تعود قضية الإيزيديين إلى الواجهة مجدداً بالتزامن مع بدء محاكمة مقاتل سابق في تنظيم داعش أمام القضاء غداً الاثنين في فرنسا بتهم تتعلق بالمشاركة في جرائم إبادة جماعية بحق هذه الأقلية الدينية، في خطوة تعكس استمرار المساعي الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت منذ عام 2014.
وتأتي هذه المحاكمة ولا تزال آلاف العائلات الإيزيدية تعاني من آثار الإبادة الجماعية التي تعرضت لها في العراق وسوريا، وما خلّفته من قتلى ومفقودين ونازحين وناجيات من العبودية الجنسية.
والإيزيديون أقلية دينية قديمة تنتمي إلى منطقة سنجار شمالي العراق وتمتد تجمعاتهم أيضاً إلى سوريا وتركيا وأرمينيا وأوروبا، ويُقدَّر عددهم بنحو 700 ألف شخص في العراق قبل هجوم تنظيم داعش عام 2014، وفق بيانات منظمة الهجرة الدولية.
ويعتنق الإيزيديون ديانة خاصة تجمع عناصر من معتقدات قديمة في بلاد الرافدين والزرادشتية والتقاليد الصوفية، ويعدون أنفسهم جماعة دينية إثنية مستقلة، وقد عاشوا عبر التاريخ في مناطق جبلية معزولة نسبياً، الأمر الذي جعلهم عرضة للاضطهاد في مراحل مختلفة من التاريخ.
الإبادة الجماعية عام 2014
في 3 أغسطس 2014 شن تنظيم داعش هجوماً واسعاً على قضاء سنجار في شمال العراق، حيث كان يعيش نحو 400 ألف إيزيدي.
وخلال أيام قليلة، قُتل الآلاف من الرجال، وتم خطف النساء والأطفال ونقلهم إلى مناطق مختلفة في العراق وسوريا.
وخلص تقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2016 إلى أن ما ارتكبه تنظيم داعش بحق الإيزيديين يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.
كما أكد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن التنظيم اتبع سياسة منظمة تهدف إلى تدمير المجتمع الإيزيدي عبر القتل الجماعي والاستعباد والتهجير القسري.
وتشير تقديرات دراسات أكاديمية وتحقيقات دولية إلى أن نحو 9,900 إيزيدي قُتلوا أو اختُطفوا خلال الأيام الأولى للهجوم، وهو ما يعادل نحو 2.5% من إجمالي سكان الإيزيديين في سنجار آنذاك (دراسة جامعة جامعة ولاية أريزونا المنشورة عام 2017).
جرائم واسعة النطاق
تعرض الإيزيديون لسلسلة من الانتهاكات الممنهجة، ومنها القتل الجماعي للرجال والفتيان في قرى سنجار، واختطاف آلاف النساء والفتيات وبيعهن في أسواق النخاسة، والاستعباد الجنسي والاغتصاب المنهجي، وتجنيد الأطفال قسراً في صفوف التنظيم، والتهجير القسري والنزوح الجماعي، بحسب بيانات مكتب إنقاذ المختطفين الإيزيديين التابع لرئاسة إقليم كردستان العراق.
وأكدت تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش “بين أعوام 2015 و2018” أن آلاف النساء والفتيات الإيزيديات تعرضن للاستعباد الجنسي والبيع في أسواق أقامها تنظيم داعش داخل الأراضي التي كان يسيطر عليها بين عامي 2014 و2017، في إطار سياسة منظمة لاستهداف النساء الإيزيديات.
أرقام الضحايا والمفقودين
وفق بيانات المديرية العامة لشؤون الناجيات في العراق، قُتل أكثر من 5000 إيزيدي خلال الهجوم، واختُطف نحو 6400 شخص بينهم 3,548 امرأة وفتاة و2,869 رجلًا وصبيًا ، حيث تعرّض كثير منهم للاستعباد الجنسي والعمل القسري والتجنيد القسري للأطفال.
وبحسب بيانات مكتب إنقاذ المختطفين الإيزيديين، فقد تمكنت السلطات والمنظمات الإنسانية من تحرير 3,585 مختطفًا حتى عام 2024، بينهم 1,211 امرأة و1,074 فتاة ولا يزال أكثر من 2500 شخص في عداد المفقودين حتى اليوم.
ويشير تقرير لمنظمة Save the Children صدر في 2024 إلى أن نحو 1,300 طفل إيزيدي ما زالوا في عداد المفقودين بعد مرور عشر سنوات على الإبادة، وهو ما يجعل قضيتهم واحدة من أكثر ملفات الأطفال تعقيدًا في النزاعات المعاصرة.
كما ذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن مئات المقابر الجماعية اكتُشفت في سنجار بعد هزيمة تنظيم داعش، ما يشير إلى حجم الجرائم التي ارتُكبت.
نزوح واسع بعد الإبادة
وبعد الهجوم نزح مئات الآلاف من الإيزيديين إلى مخيمات في إقليم كردستان العراق. ورغم مرور سنوات على انتهاء سيطرة داعش في المنطقة، لا يزال عشرات الآلاف منهم يعيشون في المخيمات.
وذكرت منظمة الهجرة الدولية أن أكثر من 180 ألف إيزيدي ما زالوا نازحين بسبب الدمار الذي لحق بمناطقهم، وغياب الاستقرار الأمني والخدمات الأساسية.
ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على الإبادة، ما تزال جهود تحقيق العدالة مستمرة. فقد اعترفت عدة دول وبرلمانات بالإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون، كما بدأت محاكم أوروبية استخدام مبدأ الاختصاص القضائي العالمي لمحاكمة عناصر تنظيم داعش المتورطين في هذه الجرائم.
وفي هذا السياق، تبدأ في فرنسا محاكمة غيابية للمتطرف الفرنسي صبري الصيد المتهم بالمشاركة في الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية بحق الإيزيديين بين عامي 2014 و2016.
ويُعتقد أن الصيد انضم إلى تنظيم داعش في سوريا عام 2014، وكان معروفاً باسم أبو دجانة الفرنسي.
وبحسب قضاة التحقيق، شارك المتهم في سياسة التنظيم القائمة على استعباد النساء الإيزيديات، وارتكب عمليات اغتصاب متكررة بحق أسيرات، إضافة إلى سوء معاملته للأسرى بحرمانهم من الطعام والماء.
وقال باتريك بودوان، محامي رابطة حقوق الإنسان، إن إجراء هذه المحاكمة ضروري حتى في حال الاعتقاد بوفاة المتهم؛ لأن بعض مقاتلي داعش ظهروا مجدداً بعد إعلان وفاتهم.
مواقف المنظمات الدولية
تواصل منظمات دولية المطالبة بتحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، حيث أكدت الأمم المتحدة أن الجرائم المرتكبة بحق الإيزيديين تمثل إبادة جماعية تستوجب الملاحقة الدولية.
ومن جانبها، دعت منظمة العفو الدولية إلى ضمان محاسبة جميع المسؤولين عن جرائم العبودية الجنسية والقتل الجماعي.
كما شددت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية على ضرورة إنشاء آليات دولية فعالة لمحاكمة قادة تنظيم داعش.
ويعمل فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش على جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم التي ارتكبها التنظيم بحق الإيزيديين؛ تمهيداً لاستخدامها في المحاكمات الدولية والوطنية.
مستقبل القضية
رغم مرور أكثر من عقد على الهجوم، لا تزال قضية الإيزيديين مفتوحة على عدة تحديات، أبرزها الكشف عن مصير آلاف المفقودين، إعادة إعمار مناطق سنجار، إعادة دمج الناجيات من العبودية الجنسية في المجتمع، ضمان محاسبة المسؤولين عن الجرائم.
ويرى مراقبون أن المحاكمات الدولية، مثل القضية التي تنظرها المحاكم الفرنسية، قد تشكل خطوة مهمة في مسار العدالة، لكنها تبقى جزءاً من جهود أوسع مطلوبة لضمان الاعتراف الكامل بالإبادة الجماعية وتحقيق العدالة للضحايا.

