يكشف تصاعد جرائم قتل النساء في تونس خلال الشهور الأولى من 2026 أن العنف القائم على النوع الاجتماعي ما زال يتجاوز قدرة منظومة الحماية على الردع والوقاية، رغم مرور سنوات على صدور القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة.
وتظهر المؤشرات الرسمية والحقوقية أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود العنف، بل في اتساع فجوة الحماية بين النص القانوني والواقع اليومي داخل البيوت والفضاء العام، فوزارة الأسرة والمرأة كانت قد أكدت في حصيلة رسمية توسع بعض آليات الاستجابة، بينها ارتفاع عدد مراكز إيواء النساء ضحايا العنف من مركزين فقط في بداية 2022 إلى 10 مراكز لاحقًا، إلى جانب استمرار عمل الخط الأخضر 1899 للتبليغ والتوجيه.
لكن الأرقام الأحدث التي نقلتها رئيسة وحدة الرصد في المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة تشير إلى تسجيل أكثر من 4400 إشعار عنف ضد النساء خلال 2025 عبر الخط 1899، من أصل 7397 اتصالًا تلقته المنظومة، ما يعكس أن حجم العنف المبلغ عنه لا يزال مرتفعًا جدًا.
تتحول أنماط العنف المتكررة
تؤكد الوقائع الأخيرة أن قتل النساء في تونس لا يُفهم بوصفه حوادث معزولة أو “خلافات عائلية”، بل كامتداد لمسار طويل من العنف غير المرئي الذي يبدأ غالبًا بالهيمنة والتطبيع مع الإهانة والضرب والعزل والتهديد.
وفي هذا السياق، قالت منظمة العفو الدولية، إن منظمات حقوق النساء في تونس واصلت التنديد خلال 2025 بثقافة الإفلات من العقاب وبضعف التطبيق الفعلي للقانون 58، مشيرة إلى تسجيل 15 جريمة قتل نساء على الأقل بين يناير وأغسطس، وفق رصد منظمات نسوية.
وأفادت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن المجتمع المدني في تونس أبلغ عن 25 جريمة قتل نساء في 2023، وأن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تونس سجل 25 جريمة أخرى في 2024، ما يدل على أن الظاهرة ليست طارئة بل تتخذ منحىً مستمرًا ومقلقًا.
وفي ضوء ذلك، فإن الجرائم التي سُجلت في بدايات 2026 تبدو جزءًا من نمط متكرر، لا استثناءً عابرًا.
تبليغ محدود خوفا من الوصم
تفسر المصادر الرسمية والحقوقية استمرار التبليغ المحدود بأن عددًا كبيرًا من النساء يعشن في بيئات يُطبع فيها العنف ويُنظر إليه باعتباره شأنًا خاصًا أو جزءًا من “التأديب” العائلي.
وتُظهر المواد الرسمية الصادرة عن وزارة المرأة والمرصد الوطني أن الخط الأخضر 1899 وآليات الإحالة والمرافقة القانونية والنفسية تمثل أدوات مهمة، لكن الوصول إليها لا يزال غير متكافئ بين النساء، خاصة في المناطق المهمشة أو لدى النساء اللائي يفتقرن إلى الاستقلال الاقتصادي أو المعرفة بحقوقهن.
وتؤكد الأمم المتحدة للمرأة في مذكرتها الاستراتيجية الخاصة بتونس أن من أبرز التحديات التي تواجه النساء استمرار الأعراف الاجتماعية الضارة المتجذرة في المؤسسات والبنى الاجتماعية، وهو ما يعوق الوصول الفعلي إلى العدالة والحماية.
كما أن بقاء النساء داخل دائرة الاعتماد الاقتصادي والاجتماعي على الأسرة أو الشريك يجعل قرار التبليغ مكلفًا نفسيًا واجتماعيًا، ويحوّل الصمت إلى آلية بقاء أكثر منه قبولًا بالعنف، وهذا ما يفسر لماذا لا تُترجم كل وقائع العنف إلى شكاوى رسمية، ولماذا تصل بعض الحالات إلى القتل قبل أن تتدخل الحماية.
سياسات الوقاية والردع
يفرض هذا المشهد على السلطات التونسية التعامل مع قتل النساء بوصفه المؤشر الأكثر خطورة على فشل منظومة الوقاية المبكرة، لا مجرد ملف جنائي يعالج بعد وقوع الجريمة، فالتوسيع العددي لمراكز الإيواء والخطوط الساخنة مهم، لكنه لا يكفي وحده ما لم يقترن بإنفاذ صارم للقانون، وتدريب فعّال للشرطة والقضاء، وحملات توعية تغير أنماط التنشئة التي تجعل العنف “مألوفًا”، ودعم اقتصادي يمكّن النساء من مغادرة العلاقات العنيفة.
وتدعو “العفو الدولية” إلى إنهاء الإفلات من العقاب وتحسين تنفيذ القانون 58، بينما تبرز الإحصاءات الرسمية الخاصة بالإشعارات أن الحاجة إلى الحماية ليست هامشية بل واسعة النطاق.
لذلك، فإن أي قراءة إنسانية وحقوقية للوضع في تونس تقود إلى خلاصة واحدة، وهي أن العنف الذي يبدأ داخل الأسرة قد ينتهي إلى قتل، وما لم تُكسر حلقة التطبيع والصمت والتردد في التبليغ، ستبقى الأرقام ترتفع فيما يتأخر الإنقاذ.
