في خريف عام 2019، حين انهار الاقتصاد اللبناني وانهارت الثقة الشعبية في المستقبل المالي للبلاد، باتت ودائع اللبنانيين المصرفية رمزا لألم مجتمع مُنهك، حيث أصبحت أموال المودعين التي جُمعت عبر عقود من العمل والكد، مجرد أرقام في دفاتر البنوك، ولم تعد ضمانة لحياة كريمة أو مستقبل آمن.
وقبل الأزمة كانت الودائع المصرفية اللبنانية تتجاوز 169 مليار دولار، بحسب بيانات المصرف المركزي اللبناني، وهي تمثل حصيلة مدخرات المواطنين والمقيمين داخل وخارج لبنان، ومع اندلاع الأزمة تزايد تجميد السحب وترنحت الليرة اللبنانية أمام الدولار، وبدأت تلك المدخرات تتقلص وتذوب في دوامة الركود والفساد والتدهور الاقتصادي.
وبحسب بيانات المصرف المركزي، فإنه بحلول 2024 – 2025 تراجع إجمالي الودائع إلى ما بين 86 و93 مليار دولار موزعة على أكثر من 1.26 مليون حساب مصرفي، في حين أن الفجوة بين ما تدين به البنوك وما تمتلكه من أصول حقيقية تجاوزت 80 مليار دولار.
وهذه الأرقام لا تعبر فقط عن خسارة مالية، بل عن قصص بشرية مُوجعة، حيث راهن اللبنانيون على وعود عديدة بالاسترداد خلال السنوات الست الماضية، لكن الواقع ظل مريرا، لا سيما بعد تآكل نحو نصف قيمة المدخرات الأصلية بفعل التضخم وانهيار العملة.
الأزمة لم تكن مجرد انهيار مصرفي، بل قصة سياسات فاشلة وتلاعبا بالثقة، فقد بلغ إجمالي الأصول البنكية نحو 217 مليار دولار في 2019، ليتراجع إلى ما يقرب من 104 مليارات دولار بحلول 2024، مع تحويل القطاع المصرفي ثروة المودعين إلى قروض غير قابلة للسداد والتزامات غير مغطاة.
آليات استرداد الودائع
ووسط هذا الخراب، تنهض الحكومة اللبنانية بخطة قانونية تهدف إلى إعادة جزء من الودائع المهدورة إلى أصحابها خلال أربع سنوات، إذ ينص مشروع “قانون الفجوة المالية” على أن 85% من المودعين الذين يملكون أقل من 100 ألف دولار سيستعيدون كامل ودائعهم خلال هذه المدة، بينما يحصل كبار المودعين على 100 ألف دولار نقدا والباقي على سندات قابلة للتداول مدعومة بأصول مصرف لبنان، في محاولة لإعادة الثقة إلى النظام المالي.
ويبقى هذا الوعد معلقا على موافقة البرلمان، ومشروطا بإصلاحات جذرية تطول بنية الحوكمة، وتفتح باب المحاسبة أمام المسؤولين عن الانهيار المالي، وتعيد هيكلة القطاع المصرفي وفق معايير صندوق النقد الدولي، عندها فقط يمكن لهذا المسار أن يتحول من نص قانوني بارد إلى نبض حياة لأمة توقفت طويلا عند بوابة الخيبة، وتنتظر وعد استرداد لا يرمم خسائرها المالية فحسب، بل يعيد إليها كرامتها المهدورة وثقتها بنفسها وبمستقبلها.
وفي السياق، أبدى حاكم مصرف لبنان المركزي، كريم سعيد، تحفظات على مشروع قانون يهدف إلى تنظيم الاسترداد التدريجي للودائع المجمدة في القطاع المصرفي منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019، معتبراً أن بعض بنوده تحتاج إلى مراجعة لضمان واقعيته وقابليته للتنفيذ.
وقال سعيد، في بيان، إن الجدول الزمني المقترح لسداد الجزء النقدي من الودائع “يُعد طموحاً إلى حد ما”، في إشارة إلى صعوبة الالتزام بالمواعيد المحددة في ظل الظروف المالية الراهنة.
وأوضح أن مشروع قانون الاستقرار المالي وسداد الودائع يمكن تعديله عند الضرورة من دون المساس بحقوق المودعين، بما يضمن انتظام المدفوعات واستمراريتها واستكمالها بالكامل على مدى زمني مناسب، مشدداً على أهمية تحقيق توازن بين حماية حقوق أصحاب الودائع والحفاظ على الاستقرار المالي.
ودعا حاكم المصرف المركزي مجلس الوزراء إلى إخضاع المشروع لمراجعة دقيقة وشاملة وبنّاءة قبل إحالته إلى مجلس النواب، بهدف إدخال التحسينات اللازمة التي تكفل العدالة والمصداقية وقابلية التطبيق العملي.
على الجانب الآخر، عقدت جمعية “صرخة المودعين” في لبنان اجتماعًا في 10 يناير الماضي، تحت عنوان “الدفاع عن حقوق المودعين ورفض خطة شطب الودائع”، لبحث السبل القانونية والشعبية لمواجهة الخطة التي أقرتها الحكومة اللبنانية، والتي اعتبرتها الجمعية مساسا مباشرا بحقوق المودعين وأموالهم، وفق بيان رسمي.
وحذّرت الجمعية من المخاطر الجوهرية للخطة وانعكاساتها المباشرة على المودعين، وأنها لا تمثل حلا للأزمة بقدر ما تُكرس الخسائر على حساب أصحاب الودائع، فضلا عن تحميل المسؤوليات للجهات المعنية بدل نقل الخسائر إلى المودعين، مع الاستمرار في التحركات القانونية والإعلامية والتنسيق بين ممثلي المودعين في المرحلة المقبلة، بهدف حماية الودائع ومنع تشريع أي إجراء يمس بحقوق أصحابها.
جريمة خيانة أمانة
في البداية، أكدت أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية، الدكتورة هالة أبو حمدان، في تصريح لـ”صفر”، أن قضية الودائع في لبنان تمس بشكل مباشر حق الملكية، الذي يُعد حقا مقدسا ومكفولا بموجب الدستور.
واعتبرت أن ما جرى يرقى إلى جريمة خيانة أمانة، إذ إن المودع يضع أمواله في المصرف على أساس الثقة، ما يجعل المصارف مسؤولة عن انتهاك هذه الأمانة، ولو لم تكن المسؤولية كاملة فهي تتحمل الجزء الأكبر منها.
وأشارت أبو حمدان إلى أن المصارف تحاول التهرب من مسؤولياتها عبر تحميلها لمصرف لبنان أو للدولة، مؤكدة أن المودع ليس طرفا في العلاقة بين المصارف والمصرف المركزي، ولا يعنيه من يتعامل معه المصرف بقدر ما يعنيه استرداد أمواله.
وشددت على أن أي مساس بالودائع يشكل تعديا على حق إنساني ودستوري وقانوني، موضحة أن الأزمة تسببت بانهيار الثقة بالنظام المالي والمصرفي، وألحقت ضررا بالغا بالاستقرار المالي والمعيشي، لافتة إلى أن لبنان خسر تدفقات مالية أساسية، خصوصًا من المغتربين الذين توقفوا عن إيداع أموالهم في المصارف، بعدما تلاشت الثقة والسرية المصرفية.
وأضافت أن شريحة واسعة من اللبنانيين أودعت تعويضات تقاعدها ومدخرات عمرها في المصارف، وكانت تعتمد على فوائدها كمصدر للعيش، لكنها اليوم باتت بلا مورد، ما انعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي.
وخلصت أبو حمدان إلى أن هذه الوقائع تُحمل الدولة مسؤولية إعادة الثقة واسترداد الودائع بكل الوسائل الممكنة، حفاظا على حقوق اللبنانيين وأموالهم، وعلى الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
ضربة مزدوجة للثقة
من جانبه، أكد المحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، في تصريح لـ”صفر”، أن ملف الودائع المهدورة يُعد أخطر تداعيات الأزمة المالية التي اندلعت عام 2019، كونه أصاب جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، ووجه ضربة مزدوجة للثقة بالدولة وبالقطاع المصرفي على حد سواء.
واعتبر أبو زينب أن ما جرى لم يكن حدثا طارئا، بل نتيجة تراكم سياسات مالية خاطئة وغياب الرقابة وتواطؤ سياسي-مصرفي، ما دفع اللبنانيون ثمنه من مدخرات أعمارهم، مشددا على أن الحديث عن استرداد الودائع خلال أربع سنوات لا يمكن التعامل معه كشعار سياسي أو وعد إعلامي، وأن أي حل جدي يفترض الاعتراف الصريح بحجم الخسائر وتحديد المسؤوليات وإرساء إطار قانوني ملزم يمنع تمييع الحقوق أو تحميلها للمودعين تحت عناوين إصلاحية شكلية.
وأضاف أن غياب المحاسبة الفعلية يجعل أي مسار إصلاحي هشا وقابلا للانهيار، مشيرا إلى أن حماية صغار المودعين يجب أن تكون أولوية غير قابلة للمساومة، لأنهم يشكلون عماد الاستقرار الاجتماعي، وليسوا مجرد أرقام في ميزانيات مالية، أما معالجة الودائع الكبرى عبر أدوات طويلة الأجل، فتبقى غير قابلة للنجاح ما لم تُرفق بإصلاح شامل لمصرف لبنان، وإعادة هيكلة حقيقية للمصارف، واستعادة الثقة داخليا وخارجيا.
وخلص أبوزينب إلى أن الحل الواقعي لا يمر عبر الوعود، بل عبر قرارات موجعة وعادلة تقوم على إصلاح مالي شفاف، واستقلالية القضاء، وربط أي دعم دولي بإجراءات ملموسة لا رجوع عنها، معتبرًا أنه عندها فقط يمكن للبنانيين الإيمان بأن ودائعهم لم تُهدر، وأن الدولة بدأت فعليًا مسار الخروج من الانهيار.
لم تكن الودائع يوما مجرد أموال مودعة خلف زجاج المصارف، بل كانت اختزالا لحكايات عمر كامل، عمل طويل، غربة قاسية، تقاعد انتُظر بوصفه استراحة مستحقة، وحين جُمدت تلك الأموال، تجمد معها إحساس الناس بالأمان، وبقدرة الدولة على حماية أبسط حقوقهم.
واليوم، يقف لبنان عند مفترق دقيق، فإما أن تتحول الوعود إلى مسار واضح يعيد الاعتبار للعدالة والثقة، أو تبقى الودائع شاهدا صامتا على انهيار لم يُحاسب أحد عليه، وفي بلد أنهكته الأزمات، قد لا يكون استرداد المال وحده هو الغاية، بل استرداد الشعور بأن الغد ما زال ممكنا، وأن ما ضاع يمكن أن يُستعاد إن وُجد القرار.

