كان البرلمان البريطاني موحداً في إدانة الهجوم بالسكين الذي وقع في أحد شوارع بلفاست مساء الاثنين، كما توحد أيضاً في إدانة أعمال الحرق والفوضى التي اندلعت الليلة التالية رداً على تلك الجريمة. لكن كان هناك استثناء واحد: نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح، لم يكن حاضراً في قاعة البرلمان.
وبحلول موعد جلسة أسئلة رئيس الوزراء، لم يكن فاراج قد أدلى بأي تعليق حول الأحداث في أيرلندا الشمالية، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لشخص معروف باستعداده الدائم للرد على أي صحفي تقريباً، على الطريقة التي يتبعها دونالد ترامب في التعامل مع الإعلام.
ترك فاراج لنائبه ريتشارد تايس مهمة الحديث باسم الحزب داخل البرلمان، وكان تايس مسؤولاً عن كسر آخر لوحدة النواب. فقد قال: “نحن جميعاً ندين بالطبع العنف المروع في بلفاست الليلة الماضية بعد الهجوم المروع يوم الاثنين، لكن…”
وأي تصريح يتبعه حرف الاستدراك “لكن” لا يمكن اعتباره إدانة كاملة وحاسمة. فهذا يعني أن تايس لم يدن بشكل قاطع أعمال الشغب التي وقعت رداً على الجريمة الأصلية.
بل انتقل بعدها للقول إن “رئيس الوزراء يعيش حالة إنكار أمام اليأس المتزايد في البلاد بسبب فشله في وقف القوارب (في إشارة إلى قوارب المهاجرين عبر القنال الإنجليزي) والجريمة المرتبطة بها، وفشله في الاعتراف بوجود شرطة تتعامل بمعايير مزدوجة”.
لكن القضية هنا ليست فقط مسألة “الشرطة ذات المعايير المزدوجة”، بل إن حزب الإصلاح نفسه قدم رداً مزدوجاً على العنف؛ إذ يبدو أن بعض أشكال العنف أكثر قابلية للتبرير من غيرها وفقاً لمنطق الحزب.
والإيحاء بأن الهجوم الذي يُزعم أن منفذه لاجئ سوداني، كان نتيجة لفشل كير ستارمر في وقف قوارب الهجرة، هو ببساطة ادعاء خاطئ؛ فالمتهم لم يصل إلى بريطانيا عبر قارب صغير، وتشير التقارير إلى أنه وصل إلى المملكة المتحدة قبل تولي حزب العمال السلطة.
بل إن تفاصيل وصوله إلى بلفاست تجعل من الصعب على أي حزب سياسي رئيسي محاولة استغلال الهجوم لتحقيق مكاسب سياسية. فالتقارير تشير إلى أنه انتقل إلى أيرلندا الشمالية قادماً من فرنسا مروراً بجمهورية أيرلندا، وأنه حصل على وضع لاجئ خلال فترة حكومة المحافظين، عندما كانت سويلا برافرمان وروبرت جينريك، وهما الآن من أعضاء حزب الإصلاح، يشغلان منصبي وزيرة الداخلية ووزير الهجرة.
لكن هذه التفاصيل لم تمنع فاراج وتايس من محاولة، كما قال رئيس الوزراء، “إثارة الخوف والانقسام”.
ورغم أن فاراج التزم الصمت بشكل غير معتاد هذه المرة، فإنه كشف عن موقفه الحقيقي الأسبوع الماضي عندما دعا إلى أن يكون الرد على هجوم آخر بالسكين تورط فيه شخص غير أبيض، وهو حادث الطعن المميت لهنري نواك، قائماً على “غضب بارد خالص”.
وفي الوقت نفسه كرر زيا يوسف المتحدث باسم حزب الإصلاح لشؤون الداخلية الرسالة نفسها التي نشرها إيلون ماسك، مالك منصة “إكس”، بشأن مقتل نواك، قائلاً: “الرعب الذي شاهدتموه في بلفاست هو نتيجة مباشرة لسياسات الهجرة الخائنة التي انتهجها المحافظون والعمال”.
وهذا الخطاب غير مسؤول، ومحرض، وغير صحيح. فزيا يوسف يدرك جيداً أنه من المستحيل تعميم الأحكام انطلاقاً من حالات فردية، كما أن الأشخاص غير البيض في بريطانيا أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا للقتل مقارنة بالبيض.
لكن فاراج وتايس ويوسف يواجهون ضغوطاً من أقلية أكثر تطرفاً على يمينهم السياسي. فهم يشعرون بالقلق من أن حزب “استعادة بريطانيا” (Restore Britain) الذي أسسه النائب السابق عن حزب الإصلاح روبرت لو، والمدعوم من إيلون ماسك، بدأ يسحب منهم الأصوات، وربما يحصل على ما يكفي من الدعم لمنعهم من تحقيق الفوز في الانتخابات الفرعية في ماكيرفيلد.
يحاول فاراج ولو تقديم نفسيهما باعتبارهما المدافعين عن “القيم البريطانية”، ويزعمان أن الأحزاب التقليدية أضعفت هذه القيم. لكن هذا الادعاء لا يستند إلى حقيقة.
فواحدة من أهم القيم البريطانية الأساسية هي أن الرد على العنف يكون عبر العدالة، وليس عبر المزيد من العنف.
لا يمكن أن تكون هناك استثناءات أو “لكن”، ولا يمكن أن توجد مستويات مختلفة من الإدانة. العنف خطأ، والعنف رداً على العنف خطأ أيضاً، وعلى فاراج ولو أن يقولا ذلك بوضوح.
*نقلاً عن الإندبندنت
