منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

عطش على ضفاف السدود.. الماء معركة بقاء يومية في تونس

29 مارس 2026
نحو 39.6% من سكان الأرياف في تونس محرومون من الماء
نحو 39.6% من سكان الأرياف في تونس محرومون من الماء

بينما تتدفق المياه في أنابيب المدن الكبرى، يستيقظ مئات الآلاف من التونسيين في القرى على واقع مختلف تماماً، حيث يتحول صنبور المياه إلى حلم مؤجل يتطلع له كثيرون، ويغدو الحصول على الماء الصالح للشرب معركة يومية، ففي عام 2025، لم تعد أزمة المياه في تونس مجرد مؤشرات بيئية، بل أصبحت أزمة حقوقية واجتماعية تعكس اختلالاً عميقاً في توزيع الموارد.

وتشير أحدث بيانات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن نحو 39.6% من سكان الأرياف، أي ما يقارب 1.465 مليون شخص، محرومون من الماء، مقابل 7.3% في المناطق الحضرية أي ما يعادل 000 700 شخص نتيجة غياب الشبكات أو اضطرابات التزود، وهذا التفاوت الحاد لا ينعكس فقط في الأرقام، بل يتجلى في تصاعد الاحتجاجات، حيث شكلت المطالب المرتبطة بالمياه نحو 41% من التحركات البيئية خلال 2025، في مؤشر على تحول الماء إلى محور توتر اجتماعي.

وفرة في الشمال وعطش في الداخل

تكشف خريطة الموارد المائية في تونس عن مفارقة لافتة، إذ تتركز أغلب المياه في الشمال، في حين تعاني مناطق الوسط والجنوب من شح حاد، ورغم وجود سدود ضخمة في بعض الولايات، فإن القرى المجاورة لها تظل خارج نطاق الاستفادة بسبب ضعف أو غياب البنية التحتية، وتؤكد بيانات وزارة الفلاحة أن نسبة التغطية بشبكات المياه في بعض المناطق الريفية لا تتجاوز 75%، مقابل شبه تعميم في المدن، ولا تتوقف الأزمة عند حدود التوزيع، إذ تفقد البلاد نحو 30% من المياه بسبب تسربات في شبكات متهالكة، وفق تقارير الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، ما يعمق العجز ويزيد من الضغط على الموارد، وفي ظل هذه الظروف، يظل معدل استهلاك الفرد في حدود 120 لتراً يومياً، وهو أقل من المعدلات الموصى بها دولياً، ما يعكس محدودية النفاذ إلى هذا المورد الحيوي.

مناخ أكثر قسوة وسياسات أقل فاعلية

وفق تقارير وزارة الفلاحة التونسية دخلت تونس منذ عام 2016 في سلسلة من سنوات الجفاف المتتالية، تراجعت خلالها معدلات الأمطار بشكل ملحوظ، وارتفعت درجات الحرارة، ما أدى إلى انخفاض مخزون السدود من نحو 55% سنة 2020 إلى أقل من 30% في فترات من 2024 و2025، وهذه المؤشرات دفعت تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى التحذير من دخول تونس مرحلة الفقر المائي الهيكلي، غير أن العوامل المناخية ليست وحدها المسؤولة، إذ أسهمت سياسات اقتصادية قائمة على الاستغلال المكثف للمياه، خاصة في الفلاحة التصديرية والصناعات الاستهلاكية، في استنزاف الموارد وإخلال التوازنات البيئية.

وفي تقرير له صدر في مارس 2024، اعتبر المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية أن تونس تعد خامس دولة في العالم ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة لخطر الجفاف ونقص المياه.

أعباء متزايدة

في القرى، لا يقاس العطش فقط بندرة الماء، بل بكلفته أيضاً، إذ تضطر العديد من الأسر إلى شراء المياه عبر صهاريج بأسعار تراوح بين 80 و120 ديناراً للخزان الواحد، وهو ما يمثل عبئاً ثقيلاً على ميزانيات محدودة، كما يؤدي اضطراب التزود إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع كلفة الري، ما يهدد سبل عيش آلاف الفلاحين، ويستهلك القطاع الزراعي وحده نحو 80% من الموارد المائية، بحسب المعهد الوطني للإحصاء، ومنظمة الأغذية والزراعة وهو ما يطرح تحديات كبيرة في إدارة هذا المورد بشكل أكثر كفاءة.

نساء وأطفال في مواجهة العطش

تتحمل النساء في المناطق الريفية العبء الأكبر من الأزمة، حيث يقضين ساعات عدة يومياً في جلب المياه، في ظروف قاسية تؤثر في صحتهن وحياتهن الاقتصادية، وتشير دراسة ميدانية إلى أن 90% من نساء منطقة السقدود بولاية قفصة يعانين مضاعفات صحية مرتبطة بالجفاف، ولا يقتصر التأثير على الجانب الصحي، بل يمتد ليشمل الأدوار الاجتماعية، حيث تحدّ هذه الأعباء من فرص التعليم والعمل، ما يعمّق الفوارق الجندرية وفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

في المدارس الريفية، يتحول غياب الماء إلى عائق مباشر أمام التعليم، إذ لا تزال 527 مدرسة، أي نحو 12% من المؤسسات، خارج منظومة التزود بالماء، إضافة إلى غياب الوحدات الصحية في 128 مدرسة، معظمها في ولايات الوسط الغربي، وهذا الواقع ينعكس على صحة التلاميذ ويزيد من نسب الانقطاع المدرسي، خاصة لدى الفتيات، ما يكرّس حلقة الفقر والتهميش وفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ووزارة التربية التونسية.

الهجرة البيئية

مع تفاقم الجفاف وتدهور الظروف المعيشية، برزت في تونس ظاهرة الهجرة البيئية، حيث أكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن عائلات كاملة تغادر مناطقها بحثاً عن الماء والعمل، وهذه التنقلات، التي لا تزال خارج إطار السياسات الرسمية، تعكس تحولات عميقة في البنية الاجتماعية، حيث تفقد بعض المناطق سكانها تدريجياً، في حين تشهد أخرى اكتظاظاً متزايداً.

وفي وقت سابق، كشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن الاحتجاجات الخاصة بانقطاعات المياه شهدت ذروتها في صيف عام 2024 مع تسجيل 121 تحركاً ندد فيها التونسيون بتواصل أزمة العطش والانقطاعات المتكررة لمياه الشرب، شملت نداءات استغاثة أطلقها الأهالي والمزارعون والنشطاء البيئيون للمطالبة بالربط بشبكة الشركة الوطنية لتوزيع واستغلال المياه أو الجمعيات المائية.

الدستور التونسي والحق في الماء

ينص الدستور التونسي على ضمان الحق في الماء، كما تلتزم تونس بالمواثيق الدولية التي أقرت هذا الحق، وعلى رأسها قرارات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، غير أن الواقع يكشف فجوة واضحة بين النصوص والتطبيق، حيث لا تزال فئات واسعة محرومة من هذا الحق، وتؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن الدولة مطالبة بتحويل هذه النصوص إلى واقع ملموس يضمن التوزيع العادل.

وقد أعلنت الحكومة التونسية عن برامج عدة لمواجهة الأزمة، تشمل تحلية المياه، وربط المناطق الريفية، وتقليص الفاقد في الشبكات غير أن تقارير رقابية تشير إلى أن نسب الإنجاز لا تزال محدودة، بسبب ضعف التمويل وتعقيدات التنفيذ.

تسلسل زمني لأزمة تتفاقم

منذ 2016، دخلت تونس مرحلة من الجفاف المتكرر، تراجعت خلالها الموارد المائية بشكل ملحوظ. وبين 2020 و2024، انخفضت مخزونات السدود بشكل مستمر، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات تقنين للمياه خلال صيفي 2023 و2024، وفي 2025، بلغت الأزمة ذروتها مع تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعة المناطق المتضررة، ما يعكس مساراً تصاعدياً لأزمة لم تجد بعد حلولاً جذرية من واقع بيانات وزارة الفلاحة التونسية، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

تكشف أزمة المياه في تونس عن أكثر من مجرد ندرة طبيعية؛ إنها تعبير عن اختلالات في السياسات والتخطيط، وعن فجوة بين الجهات والفئات، وبينما تستمر القرى في مواجهة العطش، يبقى تحقيق العدالة المائية شرطاً أساسياً لضمان الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي، فالماء، كما تؤكد المواثيق الدولية، ليس امتيازاً، بل حق لا يقبل التأجيل، واختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق الإنصاف بين مواطنيها.