وجّهت الحكومة المجرية اتهامات جنائية إلى الصحفي الاستقصائي سابولكس باني، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية في البلاد، بعدما أعلن مدير مكتب رئيس الوزراء المجري، غيرغيلي غولياس، أن وزير العدل تقدم بإجراء قانوني بحقه على خلفية الاشتباه في قيامه بـ“أنشطة تجسسية بالتعاون مع دولة أجنبية”.
ويأتي هذا التطور في وقت حساس سياسيًا داخل المجر، مع تصاعد السجال حول علاقة حكومة فيكتور أوربان بروسيا، وقبل أسابيع من انتخابات تشريعية شديدة التنافس، بحسب ما ذكرت وكالة “أسوشيتد برس”، اليوم الخميس.
يركز باني منذ سنوات على ملفات الأمن القومي وأجهزة الاستخبارات والنفوذ الروسي داخل المجر، ونشر تقارير موسعة تناولت علاقات بودابست بموسكو، بينها تقارير عن صلات مزعومة بين مسؤولين مجريين وروس، إضافة إلى تحقيقات بشأن اتصالات أجراها وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو مع نظيره الروسي.
وتقول الحكومة إن الاتهام يرتبط بشبهة تعاونه مع جهة أجنبية خلال عمله الصحفي، بينما ينفي باني ذلك بشكل قاطع، مؤكدًا أن ما قام به يدخل في إطار الصحافة الاستقصائية لا التجسس.
تسجيل صوتي مسرّب
تصاعد الجدل بعد نشر تسجيل صوتي مسرّب ومعدّل، بثته خلال الأيام الأخيرة وسائل إعلام موالية للحكومة، ويمكن فيه سماع باني وهو يتحدث إلى مصدر بشأن التحقق من رقم هاتف استخدمه وزير الخارجية المجري، في سياق تحقيق صحفي كان يجريه حول اتصالات الوزير.
وبحسب الرواية الحكومية، فإن التسجيل يُظهر صلة بين الصحفي وجهة أجنبية، بينما قال باني في مقابلة لاحقة إن التسجيل جرى توظيفه سياسيًا وإنه “لم تكن له أي علاقة بالتنصت على سيارتو”، مضيفًا أن التواصل مع مصادر أو جهات رسمية خارجية أمر معتاد في العمل الاستقصائي.
ونفى باني ارتكاب أي مخالفة، واعتبر أن اتهامه بالتجسس “أمر غير مسبوق تقريبًا” لصحفي استقصائي داخل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي في القرن الحادي والعشرين، مضيفًا أن ما يجري أقرب إلى ما يحدث في “روسيا أو بيلاروسيا والأنظمة المشابهة”.
كما اتهمت المؤسسة الإعلامية التي يعمل معها الحكومة المجرية بمحاولة تشويه سمعته ونسف نتائج تحقيقاته عبر اللجوء إلى أدوات ترهيب سياسية وإعلامية بدل الرد على مضمون ما نشره.
مخاوف حول استقلال الصحافة
تأتي هذه القضية في سياق أوسع من التوتر المتنامي في المجر حول استقلال الصحافة واستخدام مؤسسات الدولة في الصراع السياسي.. فباني كان من بين الصحفيين الذين كشفت تقارير سابقة تعرضهم لبرنامج التجسس بيغاسوس، في قضية أثارت انتقادات دولية حادة لبودابست بشأن مراقبة الصحفيين والمعارضين.
كما يتزامن الملف الحالي مع أزمات سياسية أخرى تضرب الحكومة المجرية، من بينها اتهامات المعارضة باستخدام الأجهزة الأمنية ضد خصوم سياسيين، وهو ما يزيد من حساسية الاتهامات الجديدة ضد صحفي معروف بتحقيقاته في ملفات النفوذ الروسي والعلاقات الخارجية للحكومة.
ويفتح توجيه هذا الاتهام الباب أمام مواجهة جديدة بين الحكومة المجرية ودوائر إعلامية وحقوقية أوروبية، خصوصًا أن القضية تمس واحدًا من أكثر الخطوط حساسية داخل الاتحاد الأوروبي: حرية الصحافة عندما تتقاطع مع الأمن القومي والعلاقات مع موسكو.
وحتى الآن، لم تتضح بعد الخطوات القضائية التالية بشكل كامل، لكن المؤكد أن القضية تجاوزت حدود نزاع بين صحفي وحكومة، لتتحول إلى اختبار جديد لمناخ الحريات العامة في المجر.
