مايكل مانسفيلد*
كم من تراجعات سياسية من جانب حزب العمال يلزم لتشكيل دائرة كاملة؟ كم من هذه التراجعات يلزم لتشكيل ثقب أسود؟ ثقب أسود تسحق فيه المصلحة العامة والولاء الحزبي إلى حد اللاعودة.
إن التراجع عن القرارات الجوهرية في لمح البصر له عواقب وخيمة على نزاهة الحكومة والديمقراطية على حد سواء، والمثال الأخير، والمثير للدهشة، هو القرار المذهل بالسماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد الجوية البريطانية في حرب غير شرعية على إيران.
على الأقل ما زلنا نملك هيئات محلفين، أليس كذلك؟ حسناً، بالكاد.. هيئات المحلفين التي كانت تحظى بتقدير كبير من قبل ما يسمى بالمصلحين السياسيين، هي أحدث ركيزة أساسية للديمقراطية يتم التخلي عنها لأسباب زائفة وانتهازية من قبل هذا الشكل التعسفي والمتقلب من الحكم الحكومي.
لقد تم تطوير نظام هيئة المحلفين الجنائية الإنجليزية وصقله على مدار ثمانية قرون، أصبحت هيئة المحلفين محط أنظار العالم باعتبارها من أكثر الطرق عدلاً لتحديد البراءة أو الإدانة.. وطالما اعتبرت هيئة المحلفين، المؤلفة من 12 فرداً يتم اختيارهم عشوائياً، حصناً منيعاً ضد تجاوزات الحكومة، والتهديدات التي تشكلها التشريعات القمعية على حقوق الإنسان الأساسية، وبالطبع ضد الحكم التعسفي، فهي توفر ضمانة دستورية وديمقراطية لا مثيل لها.
لم تطعن هذه المبادئ خلال النقاش الدائر حالياً حول مقترحات حكومة حزب العمال لخفض عدد المحاكمات أمام هيئة المحلفين إلى النصف.. لا يعود هذا الإجراء إلى عدم كفاءة هيئات المحلفين أو إلى كونها غير عادلة بطبيعتها، بل على العكس تماماً: فهيئات المحلفين تتمتع بالضمير الحي، وتصدر أحكاماً قد لا تروق للحكومة، ما يعكس إحساساً بالعدالة والإنصاف.
لنأخذ على سبيل المثال النظام العام وحرية التعبير، فقد سارعت هذه الحكومة، والحكومات السابقة من حزب المحافظين، إلى سن عدد كبير من القوانين التي تقيد الحقوق في الاحتجاج والتجمع والمسيرات والمظاهرات، ورفع اللافتات التي تدافع عن هيئات المحلفين..ومع ذلك، في الوقت نفسه، تُظهر هيئات المحلفين هذه سجلاً مشرفاً في تبرئة أعداد كبيرة من المتهمين بمثل هذه الجرائم.
في الواقع، هذا هو جوهر مثال السيد بوشيل الشهير من عام ١٦٧٠، والذي يخلد ذكراه بلوحة معروضة بشكل غير ملحوظ في الطابق الأرضي من محكمة أولد بيلي.. كان هو وزملاؤه المحلفون يحاكمون اثنين من الكويكرز (ويليام بن وويليام ميد) بتهمة الإخلال بالنظام العام في ذلك العصر، وهي “التجمع غير القانوني”.. لقد خالفا قانون التجمعات الدينية غير الرسمية الذي كان يحظر التجمعات الدينية غير الرسمية.. حاول القاضي إقناع هيئة المحلفين بإدانتهما، لكنهما رفضا ذلك بشدة رغم سجنهما دون توفير الاحتياجات الأساسية.
يعد نظام هيئة المحلفين ركيزة أساسية للحفاظ على ثقة الجمهور في كيفية إقامة العدل، ظل الإبقاء على المحاكمات أمام هيئة المحلفين ركيزة أساسية لأنصار الإصلاح القضائي حتى وقت قريب، حين حدث تحول جذري مفاجئ ضد هيئات المحلفين، وهو تحول غاب بشكل ملحوظ عن برنامج حزب العمال لعام 2024.
لنأخذ ديفيد لامي، نائب رئيس الوزراء ووزير العدل، مثالاً، فقد كان معارضاً بشدة لإلغاء هيئة المحلفين، لدرجة أنه غرد في 20 يونيو 2020: “المحاكمات أمام هيئة المحلفين جزء أساسي من نظامنا الديمقراطي.. المحاكمات الجنائية بدون هيئة محلفين فكرة سيئة.. على الحكومة أن تتحرك بسرعة وتستحوذ على مبانٍ شاغرة في أنحاء البلاد لضمان إمكانية إجراء هذه المحاكمات بطريقة آمنة.. لا يمكن معالجة تراكم القضايا بمحاكمات ينظر إليها على نطاق واسع على أنها غير عادلة”.
يقترح لامي الآن عكس ذلك تماماً، أيْ محاكمات أمام قاضٍ فقط في الجرائم التي يرجح أن تستوجب عقوبة تقل عن ثلاث سنوات.. هذه الجرائم ليست بالضرورة بسيطة، بل قد تشمل السرقة والاحتيال والإيذاء والسطو.. الأمر لا يقتصر على الأحكام فحسب، بل يشمل أيضاً سمعة المتهمين.
ثَمَّ خطر حقيقي لتزايد حالات الإجهاض القضائي عندما تدار المحاكمات من قبل قضاة متشددين متشبثين بقضايا سابقة، دون ضمانة هيئة محلفين متنوعة.. إضافة إلى ذلك، سيثقل كاهل القضاة المنفردين بمهمة شاقة تتمثل في صياغة حكم مسبب يبين الأدلة والقانون والنتائج والحكم النهائي.. وهذا سيؤدي حتماً إلى تأخير كبير في نهاية المحاكمة.
فما هو الأساس المعقول والمشروع لمثل هذا التغيير الجذري؟ التبرير المزعوم هو تراكم القضايا الجنائية بشكل صادم، والذي يتجاوز 80 ألف قضية، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 100 ألف بحلول عام 2028.
لم يقدم أي دليل أو رابط سببي يدعم منطق الحكومة في أي مرحلة، ومنه النقاش الأخير حول القراءة الثانية لمشروع قانون المحاكم والهيئات القضائية، إن الرأي العام، وخاصة ضحايا الجريمة، يتعرضون لتضليل خطير.
درس معهد الحكم مقترحات الحكومة بتفصيل دقيق، وخلص إلى أن أي تحسن في معالجة تراكم القضايا سيكون غير مؤكد، وقد أعرب برايان ليفيسون الذي أجرى المراجعة المستقلة الأخيرة لنظام العدالة الجنائية، عن شكوك مماثلة في ملخص تقريره، بل وذهب إلى حد القول: “إن السبب الأهم (للأزمة) هو النقص المزمن في التمويل في كل مرحلة”.
هناك نقص كبير في الاستثمار على مدى عقود في بنية العدالة الجنائية: المباني، والموظفين، والدعم القضائي، وتوفير المساعدة القانونية. وفي مراكز المدن الكبرى ظلت المحاكم خاوية بسبب تحديد ساعات عمل القضاة.
ليست هذه المرة الأولى التي تبذل فيها محاولات لتقليص صلاحيات هيئات المحلفين، ففي وقت من الأوقات كان يعتقد أن أفراد الطبقات الثرية فقط هم المؤهلون للخدمة في هيئة المحلفين، ومؤخراً ظهرت دعوات لفرض نوع من المؤهلات الفكرية على أعضاء هيئة المحلفين في القضايا المعقدة بشكل خاص، وهناك أيضاً افتراض قانوني متعالٍ مفاده أن المواطنين العاديين غير قادرين على التركيز لفترات طويلة.
لقد فند المحلفون في تحقيقات هيلزبره هذه المفاهيم الخاطئة بشكل قاطع، فقد انعقدت جلساتهم لما يقارب عامين، بين مارس 2014 وأبريل 2016، وأصدروا 14 استنتاجاً سردياً مفصلاً ومنطقياً (كانت تعرف سابقاً بالأحكام)، شكلت رفضاً قاطعاً لموقف حكومة تاتشر الذي ألقى باللوم على المشجعين.
يتم التضحية بمبدأ مقدس واتخاذه كبش فداء لتفسير فشل النظام بشكل زائف.. رئيس الوزراء يعلم ذلك، ففي عام 1992 كتب: “إن الحق في المحاكمة أمام هيئة محلفين عامل مهم في التوازن الدقيق بين سلطة الدولة وحرية الفرد.. وكلما زاد تقييده، زاد اختلال التوازن”.
*محامٍ في مجال حقوق الإنسان حاصل على لقب مستشار الملكة، وقد مثل عائلة لورانس منذ عام 1993.
نقلا عن الغارديان
