منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضمن فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان

من الفقر إلى قيود المجتمع المدني.. معادلة التنمية والحريات في الاستعراض الدوري لرواندا

16 يونيو 2026

انطلقت في مقر منظمة الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية  أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، والتي تستمر حتى 10 يوليو 2026.

وتكتسب هذه الدورة زخماً خاصاً بالنظر إلى حزمة الملفات والوثائق المدرجة على جدول أعمالها، لا سيما تلك المتعلقة بالبند السادس المعني بآلية الاستعراض الدوري الشامل، والتي توثّق بشكل مفصل حصاد المراجعة الحقوقية والسياسية والاقتصادية الشاملة التي خضعت لها مجموعة من الدول منها جمهورية رواندا.

ويجسد هذا التقرير الأممي الرفيع نتاجاً لمداولات ونقاشات موسعة جرت داخل أروقة الفريق العامل، وشهدت مشاركة واسعة النطاق من ممثلي مئة دولة من مختلف قارات العالم، حيث تبارت الوفود الدولية في تقديم قراءاتها وتقييماتها مشفوعة بحزمة من التوصيات والملحوظات الهيكلية الموجهة إلى الحكومة الرواندية لتقويم وتطوير بنيتها الحقوقية والمؤسسية.

تظهر الوثائق الرسمية أن الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل لرواندا قد عقد دورته الحادية والخمسين في المقر الأممي بجنيف خلال الفترة من 19 إلى 30 يناير من عام 2026.

وفي هذا السياق، خُصصت الجلسة الخامسة للفريق العامل، المنعقدة بتاريخ 21 يناير 2026، لاستعراض ومناقشة الحالة الحقوقية والسياسية لرواندا بشكل دقيق ومعمق.

قاد البعثة والوفد الرواندي الرسمي في هذه المداولات وزير العدل والمدعي العام للدولة، الدكتور إيمانويل أوغير اشبوجا، الذي تولى بنفسه مسؤولية عرض وتقديم التقرير الوطني لبلاده والدفاع عن السياسات العامة المنتهجة، وعقب جولات من النقاش المستفيض، اعتمد الفريق العامل التقرير الختامي المتعلق برواندا رسمياً في جلسته الرابعة عشرة، والتي عُقدت في 30 يناير 2026.

يذكر أن مجلس حقوق الإنسان كان قد شكل في 8 يناير 2026 فريق المقررين، أو ما يعرف بالمجموعة الثلاثية، المعني بتيسير عملية استعراض رواندا، وضمت هذه المجموعة ممثلين عن ثلاث دول هي دولة إكوادور، ودولة ملاوي، وجمهورية الصين الشعبية.

الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية

أكد اشبوجا، أمام اللجنة الأممية أن رواندا تولي آلية الاستعراض الدوري الشامل أهمية استراتيجية بالغة، وتعتبرها أداة محورية لتعزيز كفاءة المؤسسات الوطنية وتطويرها، واستعرض الوفد جملة من المؤشرات والإصلاحات الهيكلية والاقتصادية والاجتماعية التي تم إنجازها على أرض الواقع، حيث سجلت الدولة انخفاضاً ملحوظاً في المعدل الوطني العام للفقر، إذ هبط من 39.8% في عام 2017 إلى 27.4% في عام 2024، وهو ما أسفر عملياً عن انتشال نحو 1.5 مليون مواطن رواندي من دائرة الفقر.

كما انخفضت نسبة الفقر المدقع في البلاد بشكل حاد لتصل إلى 5.4% مقارنة بـ11.3% خلال الفترة الزمنية ذاتها، وفي إطار تنفيذ الرؤية التنموية لعام 2020، استفاد نحو مليون و244 ألف شخص من المنتمين للأسر الأكثر ضعفاً وهشاشة من تحويلات نقدية شهرية مباشرة وغير قائمة على الاشتراكات.

وعلى صعيد قطاع الصحة والوظائف الخضراء، أطلقت الحكومة الرواندية في عام 2023 مبادرة وطنية تحت اسم 4*4 تستهدف تعزيز قطاع الرعاية الصحية وتطويره عبر مضاعفة إجمالي عدد العاملين في المهن الطبية والصحية بمعدل أربع مرات خلال أربع سنوات فقط.

وفي الوقت ذاته، قدّم الصندوق الأخضر الرواندي الدعم المالي واللوجيستي لستة وأربعين مشروعاً تنموياً وبيئياً على مدار العقد الماضي، ونجحت هذه المشاريع في توليد 176 ألف وظيفة خضراء، فضلاً عن تمكين 120 ألف شخص من التكيف مع التداعيات والضغوط الناجمة عن التغير المناخي.

كما شهدت المراجعة الأممية تسليط الضوء على سلسلة من الإجراءات الإدارية والتشريعية الصارمة التي اتخذتها السلطات الرواندية في الداخل، والتي مست قطاعات حيوية ومؤثرة في البنية الاجتماعية للبلاد، فقد نفذت السلطات في شهر يوليو من عام 2024 حملة تفتيشية واسعة النطاق شملت مختلف أنحاء البلاد، وبررتها بمعالجة المخاوف المتعلقة بسلامة البنية التحتية وضبط الممارسات غير المرخصة.

وأسفرت هذه الحملة عن الإغلاق المؤقت لزهاء 8 آلاف دار عبادة، ولإحدى وعشرين منظمة دينية، كما قررت السلطات الإغلاق التام والنهائي لـ43 منظمة دينية غير مسجلة كانت تتولى إدارة 189 دار عبادة غير مرخصة قانوناً، أما في ما يتعلق بقانون المنظمات غير الحكومية، فقد تقدمت 394 منظمة محلية بطلبات رسمية لتسوية أوضاعها وتسجيلها بموجب أحكام القانون رقم 058 لعام 2024 المنظم لعمل هذه الهيئات، وحصلت 133 منظمة منها فقط على التسجيل الرسمي والنهائي حتى حدود تاريخ العاشر من يناير 2026.

التوصيات الموجهة لرواندا

أظهرت جلسات النقاش تبايناً واضحاً في مواقف الوفود الدولية، حيث انقسمت ردود الفعل بين الإشادة بالخطط التنموية وبين الإعراب عن القلق إزاء الحريات العامة.

وبادرت وفود دول متعددة، من بينها جمهورية الصين الشعبية والمملكة المغربية وجمهورية مصر العربية، بالإشادة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية لرواندا وجهودها في دعم الفئات الضعيفة وتوفير شبكات الأمان الاجتماعي.

وفي المقابل، أعربت وفود دول أخرى مثل النرويج، وأستراليا، وألمانيا، وأيرلندا عن قلقها البالغ بشأن التقارير المرفوعة التي تشير إلى فرض قيود على أنشطة المجتمع المدني، وحرية الصحافة والإعلام، واستمرار بعض حالات الاعتقال التعسفي.

وفي إطار التوصيات الهيكلية للمستقبل، أوصى مندوبا النرويج والمكسيك الإدارة الرواندية بضرورة الإسراع في التصديق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، كما قدم مندوبا كندا ومملكة هولندا توصية مباشرة تطالب بمراجعة القانون رقم 058 لعام 2024 المنظم للمنظمات غير الحكومية، لضمان عدم فرض قيود تعسفية على أنشطة المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان.

رد رواندا

وفي رد فعلها الرسمي، تعهدت بعثة جمهورية رواندا وفريقها القانوني والسياسي برئاسة وزير العدل بمراجعة كل هذه الملاحظات والتوصيات بدقة، وإخضاعها لمسار مشاورات وطنية موسعة تشمل الأطراف الفاعلة في الداخل.

وأكد الوفد الرواندي أن بلاده تتعامل بجدية كاملة مع هذه المخرجات، على أن تقوم بتقديم ردودها الرسمية والنهائية والتفصيلية حول قبول أو رفض هذه التوصيات في موعد أقصاه انعقاد أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان بجنيف.