جاي راينر*
قد يُنظر إلى خبر استقالة رينيه ريدزيبي من منصب رئيس الطهاة في مطعم نوما الدنماركي الشهير، والذي أُعلن عنه عبر فيديو مؤثر بأسلوب سينمائي واقعي نُشر على إنستغرام يوم الأربعاء، على أنه مجرد دراما محلية عابرة، فقد اضطر رئيس مطعم حائز على ثلاث نجوم ميشلان، ومشهور بالتزامه بالبيئة ودعم المنتجات المحلية، إلى التنحي بعد تقارير نشرتها صحيفة نيويورك تايمز عن سلوكه المسيء تجاه الموظفين.
ولن يتمكن بعد الآن أولئك القلائل المحظوظون الذين يستطيعون تحمل تكلفة تناول وجبة في نوما الكائن حالياً في لوس أنجلوس حيث تبلغ تكلفة الإقامة 1500 دولار للشخص الواحد، من تناول الطعام على يد ريدزيبي نفسه.
لكن الأمر يتجاوز ذلك بكثير، فلم يكن على ريدزيبي التنحي لمجرد أنه كان مديراً سيئاً في الماضي، بل لأنه قدّم نفسه أمام العامة بصورة مناقضة تماماً لشخصيته الحقيقية.
كان رمزاً لحركة عالمية، احتضنها العديد من الطهاة المتميزين المتعطشين للتقدير الأخلاقي، حركة أكدت أنهم لا يكتفون بإعداد العشاء للأثرياء، بل ينخرطون في مهمة لجعل العالم مكاناً أفضل من خلال تقديم قوائم طعام متنوعة.
في عام ٢٠١١، إلى جانب ما يُعرف بـ”مجموعة التسعة” من الطهاة النجوم، ومنهم فيران أدريا الطاهي السابق في مطعم “إل بولي”، ودان باربر من مطعم “بلو هيل آت ستون بارنز”، كان ريدزيبي من أبرز الموقعين على ما يُسمى “إعلان ليما”.
كانت وثيقة عوضت افتقارها للوعي الذاتي بجرعات كبيرة من الطموح الجامح، وجاء فيها: “نحلم بمستقبل يكون فيه الطاهي منخرطاً اجتماعياً، واعياً ومسؤولاً عن إسهاماته في بناء مجتمع عادل ومستدام”.
في الوقت نفسه، يُزعم أن ريدزيبي كان يعتدي بالضرب على الطهاة الذين خيبوا آماله، ويقود طقوساً مهينة في أماكن العمل.
في العام نفسه، أسس ريدزيبي ندوة “ماد”، نسبةً إلى الكلمة الدنماركية التي تعني الطعام، وهي ملتقى حواري للطهاة والناشطين في مجال الغذاء من جميع أنحاء العالم، يُعقد كل صيف في كوبنهاغن.
وُصفت الجلسة الأولى بأنها “مساحة لمناقشة كيف يُمكن لتبني وعي أفضل في المطاعم أن يُؤثر في القرارات اليومية ويُحسّن جودة الاستهلاك والحياة”.
خُصصت ندوة “ماد” الخامسة في عام 2016 تحديداً لكيفية “تحسين المطبخ بوصفه مكان عمل وجعل الطبخ مهنة صحية للأجيال القادمة”.
يبدو أن التأثير كان محدوداً، ففي عام 2020 اتُهم ديفيد تشانغ من مطعم موموفوكو، وهو أحد المتحدثين في ندوة “ماد” الأولى، بـ”التهديدات العنيفة والصراخ” في المطبخ، كما اعترف دان باربر، أحد الموقعين على إعلان ليما، بأنه كان “صارماً جداً مع الطهاة، ومُسيئاً بعض الشيء”.
لكن ذلك كان خلف أبواب المطبخ، التقيت بريدزيبي عدة مرات، قبل وقت طويل من ظهور مزاعم صحيفة نيويورك تايمز. كان ساحراً، وإن كان حاد الطباع.. في غضون ذلك، اعتدنا نحن كتّاب المطاعم على تلقّي ليس فقط قوائم الطعام، بل بيانات مهمة مليئة بعبارات مستوحاة من مطعم نوما حول المجتمع والبيئة.
لم يتبنَّ جميع الطهاة الماهرين خطاب ريدزيبي، فقد وُجّهت انتقادات لتوماس كيلر، صاحب مطعم فرينش لوندري الأسطوري في كاليفورنيا، عام ٢٠١٢ لتصريحه بأنه يُدير مطاعم فاخرة تُقدّم أجود المكونات، وأنه يرفض التركيز على البصمة الكربونية لمطعمه.
أما بالنسبة لمن انخرطوا في هذا الخطاب، فقد كان أداة تسويقية رائعة للشركات التي تعتمد بشكل كبير على العمالة، ما يجعلها غالباً ما تُعاني من صعوبات مالية.
في عام ٢٠٢٢ ذكرت هذه الصحيفة أن مطعم نوما استغلّ عشرات الطهاة الشباب المتحمسين لتجربة سحر ريدزيبي، من خلال منحهم “فترات” تدريب غير مدفوعة الأجر تمتد لأشهر، وهي ممارسة شائعة في العديد من المطاعم الراقية.. بدا أنهم ببساطة لا يستطيعون إنجاح نموذج أعمالهم دون عمالة غير مدفوعة الأجر تقوم بمهام روتينية متكررة.. رداً على ذلك، أعلن مطعم نوما أنه سيبدأ بدفع أجور لمتدربيه.
مع ذلك، على الأقل كانت هناك شركات حريصة على تحسين سمعتها من خلال شراكات تجارية، وقد حظي مشروع نوما الحالي في لوس أنجلوس بدعم من شراكات مع كل من أمريكان إكسبريس وشركة الضيافة بلاكبيرد.. ومنذ انتشار خبر سلوك ريدزيبي، انسحبت الشركتان من المشروع.
بمجرد حدوث ذلك، لم يكن سوى مسألة وقت قبل أن يضطر ريدزيبي نفسه إلى التنحي، في خطابه أمام الموظفين في لوس أنجلوس، والذي أشار فيه إلى أنه سيظل مشاركاً، دعاهم إلى “النضال” من أجل مستقبل مطعم نوما، طالما أصرّ على أن المطعم الذي شارك في تأسيسه قبل 23 عاماً أكبر من مجرد شخص واحد.
لكن الحقيقة هي أنه ليس كذلك، بالنسبة لنوما، بدون ريدزيبي على رأسها، يُعدّ التحدي وجودياً، وفي الوقت نفسه، بالنسبة لأولئك الطهاة وكتاب الطعام ورواد المطاعم الذين آمنوا بفكرة المطعم الراقي بوصفه قوة للخير الأخلاقي، ستترك هذه القضية مرارةً بالغة في نفوسهم.
*كاتب مقالات غطى مواضيع متنوعة من الجريمة والسياسة إلى الفنون والشؤون الاجتماعية، لكنه اشتهر بوصفه ناقد مطاعم، نشر أكثر من اثني عشر كتاباً، ويقدم برنامج “مطبخ مجلس الوزراء” على إذاعة بي بي سي.
نقلا عن فايننشال تايمز
