شهدت بلدة غراف – رينيت في جنوب إفريقيا مواجهة جدل واسع بعد قرار رسمي يقضي بتغيير اسمها إلى روبرت سوبوكوي، في خطوة تهدف إلى تكريم أحد أبرز رموز النضال ضد نظام الفصل العنصري، بحسب ما ورد في تقرير نشرته صحيفة “الغارديان”.
جاء القرار ليضع البلدة التاريخية التي تعود إلى عام 1786، في قلب نقاش حقوقي حاد حول الهوية والذاكرة والعدالة التصالحية.
وأعلنت وزارة الرياضة والفنون والثقافة موافقتها على تغيير الاسم في 6 فبراير، ضمن سياسة أشمل لإعادة تسمية عدد من المواقع في البلاد، مؤكدة أن الهدف يتمثل في “تصحيح وتطوير نظام التسمية الجغرافية”، ما يعالج إرث الاستعمار والفصل العنصري، وفق ما نقلته التقارير الصحفية ذاتها.
وشهدت البلدة حالة من الانقسام بين سكانها، انعكست في عرائض احتجاج ومسيرات متنافسة ورسالة قانونية وُجهت إلى الوزير غايتون ماكنزي، تطالب بوقف القرار بدعوى عدم استيفاء المشاورات العامة للإجراءات القانونية.
وأشار تقرير نشرته صحيفة “صنداي تريبيون” الجنوب إفريقية إلى أن بعض المعارضين وصفوا العملية بأنها “غير مكتملة” أو “صورية”، ما زاد من حدة التوتر داخل المجتمع المحلي.
وأظهر استطلاع رأي أُجري في ديسمبر 2023 أن 83.6% من السكان يعارضون تغيير الاسم، بينهم 92.9% من ذوي البشرة الملونة و98.5% من ذوي البشرة البيضاء، في حين أيد ثلث السكان السود الخطوة، ما يعكس تبايناً واضحاً في المواقف داخل مجتمع متعدد التركيبة العرقية.
تكريم رموز التحرر
استند مؤيدو إعادة التسمية إلى ضرورة تجاوز إرث الاستعمار، إذ يعود اسم غراف – رينيت إلى الحاكم الهولندي كورنيليس جاكوب فان دي غراف وزوجته هيستر كورنيليا رينيت، وفي المقابل، يرى المؤيدون أن استبداله باسم روبرت سوبوكوي يمثل خطوة نحو الاعتراف بتاريخ النضال ضد الفصل العنصري.
ومن جانبها، أشارت تغطية للحدث أوردها موقع “أفريقا نيوز” الذي يتخذ من فرنسا مقراً له، إلى أن سوبوكوي يُعد من أبرز رموز التحرر، حيث قاد احتجاجات ضد قوانين بطاقات المرور عام 1960، قبل مذبحة شاربفيل التي قُتل فيها 69 شخصاً، وهو ما يجعله رمزاً تاريخياً ذا دلالة وطنية قوية في الذاكرة الجنوب إفريقية.
أوضحت وزارة الرياضة والفنون والثقافة أن إعادة تسمية 21 موقعاً، منها غراف – رينيت، تأتي ضمن مسار وطني شمل أكثر من 1500 تغيير في أسماء المواقع منذ عام 2000، في إطار ما تصفه الدولة بعملية “إعادة التوازن التاريخي” ومعالجة إرث الحقبة الاستعمارية والفصل العنصري.
انقسام اجتماعي
أعربت شخصيات محلية عن قلقها من تأثير القرار في النسيج الاجتماعي، حيث قال لوتون هوفمان، الناشط المجتمعي، إن تغيير الاسم قد ينعكس سلباً على السياحة في البلدة التي تعتمد على طابعها المعماري الهولندي وجذبها السياحي، مؤكداً أن الاسم القديم أصبح يحمل قيمة اقتصادية.
وأشار تقرير “الغارديان” إلى أن هوفمان ينتمي إلى فئات “الملونين” و”خوي-سان”، وأن مجتمعه يشعر بالتهميش منذ نهاية نظام الفصل العنصري، وهو ما يعكس تعقيدات اجتماعية لا تزال قائمة حتى اليوم.
وفي المقابل، شدد مؤيدو التغيير على أن القرار يمثل اعترافاً طال انتظاره بتاريخ سوبوكوي ودوره في النضال، معتبرين أن إعادة التسمية خطوة نحو تصحيح التاريخ وإعادة الاعتبار لرموز التحرر، كما نقلت التغطيات نفسها.
اختبار للعدالة التصالحية
أثار القرار مخاوف اقتصادية واضحة، إذ تعتمد البلدة على السياحة بوصفها مصدر دخل رئيسياً، حيث يزورها نحو 100 ألف سائح سنوياً، وأشار “أفريقا نيوز” إلى أن بعض المسؤولين المحليين يخشون من أن يؤثر تغيير الاسم في التسويق العالمي للمدينة، وما يتطلبه ذلك من إعادة بناء الهوية البصرية والاقتصادية.
وأوضحت مسؤولة الاتصال السياحي ألجون ماير أن تغيير الاسم قد يعني تكاليف إضافية في إعادة الترويج للبلدة عالمياً، وهو ما قد ينعكس على دخل السكان المحليين.
وفي خضم هذا الجدل، تواجه جنوب إفريقيا اختباراً حقيقياً لمفهوم العدالة التصالحية، بين من يرى فيها ضرورة تاريخية لتصحيح إرث الماضي، ومن يعدها تهديداً لهوية مجتمعية واقتصادية قائمة.
يواصل الجدل حول غراف – رينيت إبراز سؤال حقوقي مركزي حول كيفية الموازنة بين “الحق في الذاكرة التاريخية” و”الحق في المشاركة المجتمعية” و”الحق في التنمية الاقتصادية”، في بلد لا يزال يعيد تشكيل هويته بعد عقود من الفصل العنصري، وبينما تمضي الدولة في سياسات إعادة التسمية، تبقى البلدة نموذجاً حياً لصراع الذاكرة في مرحلة ما بعد النزاعات، وفق ما تشير إليه التغطيات الصحفية.
