منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قانون المراقبة في جنوب إفريقيا.. حماية أم انتهاك للخصوصية؟

11 أبريل 2026
كاميرات المراقبة في جنوب إفريقيا
كاميرات المراقبة في جنوب إفريقيا

أقرّت وزارة العدل والتنمية الدستورية في جنوب إفريقيا قانوناً يُلزم السكان بتسجيل كاميرات المراقبة الخاصة لديهم لدى الجهات المختصة، مع الاحتفاظ بالتسجيلات لفترات محددة وإتاحتها للأجهزة الأمنية عند الطلب، ويمنح هذا القانون الشرطة صلاحيات أوسع للوصول إلى البيانات، بهدف تعزيز التحقيقات الجنائية، إلا أن هذه الخطوة أثارت جدلا واسعا، حيث اعتبرها البعض تدخلاً مباشرا في خصوصية الأفراد وانتهاكا للحقوق والحريات وتوسيعا لسلطات الدولة الرقابية.

تواجه جنوب إفريقيا واحدة من أعلى معدلات الجريمة عالميا، حيث سجلت البلاد أكثر من 27 ألف جريمة قتل خلال عام 2024/ 2025، بمعدل يقارب 74 جريمة يوميا، بحسب التقرير السنوي للجريمة 2025 الصادر عن شرطة جنوب إفريقيا (SAPS)، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في جرائم السطو والعنف الحضري، وتتركز هذه الجرائم بشكل خاص في مدن كبرى مثل جوهانسبرغ، التي تُصنّف ضمن أكثر المدن خطورة، وهذا الواقع الأمني الضاغط دفع السلطات إلى تبني أدوات رقابية متقدمة، في محاولة لاحتواء تصاعد الجريمة وتحسين كفاءة الاستجابة الأمنية.

وقد بدأ استخدام كاميرات المراقبة في جنوب إفريقيا بشكل محدود في أوائل الألفية، لكنه توسع بشكل ملحوظ بعد عام 2010 مع تصاعد التحديات الأمنية، وتشير دراسة حول الأمن الحضري صادرة عن معهد الدراسات الأمنية إلى أن الاعتماد على التكنولوجيا أصبح جزءًا أساسيا من سياسات الأمن الحضري في البلاد.

 جوهانسبرغ.. مدينة تحت المراقبة

شهدت مدينة جوهانسبرغ توسعا كبيرا في استخدام كاميرات المراقبة خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوز عددها 15 ألف كاميرا موزعة بين الأحياء السكنية والتجارية وفق تقرير السلامة الحضرية، وتعتمد المدينة على شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص لتشغيل هذه الأنظمة، ما جعل المراقبة جزءًا لا يتجزأ من البنية الأمنية، وتؤكد السلطات أن هذه الشبكة ساعدت في تسريع الاستجابة للحوادث وتحسين فرص تعقب الجناة.

تدافع الحكومة عن القانون باعتباره أداة ضرورية في مواجهة الجرائم المعقدة، خاصة تلك التي تتطلب أدلة رقمية سريعة، وتشير بيانات الشرطة في جنوب إفريقيا إلى أن كاميرات المراقبة أسهمت في حل نحو 35% من قضايا السطو المسلح في بعض مناطق جوهانسبرغ خلال عام 2025، وترى السلطات أن تسهيل الوصول إلى التسجيلات يختصر وقت التحقيق ويرفع من معدلات الإدانة، ما يعزز الأمن العام.

مخاوف حقوقية وأممية

أعربت هيومن رايتس ووتش عن قلقها من أن القانون قد يؤدي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان، خاصة في ظل غياب رقابة قضائية واضحة على استخدام البيانات، وأشارت المنظمة إلى أن منح السلطات صلاحيات واسعة للوصول إلى التسجيلات قد يفتح الباب أمام إساءة استخدامها أو توظيفها بشكل تعسفي، كما حذرت من تأثير ذلك على الثقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية.

من جانبها، أكدت منظمة العفو الدولية أن القانون يفتقر إلى ضمانات كافية لحماية البيانات الشخصية، خاصة في ما يتعلق بتخزين المعلومات واستخدامها، وترى المنظمة أن التوسع في المراقبة دون ضوابط صارمة قد يؤدي إلى خلق مجتمع يشعر أفراده بأنهم تحت المراقبة الدائمة، ما يؤثر على سلوكهم وحرياتهم اليومية.

كما أعرب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن قلقه من التوسع غير المنظم في استخدام تقنيات المراقبة، مشددا على ضرورة احترام مبادئ الضرورة والتناسب، وأكد المجلس أن أي إجراءات رقابية يجب أن تخضع لإشراف قانوني مستقل، وأن تُصمم بطريقة تحمي الحقوق الأساسية ولا تنتهكها.

إطار قانوني متداخل

يتقاطع هذا القانون مع تشريعات أخرى وفق هيئة تنظيم المعلومات في جنوب إفريقيا مثل قانون حماية المعلومات الشخصية (POPIA)، الذي يهدف إلى حماية خصوصية الأفراد ومنع إساءة استخدام بياناتهم، إلا أن القانون الجديد قد يتعارض مع بعض مبادئ هذا التشريع، خصوصًا فيما يتعلق بموافقة الأفراد على استخدام بياناتهم، ويثير ذلك تساؤلات حول مدى اتساق الإطار القانوني العام.

تأثيرات اجتماعية وإنسانية

يشير مركز الموارد القانونية في تقرير العدالة الاجتماعية لعام 2025 إلى أن القانون قد يؤثر بشكل أكبر على الفئات الهشة، خاصة في المناطق الفقيرة التي تشهد كثافة في استخدام المراقبة، وقد يؤدي ذلك إلى شعور متزايد بالاستهداف أو التمييز، في حال لم تُطبق الإجراءات بشكل عادل وشفاف، كما حذرت التقارير من اتساع الفجوة بين المجتمع والسلطات.

ورغم تأكيد الحكومة على فعالية قانون كاميرات المراقبة، تشير تقارير الشرطة في جنوب إفريقيا إلى أن المراقبة وحدها لا تعالج جذور المشكلة الأمنية، وفق بيانات البنك الدولي، بلغ معدل البطالة في البلاد 32% خلال عام 2025، وهو عامل رئيسي مرتبط بتفشي الجريمة في المدن الكبرى مثل جوهانسبرغ، وتؤكد تقارير معهد الدراسات الأمنية الإفريقي أن الحلول الأمنية يجب أن تترافق مع برامج اقتصادية واجتماعية لمعالجة الأسباب الجذرية للجريمة.

تُظهر تجارب دول أخرى، وفق تقارير المفوضية الأوروبية، أن استخدام كاميرات المراقبة يمكن أن يكون فعالا إذا ترافق مع ضوابط صارمة لحماية الخصوصية، وتشمل هذه الضوابط وجود هيئات مستقلة لمراقبة استخدام البيانات، وهو ما يطالب به نشطاء في جنوب إفريقيا لضمان عدم إساءة استخدام التكنولوجيا.

بين الردع والخوف

أظهر استطلاع أجرته شبكة “”Afrobarometer وهي شبكة أبحاث إفريقية غير ربحية متخصصة في قياس الرأي العام أن نسبة كبيرة من المواطنين تدعم استخدام كاميرات المراقبة لتعزيز الأمن، إلا أن نسبة معتبرة أعربت عن مخاوفها من انتهاك الخصوصية، ويعكس هذا التباين حالة من التوازن الهش بين الشعور بالحاجة إلى الأمان والخوف من فقدان الحريات.

وفي السياق، كشفت متابعات أوردتها شبكة “News24” عن انقسام واضح داخل المجتمع، حيث يرى البعض أن القانون ضروري لمواجهة الجريمة، بينما يعتبره آخرون تهديدًا مباشرًا للحريات، كما أشارت التقارير إلى تقديم طعون قانونية أمام المحاكم للطعن في بعض بنوده، ما يعكس حجم الجدل القانوني والمجتمعي حوله.

تعزز البيانات الرسمية في جنوب إفريقيا من حجة السلطات بشأن فاعلية كاميرات المراقبة، حيث تشير تقديرات صادرة عن الشرطة في جنوب إفريقيا إلى أن ما بين 30% و40% من قضايا السطو المسلح في مناطق حضرية مثل جوهانسبرغ خلال عام 2025 تم حلها جزئيا أو كليا اعتمادا على تسجيلات الفيديو، كما أظهرت تقارير هيئة الادعاء الوطنية في جنوب إفريقيا أن الأدلة المصورة استُخدمت في آلاف القضايا الجنائية، خصوصًا في جرائم السرقة والاعتداء، حيث ساهمت في تعزيز مسار الإدانة أمام المحاكم، في المقابل، سجلت هيئة تنظيم المعلومات في جنوب إفريقيا أكثر من 1200 شكوى خلال 2025 تتعلق بانتهاك الخصوصية وسوء استخدام البيانات، ما يعكس تصاعد المخاوف من الاستخدام غير المنضبط لهذه التكنولوجيا.

القانون الدولي.. معايير ملزمة وحدود للمراقبة

على المستوى الدولي، يخضع استخدام تقنيات المراقبة لمجموعة من المبادئ القانونية التي تهدف إلى حماية الحقوق الأساسية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل حق الأفراد في الخصوصية ويحظر التدخل التعسفي في حياتهم الخاصة، كما أكدت مفوضية حقوق الإنسان في تقاريرها بشأن الخصوصية الرقمية أن أي نظام مراقبة يجب أن يلتزم بمبدأي الضرورة والتناسب، أي أن يكون استخدامه محدودا بالحد الأدنى المطلوب لتحقيق هدف مشروع، وألّا يتجاوز ذلك إلى مراقبة شاملة أو مفرطة، وتُعد هذه المبادئ مرجعا أساسيا لتقييم القوانين الوطنية، بما في ذلك قانون كاميرات المراقبة في جنوب إفريقيا.

تعكس تجربة جنوب إفريقيا مع قانون كاميرات المراقبة معضلة عالمية متصاعدة تتجسد في كيف يمكن تحقيق الأمن دون المساس بالحقوق الأساسية؟ ففي ظل معدلات جريمة مرتفعة، تبدو الحاجة إلى أدوات فعالة أمرا ملحا، لكن هذه الأدوات تثير في المقابل مخاوف عميقة تتعلق بالخصوصية.

وبينما تستمر التجربة، يبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد توازن عادل يضمن الأمن ويحمي كرامة الإنسان في آن واحد.