منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

انتحار نويليا كاستيو المأساوي جرس إنذار للغرب 

29 مارس 2026
الشابة نويليا كاستيلو ضحية الاغتصاب الجماعي التي انهت حياتها بالانتحار بمساعدة الدولة
الشابة نويليا كاستيلو ضحية الاغتصاب الجماعي التي انهت حياتها بالانتحار بمساعدة الدولة

كاثي هوشول

في هذا الأسبوع، وجدتُ نفسي مثل كثيرين أمام قصة صادمة يصعب تجاوزها، قصة الشابة الإسبانية نويليا كاستيو، البالغة من العمر 25 عاماً، التي أنهت حياتها بمساعدة الدولة في إسبانيا، حيث أصبح “الموت الرحيم” قانونياً منذ عام 2021.

كم من منظومة خذلت هذه الفتاة؟

برحيلها، طُويت أيضاً معركة قانونية طويلة خاضها والدها، إلى جانب منظمة  “محامون مسيحيون”، في محاولة لمنع تنفيذ قرار إنهاء حياتها، بعد أن حصلت على الموافقة عليه منذ عام 2024.

ما يثير القلق في قصة كاستيو أنها لا تشبه الحالات الطبية التقليدية التي يُطرح فيها “الموت الرحيم” خياراً أخيراً لمواجهة مرض عضال لا أمل منه. قصتها كانت أكثر تعقيداً وظلمة: مزيج مؤلم من اضطرابات نفسية، واعتداءات جنسية، ومحاولة انتحار فاشلة، انتهت بها إلى وضع يجعلها “مؤهلة” قانونياً لإنهاء حياتها.

لكن والدها المفجوع رأى في كل ذلك سبباً كافياً للتشكيك في أهليتها لاتخاذ قرار بهذا الحجم.

عندما كانت في الحادية والعشرين من عمرها، وبعد تعرضها لاعتداء جنسي جماعي – بحسب روايتها – ألقت بنفسها من سطح مبنى مكوّن من خمسة طوابق. نجت من الموت، لكنها خرجت من التجربة مشلولة من الخصر إلى أسفل، حبيسة كرسي متحرك، وتعاني آلاماً مزمنة لا تفارقها.

ولم تكن تلك التجربة الوحيدة، إذ قالت إنها تعرضت لاعتداءات جنسية أخرى، من بينها اعتداء على يد صديق سابق.

قالت بصراحة موجعة: “أريد أن أرحل الآن، أن أتوقف عن المعاناة، هذا كل شيء. عائلتي ترفض فكرة القتل الرحيم، لكن ماذا عن كل الألم الذي عشته طول هذه السنوات؟”

وصفت حياتها بأنها جحيم بلا أمل؛ لا رغبة في الخروج، ولا في الطعام، وصعوبة دائمة في النوم، وآلام مستمرة في الظهر والساقين.

الأكثر إيلاماً – من وجهة نظري – لم يكن فقط قرارها، بل الطريقة التي تخيلت بها نهايتها. تحدثت عن جنازتها كما تتحدث شابة عن حفل زفافها: تريد أن تبدو جميلة، أن ترتدي أجمل فساتينها، وأن تضع مساحيق التجميل وكأنها تودّع العالم بصورة مثالية.

قد تبدو هذه القصة بعيدة عنّا، مأساة تقع في بلد خلف المحيط، لكن الحقيقة أنها أقرب مما نتصور.

في كندا، على سبيل المثال، تحوّل “الموت بمساعدة طبية” إلى ما يشبه صناعة قائمة بذاتها منذ إقرار قانون H للمساعدة الطبية على الموت MAID Act  قبل نحو عقد. وتشير التقديرات إلى أن عدد من أنهوا حياتهم عبر هذا النظام قد يتجاوز 100 ألف شخص مع بلوغ القانون عامه العاشر.

إنه رقم كئيب، بل وصادم.

وفي الولايات المتحدة، تسمح عشر ولايات، إضافة إلى العاصمة، بهذا النوع من “المساعدة على الموت”، في حين تتجه ولايات أخرى لاعتماد تشريعات مماثلة. ففي نيويورك، وقّعت حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوشول أخيراً قانوناً يسمح لمرضى الحالات النهائية، الذين لا يُتوقع أن يعيشوا أكثر من ستة أشهر، بالحصول على هذا الخيار.

قالت الحاكمة إنها تدرك ألم مشاهدة شخص عزيز يعاني دون قدرة على إنقاذه، معتبرة أن القانون “لا يختصر الحياة، بل يختصر لحظة الموت”.

لكن، إلى متى ستبقى هذه القوانين محصورة في حالات واضحة ومحددة؟

في كندا، لم يكن الشاب كيانو فافائيان، البالغ من العمر 26 عاماً، يعاني مرضاً قاتلاً عندما أنهى حياته في ديسمبر 2025. كان يعاني السكري، ومشكلات في النظر، واكتئاباً موسمياً. عائلته رفضت القرار بشدة، متسائلة كيف يمكن الموافقة على حالة كهذه.

من وجهة نظري، هنا تكمن الخطورة الحقيقية: هذا الانزلاق التدريجي.

عندما تفتح القوانين هذا الباب، لا يعود من السهل إغلاقه عند حدود معينة. تبدأ بحالات قصوى، ثم تمتد إلى أخرى أكثر غموضاً وتعقيداً، كما في قصتي كاستيو وفافائيان.

الدولة، في تقديري، دورها أن تُصلح الطرق، وتحمي المواطنين، وتحافظ على النظام، وتبني البنية التحتية.

لا أن تتحول إلى جهة تُنهي الحياة تحت مسمى “الرحمة”.

نقلاً عن نيويورك بوست