أعاد حكم قضائي فيدرالي صدر أخيراً تسليط الضوء على واحدة من أكثر الأزمات حساسية في الولايات المتحدة، بعدما قضى بوقف سياسة جديدة فرضها البنتاغون على الصحفيين، معتبراً أن أجزاء واسعة منها تنتهك التعديل الأول للدستور الأمريكي، القرار جاء عقب استئناف تقدمت به صحيفة “نيويورك تايمز”، في وقت كانت فيه القيود قد أدت إلى سحب اعتمادات عدد من الصحفيين ومنع مؤسسات إعلامية كبرى من الوصول إلى مصادر المعلومات داخل المؤسسة العسكرية.
صعدت الأزمة للأضواء عندما أصدرت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) في أكتوبر 2025، وثيقة تنظيمية جديدة فرضت قيوداً غير مسبوقة على الصحفيين المعتمدين، تضمنت منع طلب أو نشر معلومات معينة دون إذن مسبق، تحت طائلة سحب الاعتماد الصحفي، كما شملت السياسة إعادة هيكلة نظام التراخيص داخل البنتاغون، ما أدى إلى تقليص عدد المؤسسات الإعلامية المسموح لها بالتغطية المباشرة.
بنود مثيرة للجدل
وفق بيان رسمي نشرته رابطة صحفيي البنتاغون تضمنت القيود عدة بنود رئيسية، أبرزها فرض رقابة مسبقة على بعض أنواع المعلومات، تقييد حركة الصحفيين داخل المبنى، اشتراط مرافقة رسمية في مناطق واسعة، ومنع التواصل المباشر مع بعض المسؤولين العسكريين دون إذن، كما تم استبعاد ثماني مؤسسات إعلامية كبرى، من بينها نيويورك تايمز وواشنطن بوست وشبكة سي إن إن، من مكاتبها داخل البنتاغون.
تأتي هذه الإجراءات ضمن سياق أوسع من السياسات الإعلامية التي تبنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد عودته إلى السلطة، فمنذ 2025، شهدت العلاقة بين الإدارة الأمريكية ووسائل الإعلام توتراً متصاعداً، حيث اتهم ترامب مراراً الصحافة بنشر ما يصفه بـ”أخبار كاذبة”، واتخذت إدارته خطوات لتقليص الوصول الإعلامي إلى المؤسسات الحكومية.
امتداد تاريخي للقيود
رغم أن الولايات المتحدة تُعد من أبرز الدول التي تكفل حرية الصحافة دستورياً، فإن تاريخها شهد محطات شهدت قيوداً مشابهة، خاصة في أوقات الحروب، فخلال حرب فيتنام وحرب العراق، فرضت وزارة الدفاع الأمريكية – قبل تغيير اسمها إلى وزارة الحرب في عهد ترامب – قيوداً على تغطية العمليات العسكرية، إلا أن السياسات الحديثة تُعد أكثر شمولاً من حيث التأثير على الوصول للمعلومات داخل المؤسسات.
وقد شهدت فترتا حكم دونالد ترامب نماذج متعددة من القيود والإجراءات التي استهدفت عمل الصحافة والإعلام بشكل مباشر وغير مباشر، في سياق اتسم بتوتر غير مسبوق بين السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام، ومن أبرز هذه النماذج حظر أو تقييد وصول بعض المؤسسات الإعلامية إلى الفعاليات الرسمية داخل البيت الأبيض، إضافة إلى محاولات سحب أو تهديد الاعتمادات الصحفية، كما حدث مع مراسل شبكة “سي إن إن” خلال الولاية الأولى، وهو ما تدخلت فيه المحاكم لاحقاً، كما اتخذت الإدارة خطوات لتقليص الوجود المادي للصحفيين داخل المؤسسات الحكومية، عبر فرض قيود على الحركة والدخول، إلى جانب إعادة هيكلة نظام “مجموعة الصحافة” بما يمنح الإدارة نفوذاً أكبر في اختيار الصحفيين المسموح لهم بالتغطية، وترافقت هذه الإجراءات مع ضغوط قانونية، تمثلت في التهديد بدعاوى قضائية أو استخدامها فعلياً ضد مؤسسات إعلامية، فضلاً عن محاولات التأثير في وسائل إعلام ممولة حكومياً مثل “صوت أميركا”، وهو ما أثار انتقادات حادة بشأن استقلالية الإعلام العام وفق تقارير الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) ووكالة أسوشيتد برس ولجنة حماية الصحفيين (CPJ).
الخطاب السياسي
وفي موازاة هذه الإجراءات، لعب الخطاب السياسي دوراً محورياً في تشكيل بيئة ضاغطة على الصحافة، حيث استخدم ترامب توصيفات متكررة لوسائل الإعلام باعتبارها أخباراً كاذبة وعدواً للشعب، وهو ما وثقته منظمات مثل “PEN America” التي سجلت عشرات الهجمات اللفظية والإجرائية ضد الإعلام خلال فترات حكمه، كما أظهرت تقارير مراسلون بلا حدود وفريدوم هاوس تراجعاً في مؤشرات حرية الصحافة في الولايات المتحدة، مع تسجيل حالات متزايدة من تقييد الوصول إلى المعلومات الحكومية أو حجبها، ومنها الامتناع عن تقديم بيانات للكونغرس أو تقليص إتاحة قواعد البيانات العامة، وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن القيود لم تكن معزولة أو ظرفية، بل جاءت ضمن سياق أوسع أثر على بيئة العمل الصحفي، وأثار مخاوف محلية ودولية بشأن تراجع المعايير الديمقراطية المرتبطة بحرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات.
وتشير بيانات منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2025 إلى تراجع ترتيب الولايات المتحدة في مؤشر حرية الصحافة إلى المرتبة 45 عالمياً، مقارنة بالمرتبة 24 قبل عقد واحد، كما سجلت لجنة حماية الصحفيين أكثر من 35 حالة تقييد أو منع وصول للصحفيين داخل المؤسسات الفيدرالية خلال عام واحد فقط.
موقف المنظمات الحقوقية
أعربت منظمات حقوقية أمريكية، مثل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، عن قلقها من هذه القيود، معتبرة أنها تنتهك التعديل الأول وتشكل تهديداً مباشراً لحرية التعبير، وأشارت إلى أن فرض رقابة مسبقة على الصحفيين يُعد من أخطر أشكال التقييد في الأنظمة الديمقراطية.
على الصعيد الدولي، دعت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية إلى مراجعة السياسات الأمريكية، محذرة من تأثيرها في صورة الولايات المتحدة كونها مدافعاً عن حرية الصحافة، كما أعربت مقررة الأمم المتحدة الخاصة بحرية التعبير عن قلقها من هذه الإجراءات، مؤكدة أنها تتعارض مع المعايير الدولية لحرية الإعلام.
ومن جانبها، وصفت رابطة صحفيي البنتاغون في بيان القرار القضائي الأخير بأنه يوم عظيم لحرية الصحافة، مؤكدة أن القيود كانت تعرقل قدرة الصحفيين على نقل معلومات حيوية للجمهور، خاصة في ظل النزاعات الدولية، كما عدّت مؤسسات إعلامية كبرى السياسات الجديدة سابقة خطِرة تهدد استقلالية الصحافة.
القانون الدولي وحرية الصحافة
بحسب الأمم المتحدة ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ضمان حرية التعبير وتداول المعلومات، وهو ما يشمل حماية الصحفيين من القيود التعسفية، ويرى خبراء قانونيون أن السياسات الجديدة قد تتعارض مع التزامات الولايات المتحدة الدولية، خاصة فيما يتعلق بمنع الوصول إلى المعلومات العامة.
الأبعاد الإنسانية للأزمة
تتجاوز تداعيات القيود المفروضة على الصحافة داخل “البنتاغون” حدود المؤسسات الإعلامية لتصل إلى عمق المجتمع الأمريكي، حيث يعتمد ملايين المواطنين على التغطيات الصحفية لفهم السياسات الدفاعية والقرارات العسكرية التي تؤثر بشكل مباشر في حياتهم اليومية ومستقبلهم السياسي، ومع تضييق الوصول إلى المعلومات، تتراجع قدرة الجمهور على متابعة تفاصيل العمليات العسكرية أو تقييم مبررات التدخلات الخارجية، وهو ما يضعف أحد أهم أركان النظام الديمقراطي القائم على الشفافية والمساءلة.
وتشير دراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث في عام 2025 إلى أن 68% من الأمريكيين يعدون وسائل الإعلام المصدر الرئيس لفهم السياسات الخارجية، في حين يرى 54% أن نقص المعلومات الدقيقة يحد من قدرتهم على اتخاذ مواقف سياسية مستنيرة، وفي السياق ذاته، حذرت منظمة فريدوم هاوس في تقريرها السنوي لعام 2025 من أن تقييد تدفق المعلومات في القضايا الأمنية والعسكرية يؤدي إلى تآكل تدريجي في الثقة العامة بالمؤسسات، خاصة عندما يشعر المواطنون بأن المعلومات يتم حجبها أو التحكم بها بشكل مفرط.
كما تمتد الأبعاد الإنسانية لهذه الأزمة إلى الجنود وعائلاتهم، الذين يعتمدون أيضاً على الإعلام للحصول على صورة واضحة حول طبيعة المهام العسكرية وظروفها، ويؤكد خبراء الإعلام أن غياب التغطية المستقلة يقلل من نقل معاناة الأفراد المتأثرين بالنزاعات، سواء داخل الولايات المتحدة أو في مناطق العمليات، ما يضعف التعاطف العام ويحد من الضغط الشعبي باتجاه سياسات أكثر إنسانية.
تداعيات على الصحفيين ميدانياً
أدت القيود الجديدة إلى تغييرات جذرية في بيئة عمل الصحفيين داخل البنتاغون، حيث أصبح الحصول على المعلومات يتطلب إجراءات بيروقراطية معقدة وموافقات متعددة، ما يعرقل سرعة التغطية ويؤثر في دقة الأخبار، وأفاد عدد من الصحفيين، في شهادات نشرتها لجنة حماية الصحفيين عام 2025، بأن فقدان الاعتماد الصحفي لم يعد مجرد احتمال إداري، بل أصبح تهديداً حقيقياً يلاحق العاملين في تغطية الشؤون العسكرية، خاصة مع غموض المعايير التي يتم على أساسها منح أو سحب التصاريح.
ووفقاً لتقرير لجنة حماية الصحفيين، فقد تم تسجيل أكثر من 40 حالة تقييد وصول أو تهديد بسحب الاعتماد لصحفيين يعملون في مؤسسات إعلامية كبرى خلال عام 2025، وهو رقم يعكس تصاعد الضغوط المهنية، كما أشار التقرير إلى أن هذه البيئة دفعت بعض الصحفيين إلى ممارسة رقابة ذاتية، عبر تجنب تناول موضوعات حساسة أو تأجيل نشر معلومات خشية فقدان الوصول إلى المصادر.
وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة لمعهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد أن 37% من الصحفيين الذين يغطون الشؤون الحكومية في الولايات المتحدة أفادوا بأنهم واجهوا ضغوطاً مباشرة أو غير مباشرة للتأثير في محتوى تغطياتهم خلال العام نفسه، ويرى خبراء أن هذه الظاهرة تمثل تحولاً خطِراً، إذ تؤثر في استقلالية الصحافة وتضعف دورها الرقابي على المؤسسات العسكرية.
تزامنت القيود مع تصاعد التوترات الدولية، ومنها التدخلات العسكرية الأمريكية في مناطق مختلفة وأكد القاضي في حكمه أن هذه الظروف تزيد من أهمية وجود صحافة حرة، قادرة على نقل وجهات نظر متعددة، لضمان شفافية القرارات الحكومية.
نماذج أكثر انفتاحاً
عند المقارنة مع بعض الديمقراطيات الغربية يلاحظ أنها تعتمد نماذج أكثر انفتاحاً في التعامل مع الصحافة داخل المؤسسات العسكرية، حيث يتم تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحق الجمهور في المعرفة من خلال آليات واضحة وشفافة، ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، يسمح للصحفيين بالوصول إلى وزارة الدفاع ضمن نظام الإحاطة المفتوحة مع فرض قيود محددة ومعلنة تتعلق بالمعلومات السرية فقط، في حين تعتمد ألمانيا نموذجاً يتيح للصحفيين حضور المؤتمرات الصحفية العسكرية بشكل منتظم دون قيود واسعة على الحركة.
ووفقاً لتقرير مراسلون بلا حدود لعام 2025، تحتل دول مثل النرويج والسويد وهولندا مراتب متقدمة في مؤشر حرية الصحافة، حيث تضمن سياسات هذه الدول وصولاً واسعاً للصحفيين إلى المعلومات الحكومية، ومنها القضايا الدفاعية، مع وجود قوانين صارمة تحمي حق الحصول على المعلومات، ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة، التي جاءت في المرتبة 45 عالمياً، تشهد تراجعاً ملحوظاً مقارنة بهذه الدول، خاصة فيما يتعلق بالشفافية في المؤسسات الأمنية.
كما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها حول الحوكمة المفتوحة لعام 2025 أن الشفافية في المؤسسات العسكرية تُعد عاملاً أساسياً في تعزيز الثقة العامة، وأن القيود المفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ومنها انتشار المعلومات غير الدقيقة أو الاعتماد على مصادر غير رسمية، ويرى مراقبون أن السياسات الأمريكية الأخيرة تتجاوز النماذج المعمول بها في الديمقراطيات الأخرى، من حيث اتساع نطاق القيود وتأثيرها المباشر في العمل الصحفي.
بينما يمثل الحكم القضائي خطوة نحو إعادة التوازن بين الأمن القومي وحرية الصحافة، فإن استمرار الجدل حول هذه السياسات يعكس أزمة أعمق تتعلق بعلاقة السلطة بالإعلام في الولايات المتحدة، ومع توقع استئناف الحكومة للقرار، تبقى حرية الصحافة في اختبار جديد، وسط دعوات محلية ودولية لضمان حماية هذا الحق الأساسي.

