منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

إدارة ترامب تطرح أسلوباً جديداً لإذلال مهنة المحاماة

14 مارس 2026

ديبورا بيرلشتاين*

بالنسبة للرؤساء، عموماً، لا يُعدّ الكذب مخالفاً للقانون، أما بالنسبة للمحامين الذين يسعون لتحقيق أجندة الرئيس، فالوضع مختلف تماماً.. كغيرهم من المحامين المرخص لهم بممارسة المهنة في الولايات المتحدة، فإن انتهاك قواعد أخلاقيات المهنة يُعرّضهم لعقوبات قضائية أو تأديبية، قد تصل إلى حدّ سحب ترخيص مزاولة المهنة نهائياً.
وقد فشلت محاولات إلغاء انتخابات عام 2020 في المحاكم أكثر من 60 مرة، أمام قضاة من كلا الحزبين، ويعود ذلك جزئياً إلى أن المحامين الذين ترافعوا في قضية الرئيس ترامب كانوا يخشون غالباً من قول الأكاذيب الفاضحة نفسها التي كان يروجها للشعب الأمريكي.
كان ذلك في الماضي، أما الآن، وتحت ضغط تجاهل مجموعة من قواعد السلوك المهني، استقال عدد كبير من محامي وزارة العدل، مفضلين فقدان وظائفهم مقابل الحفاظ على مسيرتهم المهنية.. وبين هذه الاستقالات وحملة تطهير طالت أعضاء الهيئة القانونية الذين يُنظر إليهم على أنهم غير موالين بما فيه الكفاية لأجندة الرئيس، فقدت الوزارة آلاف المحامين.
ويتضح ذلك جلياً: فالمذكرات القانونية مليئة بالأخطاء، ويحضر المحامون إلى المحكمة غير مستعدين بشكل كافٍ، والأسوأ من ذلك، أن أوامر المحكمة تُنتهك، ويبدو في بعض الحالات أن السبب هو عدم توفر عدد كافٍ من المحامين لضمان تنفيذها.

ولسد هذه الشواغر، أبدت الوزارة جهوداً حثيثة ومتزايدة لاستقطاب محامين جدد (ورد أن إحدى كليات الحقوق المحافظة نصحت طلابها: “لا تخافوا من شرط كشف الدرجات، فالمعدل التراكمي ليس عاملاً حاسماً”)، ومع ذلك، يبدو أن عدداً قليلاً جداً من المحامين مستعدون للمخاطرة.. لذا قدمت إدارة ترامب الأسبوع الماضي حلاً مختلفاً: قاعدة مقترحة تهدف إلى حماية محامي وزارة العدل من تحقيقات السلوك المهني المستقلة.

سيُخالف هذا الترتيب قانوناً فيدرالياً يُعرف بتعديل ماكديد الذي ينص على خضوع المحامين الحكوميين لقواعد السلوك المهني في الولايات التي يمارسون فيها المهنة، “بنفس القدر وبنفس الطريقة” التي يخضع لها أي محامٍ آخر مرخص له في الولاية.
وسيتم الطعن في القاعدة المقترحة أمام المحكمة فور دخولها حيز التنفيذ، لكن ينبغي ألا تصل إلى هذه المرحلة، فهي لن تقتصر على منح محامي الوزارات حصانةً مطلقةً للكذب نيابةً عن الرئيس، بل ستُقيّد بشدة قدرة المحاكم على ممارسة أي نوع من الرقابة المستقلة على السلطة التنفيذية.

وقد اعتمدت جميع الولايات ومقاطعة كولومبيا قواعد تلزم المحامين بالعمل بوصفهم موظفين نزيهين في المحكمة، وتخدم هذه القواعد أغراضاً عديدة بدءاً من الحق الأساسي في العدالة، كما تُعد هذه القواعد بالغة الأهمية لاستقلال المحاكم التي تعتمد على الوصول إلى أدلة موثوقة وتمثيلات دقيقة من قِبل المحامين.

وتؤدي هذه القواعد دوراً بالغ الأهمية في الديمقراطيات الدستورية التي تتميز عن الأنظمة الاستبدادية جزئياً بإصرارها على أن الحقيقة والزيف منفصلان عما قد تدعيه الحكومة.. إن الحقائق، شأنها شأن القانون، تُقيّد سلطة الحكومة.
وفي مواجهة استراتيجية التضليل الإعلامي التي يبدو أن الإدارة الحالية تُفضّلها، يُمكن للمحامين والقضاة المُلزمين بواجبات قانونية ومهنية واجتماعية تُلزمهم بالعمل في عالم قائم على الواقع، أن يُشكّلوا سداً حاسماً.

وقد أمضى محامو إدارة ترامب المتبقون العام الماضي في اختبار هذا السد، مُراكمين سجلاً مُذهلاً من الإفادات الكاذبة تحت القسم، وحجب المعلومات، والشهادات المُتناقضة، وغير ذلك.
وقد انتقد قضاةٌ عُيّنوا من قِبل رؤساء من كلا الحزبين مراراً وتكراراً محامي وزارة العدل لإخفاقاتهم، مُوبّخين إياهم على إهدار الموارد القضائية في بعض القضايا، ومُهدّدين إياهم بالعقوبات في قضايا أخرى.
وقد تضررت سمعة الوزارة في قول الحقيقة إلى حدٍّ كبير، كما أشار أحد القضاة بيأس، لدرجة أن “المحكمة لم تعد تثق” في أن محامي الحكومة “يُمكن الوثوق بهم في قول الحقيقة بشأن أي شيء”.

بموجب القاعدة المقترحة يُمكن للنائب العام أن يطلب من أي جهة تأديبية مستقلة تعليق إجراءات الأخلاقيات ضد محامٍ في وزارة العدل (تحت طائلة التهديد باتخاذ إجراءات إنفاذ غير محددة) وإحالة الأمر إلى مكتب المسؤولية المهنية التابع للوزارة.. إلا أن مراجعة هذا المكتب لا تُغني عن تحقيق نقابة المحامين في الولاية.. فحتى قبل عهد ترامب، كان المكتب الذي يتبع لمسؤول مُعيّن سياسياً، معروفاً بتكتمه الشديد، حيث نادراً ما تُنشر تفاصيل نتائج التحقيق.

نشأ مكتب المسؤولية المهنية بوصفه حلاً وسطاً، بهدف تجنب الدعوات لإجراء إصلاحات جذرية في وزارة العدل، بعد أن اتضح مدى تورط العديد من محاميها في فساد الرئيس ريتشارد نيكسون، ولم يسبق له أن مُنح صلاحية استدعاء شهادات أو معلومات من خارج الوزارة.

وفي الوقت الراهن، لا يوجد له رئيس، وهذا يترك الأمر لنائب المدعي العام تود بلانش الذي أعلن مؤخراً أن الإدارة في “حرب” مع المحاكم الفيدرالية، ليُدير أي تقييم داخلي بالسرعة التي يراها مناسبة.

إن نظام التأديب في نقابات المحامين في الولايات بعيد كل البعد عن الكمال، فقد تستغرق الإجراءات سنوات، وتتردد بعض هيئات النقابات في التحقيق مع محامي إدارة ترامب.. وحتى أنظمة التأديب التي تتحلى بالشجاعة للمضي قدماً قد تجد صعوبة في التعامل مع العدد الهائل من محامي الإدارة الذين ثبت كذبهم.

ومع ذلك -إلى جانب عوامل الردع الأخرى كالمحاكم نفسها وحرص المحامين على سمعتهم- يبقى خطر التأديب من قبل نقابات المحامين في الولايات أداة بالغة الأهمية لحماية نزاهة المحاكم الفيدرالية في كشف الحقيقة، ولا عجب أن الإدارة مصممة على ملاحقتهم.

إنّ التحرك ضد نقابات المحامين في الولايات يندرج ضمن استراتيجية الإدارة الأوسع نطاقاً ضد الجامعات ووسائل الإعلام وشركات المحاماة، أي مجموعة من المؤسسات القادرة على تحدي سلطة الرئيس، وقلّما يهددها شيء أكثر من محاسبتها على الحقيقة.

 

* هي مديرة برنامج برينستون للقانون والسياسة العامة، وأستاذة زائرة في كلية برينستون للشؤون العامة والدولية.

نقلا عن نيويورك تايمز