ما تحدث في ظروف غير آمنة وغير طوعية، مع ازدياد المخاوف من أن يتحول تورخم وغيره من المعابر إلى أدوات تنفيذ جماعي للترحيل أكثر من كونها نقاط عبور منظمة.
أهمية تورخم للمهاجرين
بالنسبة إلى كثير من الأفغان في باكستان، لا يمثل تورخم مجرد حدود بين بلدين، بل نقطة نهاية قسرية لمسار لجوء أو إقامة امتد أحياناً لعقود. فالمعبر هو المكان الذي تصل إليه الأسر بعد الاعتقال أو بعد ضغوط المداهمات والمهل الزمنية، وهو أيضاً المكان الذي تبدأ منه العودة إلى أفغانستان في لحظة غالباً ما تكون مفاجئة وقليلة الاستعداد.
وفي مراجعة أممية لعام 2025، تبين أن من عادوا من باكستان تحدثوا عن التحرش والمداهمات والاعتقالات والابتزاز باعتبارها من أهم أسباب مغادرتهم، وأن كثيراً من الأسر غادرت على عجل ومن دون تحضير كافٍ أو قدرة على حماية أصولها أو تسوية أوضاعها.
وتشير بيانات الرصد الحدودي للمفوضية إلى أن دوافع المغادرة من باكستان تغيرت بوضوح مع تشديد السياسات، فخلال مرحلة ما بعد استئناف الخطة في 2025، ارتفعت نسبة من قالوا إن الخوف من الاعتقال أو الترحيل هو سبب المغادرة إلى 80% في بعض الفترات، مقابل نسب أقل بكثير قبل تشديد الإجراءات.
وهذا يكشف أن العودة عبر تورخم في كثير من الحالات لا ترتبط بقرار حر، بل ببيئة ضغط قانوني وأمني متزايد.
من البوابة إلى المخيم
عند الجهة الأفغانية، لا ينتهي دور تورخم عند ختم الخروج أو الدخول. فحول المعبر نشأت بنية استقبال للعائدين، من أبرزها مخيم عمري في ننغرهار، الذي استُخدم لاستقبال الأسر المرحّلة والعائدة من باكستان.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن المخيم يقع على بعد كيلومترات قليلة من المعبر، وأنه توسع خلال موجات العودة ليستوعب أعداداً كبيرة من الأسر، وسط سعي المنظمات الإنسانية إلى تقديم تسجيل أولي، ومياه، وخدمات صحية، ودعم للأطفال، وإحالات للحماية.
كما وصفت تقارير بحثية لاحقة مخيمات مثل عمري في تورخم بأنها محطات استقبال قصيرة الأمد تترجم عملياً اتفاقاً هشاً بين الضغوط الباكستانية وقدرات الاستيعاب المحدودة داخل أفغانستان.
وتوضح اليونيسف أن الوكالات الإنسانية كانت، حتى قبل إعادة الفتح الأخيرة، تحضر خدمات عند نقاط الاستقبال تحسباً لارتفاع الأعداد، وتشمل هذه الخدمات الصحة والتغذية والمياه والتعليم والحماية، مع تأكيد خاص على أن أي عودة يجب أن تكون آمنة وطوعية ومتمحورة حول حماية الطفل.
تورخم والأزمة النفسية
الارتباط بين تورخم والهجرة لا يُقاس فقط بعدد العابرين، بل أيضاً بما يخلّفه العبور من أثر نفسي، فالتقارير الأممية تتحدث صراحة عن تصاعد حاد في احتياجات الدعم النفسي والاجتماعي بين الأفغان المرحلين والعائدين.
وفي مراجعة مفوضية اللاجئين لعام 2025 ورد أن احتياجات الصحة النفسية ارتفعت بشدة، مع انتشار التوتر والقلق والاكتئاب والصدمة بين اللاجئين والعائدين، في ظل رحلات عودة مفاجئة، وانفصال أسري، وخسارة مصادر الدخل، وبيئة ما بعد العودة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.
ولا يقتصر ذلك على البالغين، فالطفولة تبدو من أكثر الفئات هشاشة على هذا الخط الحدودي، ففي تحديث لليونيسف صدر في 19 مارس 2026، قالت المنظمة إن آلاف الأطفال على مسارات العودة من باكستان وإيران تلقوا دعماً نفسياً أولياً وأنشطة ترفيهية وخدمات حماية للتخفيف من الضيق المرتبط بالنزوح والفقر والإهمال والعنف والاستغلال.
كما تلقى مئات الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن أسرهم خدمات إدارة حالة ولمّ شمل وإحالة، وهذه المؤشرات تؤكد أن العودة عبر المعابر، ومنها تورخم، ليست فقط حركة عبور، بل تجربة صادمة تحتاج إلى تدخل نفسي واجتماعي منظم.
كما أشار الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في تحديث تشغيلي مطلع 2026 إلى أن خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي أصبحت حاجة ملحة، خصوصاً بين النساء والأطفال الواصلين بعد فترات من الاحتجاز أو المشقة الطويلة.
وبالنظر إلى أن الجزء الأكبر من العائدين من باكستان يمر عبر نقاط رسمية أبرزها تورخم وسبين بولدك، فإن هذا المعبر يتحول فعلياً إلى أول تماس بين الصدمة والبحث عن الإسناد.
الأزمة الاقتصادية والنفسية
المعضلة النفسية لا تنفصل عن الواقع المعيشي الذي ينتظر العائدين بعد عبور تورخم. فالتقارير الأممية تظهر أن المرحلين يصلون غالباً بأصول محدودة، وقدرة ضعيفة على العمل، واحتياجات فورية في الغذاء والسكن والوثائق والمساعدة النقدية.
ووفق مقابلات رصد حدودي للمفوضية، كانت الاحتياجات الثلاثة الأبرز عند الوصول هي الغذاء والسكن والدعم المالي، بينما كشفت تقارير أخرى أن الترحيل يفاقم الديون ويقوض فرص التعليم والعمل، وهو ما يعمق الضغط النفسي بدلاً من احتوائه.
وتبعاً لتقرير “عام واحد من عودة الأفغان 2025″، فإن العائدين قسراً من باكستان كانوا أكثر ميلاً إلى الإبلاغ عن عدم كفاية الدخل، وتدهور فرص العمل بعد العودة، والقلق من الغذاء، وارتفاع المديونية.
وفي بيئة تعاني أصلاً من أزمة إنسانية واسعة، حيث يحتاج في أفغانستان خلال 2026 نحو 21.9 مليون شخص، بينهم 11.6 مليون طفل، إلى مساعدات إنسانية، تصبح العودة عبر تورخم بداية أزمة معيشية جديدة أكثر منها نهاية لرحلة اللجوء.
ما الذي تغيّر في 2026؟
الجديد في 2026 أن تورخم لم يعد فقط معبراً على هامش أزمة الترحيل، بل أصبح أيضاً جزءاً من مسرح تصعيد عسكري مباشر بين باكستان وطالبان، فخلال مارس حدث قصف متبادل، ونزوح داخلي، وتوقفات متكررة لحركة المعبر، مع إعادة فتحات جزئية لأغراض محددة مثل إعادة المحتجزين.
وهذا يعني أن المهاجر الأفغاني المرحّل عبر تورخم في 2026 يمر عبر حدود ملتهبة عسكرياً، لا مجرد نقطة استقبال مضغوطة إنسانياً.
وقد حذرت اليونيسف من أن هذه التطورات تضيف طبقة جديدة من المخاطر فوق أزمة العودة نفسها، بينما تحدثت الأمم المتحدة عن احتمال ارتفاع الأعداد أكثر إذا استمرت الإجراءات الباكستانية أو اتسعت حركة العودة من إيران أيضاً.
ومن الناحية الرقمية، تظهر تحديثات مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أن التدفقات ما زالت مرتفعة في 2026، ففي الأسبوع الممتد من 15 إلى 21 مارس 2026 قُدّر عدد العائدين عبر تورخم وغلام خان بـ1,977 شخصاً، بينما سجلت فترات من فبراير أرقاماً أعلى بكثير، من بينها 27,011 عائداً خلال أسبوع واحد عبر المعابر الشرقية المرتبطة بباكستان، ما يعكس قابلية سريعة لارتفاع الأعداد مع أي فتح جزئي أو توسيع لسياسات الترحيل.

