منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الفقر الرقمي في إفريقيا.. ملايين خارج خرائط الإنترنت والفرص

15 أبريل 2026

بين الضمور والانحسار الرقمي تقف مجتمعات كاملة على حافة خرائط الإنترنت، في حين تنعدم الفرص وتتسع الهوة بينهم وبين عالم يمضي بسرعة الضوء، تاركًا وراءه ملايين لا يملكون سوى انتظار إشارة اتصال تعيدهم إلى الحياة والتموضع على خريطة العصر.

وفي مناطق الصراع تتحول الشبكات الإلكترونية إلى هدف أو ضحية، حيث تُقطَع أوصالها وتُدمّر أبراجها، أو تُستغل بوصفها أداة للسيطرة والتحكم، والنتيجة ليست مجرد بطء في التواصل، بل حرمان طويل الأمد من التعليم والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية، وقطع الوصول إلى المعلومات الأساسية التي قد تنقذ الأرواح.

ورغم تسارع وتيرة التطور الرقمي، لا يزال على الكرة الأرضية حوالي 2.2 مليار إنسان بدون اتصال بالإنترنت، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2025، هذا يعني أن أكثر من ربع سكان العالم لا يظهرون على خرائط الاقتصاد والفرص الرقمية.

وفي المقابل، كان هناك نحو 6 مليار شخص متصلين بالإنترنت (75% من سكان العالم)، لكن النمو لم ينعكس بعد في المناطق المتضررة بالحروب والنزاعات حيث تبقى معدلات النفاذ متدنية.

وفي عام 2024 تصاعدت عمليات قطع شبكات الإنترنت والحرمان الرقمي، إذ وثقت منظمات رقابية 296 حالة إغلاق في 54 دولة، كثير منها مرتبط بأحداث سياسية أو أمنية، ما يضرب قدرة المواطنين على الوصول للخدمات والطوارئ، والإبلاغ عن الاحتياجات الإنسانية، ما أدى إلى عزل الملايين في لحظات حاسمة.

ولا يقتصر تحقيق اتصال عالمي وفاعل على وجود البنية التحتية الرقمية فحسب، بل يتطلب تكلفة ميسورة ومهارات رقمية كافية، تمكن الجميع من الوصول إلى الإنترنت بجودة عالية، وفي المكان والوقت اللذين يحتاجون فيهما إلى الخدمة.

ورغم انخفاض متوسط أسعار الباقات المخصصة للبيانات فقط على مستوى العالم، فإن الإنترنت لا يزال غير ميسور التكلفة في نحو 60% من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ما يبقي شرائح واسعة خارج فضاء الاتصال.

وتشير البيانات كذلك إلى أن معظم مستخدمي الإنترنت يمتلكون مهارات رقمية أساسية فحسب، في حين تتأطّر القدرات الأكثر تقدّمًا مثل السلامة الرقمية، وحل المشكلات، وإنتاج المحتوى بوتيرة أبطأ، ما يوسع فجوة المهارات ويحد من الاستفادة الكاملة من الفضاء الرقمي.

فاتورة الحرمان الرقمي

وتطول فاتورة الحرمان الرقمي مختلف القطاعات، أبرزها التعليم والصحة والعمل والاقتصاد، والمعلومات وحماية المدنيين، ما يجعل من الاتصال ضرورة إنسانية أساسية يتم إدراجها ضمن خدمات الطوارئ مثل الغذاء والمياه والكهرباء، وحماية البنية التحتية للاتصالات من الاستهداف.

ولم يعد الفقر الرقمي في مناطق النزاع مجرد حرمان من رفاهية، لكنه يمثل محرقة فرص ونهب مستقبل أجيال، فعندما يُحرم إنسان من الإنترنت في زمن باتت فيه المعلومات والخدمات والفرص متاحة رقميًا في المقام الأول، ينتقص ذلك من حقه في الحياة الكريمة، ومن ثم فإن حماية الاتصال وتوسيعه في مناطق النزاع ليس خيارًا تقنيًا فقط، بل عمل إنساني وسياسي واقتصادي يوسع فضاء الحياة نفسه.

أسباب الحرمان الرقمي

في البداية، قال الخبير في الشؤون الإفريقية، الدكتور علي كلني، إن الفقر الرقمي هو أحد أكثر وجوه اللامساواة قسوة في القارة السمراء، حيث إنه وجه يبقي ملايين البشر خارج الزمن، يقفون عند حافة العصر الرقمي، في حين يواصل العالم سباقه المحموم نحو المستقبل، كما أن غياب الاتصال ليس فقط مجرد غياب شبكة، بل غياب تعليم يمكن أن يُغير المصير، وفرص عمل قد تنتشل أسرة كاملة من الحاجة، وخدمات حكومية واقتصادية تُدار اليوم بضغطة زر، وهكذا يتقاطع الفقر الرقمي مع الفقر المادي والنزاعات وتدني سبل المعيشة، فيُكوِّن دائرة حرمان معقدة يصعب كسرها.

وقال كلني في حديثه لـ”صفر” إن أسباب الفقر الرقمي في إفريقيا متعددة ومتشابكة، أولها ضعف البنية التحتية، حيث تمتد مساحات واسعة بلا ألياف ضوئية ولا شبكات جيل رابع أو خامس، في حين تعتمد دول كثيرة على بنى متقادمة مُكلفة الصيانة، ويضاف إلى ذلك أن تكلفة إنشاء الشبكات باهظة بالنسبة لدول محدودة الدخل، في وقت تُعد فيه أسعار الإنترنت والأجهزة الرقمية من العليا عالميًا مقارنة بقدرة المواطن الشرائية.

أما السبب الثاني فيتمثل في النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار؛ حيث تصبح الشبكات هدفًا مباشراً أو ضحية جانبية للحرب، حيث تُدمر الكابلات، وتعطَّل محطات البث، وتتوقف الصيانة، وينزح السكان نحو مناطق أكثر عزلة رقمية.

ويأتي ضعف التعليم الرقمي سبباً ثالثاً؛ فالمناهج الحديثة غائبة، والوعي بأهمية المهارات الرقمية محدود، ما يجعل الأجيال الجديدة أقل قدرة على دخول سوق العمل المستقبلي.

أما السبب الرابع، فيرتبط -بحسب كلني- بالفجوة الاقتصادية، حيث يصبح الإنترنت رفاهية لا حاجة، في ظل دخل شبه معدوم وأولويات حكومية تميل للأمن والغذاء على حساب الخدمات الرقمية.

بؤر الفقر الرقمي

وعن أبرز بؤر الفقر الرقمي في القارة السمراء، أوضح كلني أن المشهد يتفاوت من دولة لأخرى، إلا أن أشد المناطق حرمانًا تمتد عبر منطقة الساحل، والتي تضم مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد، ومنطقة القرن الإفريقي التي تضم الصومال وجنوب السودان وإثيوبيا ومنطقة وسط إفريقيا التي تضم بدورها جمهورية إفريقيا الوسطى، والكونغو الديمقراطية، إضافة إلى مناطق الريف في شمال وغرب القارة (المغرب، والجزائر، ونيجيريا)، والمناطق النائية في الجنوب (موزمبيق، وملاوي، وزامبيا).

ورغم إقراره بتعرض إفريقيا لظلم عالمي رقمي، قال كلني إن المسألة ليست مؤامرة بقدر ما هي خلل بنيوي عالمي، فالشركات التكنولوجية الكبرى تتجه إلى الأسواق الغنية، والاستثمار الدولي في البنية التحتية للقارة ضعيف، في حين لا تراعي معايير التمويل الدولية هشاشة المجتمعات الإفريقية واحتياجاتها الماسة.

أما عن الدور المطلوب دوليًا لإنهاء الفقر الرقمي، فيؤكد ضرورة تمويل البنية التحتية الرقمية عبر مؤسسات دولية كالبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك الإفريقي للتنمية، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار، إلى جانب تخفيض تكاليف استخدام الكابلات البحرية، وربط إفريقيا بالشبكات العالمية دون رسوم مرهقة، مشددًا على أهمية تعزيز التعليم الرقمي عبر تدريب الشباب والنساء، وإدخال المهارات الرقمية في المدارس، ودعم الابتكار المحلي.

واختتم الدكتور علي كلني بأن الفقر الرقمي في إفريقيا ليس أزمة تقنية فحسب، بل مرآة للفقر الاقتصادي والنزاعات وضعف الحوكمة وغياب العدالة الدولية، كما أن محو هذا الفقر يحتاج إلى جهد ثلاثي بين حكومة تضع الخطط، ومجتمع يشارك في التنفيذ، ودعم دولي يعيد للقارة حقها في العبور إلى المستقبل.

نظام التعاونيات الرقمية

من جانبه، قال عميد كلية الهندسة في الجامعة الوطنية الصومالية، وأحد أبرز الداعمين لجهود مكافحة الفقر في إفريقيا، الدكتور أحمد عمر، إن الفقر الرقمي في القارة السمراء ليس مجرد فجوة تقنية، بل أزمة وجودية تمس ملايين البشر، فقارة النزاعات والحروب، كما وصفها، تدفع ثمناً باهظاً، إذ تنعكس الخلافات بين الشعوب والدول مباشرة على قدرة الناس على الوصول إلى الإنترنت، لتبقى مجتمعات كاملة خارج حدود العالم الرقمي.

وأوضح الدكتور عمر في حديث لـ”صفر” أن غياب الكهرباء في مساحات واسعة من إفريقيا هو أحد أبرز أسباب هذا الحرمان، فالإنترنت لا يولد من فراغ بل هو ابن الكهرباء، ومع انعدام التيار في القرى والبلدات النائية تصبح إمكانية الاستفادة من أي خدمة رقمية شبه معدومة، خصوصاً في الأرياف والمناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى التي تعد الأكثر تضررًا من هذا الانقطاع المستمر.

وحول الطرق الممكنة للخروج من هذه الأزمة، يرى الدكتور عمر أن الحل يبدأ من الناس أنفسهم، مقترحًا نظام التعاونيات الذي يُمكن المجتمعات المحلية من أن تُنشئ محطات صغيرة للطاقة الشمسية، تكون قادرة على توفير الحد الأدنى من الكهرباء الذي تحتاجه شبكات الاتصال، مؤكدًا أن الطاقة الشمسية قد تكون الطريق الأكثر واقعية، كونها متاحة وغير مرهقة ماديًا مقارنة بخيارات أخرى.

ولا يخفي الدكتور عمر استياءه من الإرث الثقيل الذي تركه المستعمرون، مشيرًا إلى أن النزاعات التي نسجها الغرب في إفريقيا، وانشغال القوى الدولية بالألماس والذهب والفضة والمعادن والبترول، جعلا ثروات القارة تُستنزف بعيدًا عن شعوبها التي لا ترى من عائداتها إلا الفتات، وبالتالي انعكس الحرمان من الثروات بشكل مباشر على ضعف البنية الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والاتصالات.

وانتقد كذلك السياسات الغربية التي -كما يقول- “لا تترك للدول الإفريقية فرصة حقيقية للوصول إلى الكهرباء”، معتبرًا أن امتلاك التيار الكهربائي هو الخطوة الأولى للوصول إلى التكنولوجيا والإنترنت، لكن هذا الهدف ما يزال بعيد المنال في ظل الظروف الحالية.

ويشير الدكتور أحمد عمر إلى أن دور المجتمع الدولي لا يزال محدودًا للغاية مقارنة بحجم الاحتياجات، فرغم التعهدات الضخمة التي يعلنها المانحون، فإن ما يصل فعليًا إلى الدول الإفريقية هو “النزر اليسير”، ولا يستفيد منه المواطنون إلا بحدود ضيقة جدًا.

ويخلص إلى أن إنهاء الفقر الرقمي ليس مجرد مشروع تنموي، بل معركة من أجل العدالة، تبدأ بإتاحة الكهرباء وتنتهي بتمكين الناس من حقهم في المعرفة، في التعليم، وفي المشاركة في العالم الذي يتشكل رقميًا كل يوم.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان