منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

الحكومة الأمريكية استهدفتني بسبب آرائي

12 مارس 2026

محمود خليل

الحكومة الأمريكية استهدفتني بسبب آرائي السياسية.. قد يحدث هذا لك أيضًا.

قبل ثلاث سنوات، جئت إلى الولايات المتحدة بوصفي طالب دراسات عليا، عازمًا على دراسة الشؤون العامة والدولية في جامعة كولومبيا، مع التركيز على الخدمة العامة، ومثل كثيرين ممن قدموا إلى هنا من مختلف أنحاء العالم، كنت أتصور الولايات المتحدة أرض الحرية، مكانًا تُصان فيه حرية التعبير، ومكانًا أستطيع فيه الدراسة بحرية، ظننت أنها المكان الذي أستطيع فيه الدفاع عما أؤمن به دون خوف من انتقام الحكومة.

في الثامن من مارس 2025 تحطمت تلك الرؤية.. اقتادني عدد من عناصر إدارة الهجرة والجمارك بملابس مدنية، في سيارات غير مميزة، من ردهة مبنى سكني في نيويورك، دون مذكرة تفتيش، وألقوا بي على متن طائرة إلى مركز احتجاز فيدرالي في لويزيانا.

وبصفتي حاملًا للبطاقة الخضراء، وزوجتي مواطنة أمريكية -وكانت حاملًا في شهرها الثامن آنذاك- لم أصدق ما يحدث، استُهدفتُ من قِبل الحكومة بسبب خطابي المشروع الداعم للحقوق الفلسطينية، واحتجاجي على استخدام أموالي من الضرائب ورسوم دراستي الجامعية لدعم الاحتلال الإسرائيلي.

طوال فترة احتجازي الفيدرالي التي دامت 104 أيام، والتي غبتُ خلالها عن ولادة طفلي الأول، اعتبرتُ نفسي سجينًا سياسيًا.. سلبتني الحكومة حريتي، لا لارتكابي أي مخالفة قانونية، بل لأنها لم تُعجبها آرائي.

بعد أن طعنتُ في قرار احتجازي وفي قرار وزير الأمن الداخلي روبيو بأن آرائي السياسية تُشكّل تهديدًا للسياسة الخارجية، سارعت الحكومة إلى توجيه اتهامات جديدة.. زعموا، دون أي أساس، أنني ارتكبتُ تزويرًا في طلب الحصول على البطاقة الخضراء.. ادعاءات ملفقة لا تستند إلى أدلة، بل بدافع الانتقام.
كشفت أدلة حديثة في المحكمة الفيدرالية أن وزارة الأمن الداخلي نفسها أقرت، قبل يوم من اعتقالي، بعدم وجود أي مشكلات في المعلومات التي قدمتها في طلب البطاقة الخضراء؛ لأن كل شيء كان كاملاً وصحيحًا ودقيقًا، ومع ذلك تم اعتقالي.

لم أكن وحدي، تعرض طلاب وباحثون آخرون يتمتعون بوضع قانوني سليم للهجرة للاستهداف نفسه بالاحتجاز والترحيل رغم عدم ارتكابهم أي جريمة.. أُلقي القبض عليهم من الشوارع على يد عناصر ملثمين، واستُهدفوا خارج منازلهم، ووقعوا في شراك الاعتقال أثناء مواعيد منح الجنسية.
ما حدث لنا هو تحديدًا ما صُمم التعديل الأول للدستور لمنعه: أن تُقرر الحكومة أي الكلام مقبولاً وأي الكلام غير مقبول، بمجرد إضعاف هذه الحماية، يصبح الجميع في خطر.

أقرت المحكمة العليا قبل ثمانين عامًا بأن التعديل الأول يحمينا جميعًا في الولايات المتحدة -مواطنين وغير مواطنين على حد سواء- من اضطهاد الحكومة بسبب معتقداتنا.
إذا سمحنا بانتهاك هذا الحد بالنسبة لغير المواطنين، أو عندما تدعي الحكومة وجود مخاوف تتعلق بالسياسة الخارجية، فسيتم إنشاء سابقة يمكن استخدامها ضدنا جميعًا. حتى المواطنين، حتى الأشخاص الذين يختلفون معي بشدة بشأن فلسطين.

زعمت الحكومة أن على المحاكم الفيدرالية السماح للأشخاص بالبقاء رهن الاحتجاز في مراكز الهجرة لأشهر أو سنوات قبل مراجعة ادعاءات انتهاكات الدستور، وزعمت أن الخطاب المؤيد لفلسطين يشكل تهديدًا للسياسة الخارجية.. زعموا أنني أستحق الترحيل لمجرد أنهم لا يوافقون على أفكاري.. إذا كان بإمكانهم فعل ذلك بمقيم دائم شرعي متزوج من مواطنة أمريكية ولديه طفل حديث الولادة يحمل الجنسية الأمريكية، فلا يمكن التنبؤ بمن سيستهدفون بعد ذلك.

لا يحق للحكومة التحكم في طريقة كلامنا وأفكارنا، وقد دافع المحامون الذين يمثلونني في قضيتي، وغيرهم ممن يواجهون قضايا مماثلة، عن هذه النقطة في المحكمة، وتمكنوا من الحصول على إطلاق سراحنا من الاحتجاز.. لكن قضيتي لا تزال جارية، وقد تصدر إدارة الهجرة التابعة للسلطة التنفيذية قريبًا أمرًا بترحيلي.
لذا، أسأل الأمريكيين مباشرة: هل ترغبون في العيش في بلد يمكن فيه اختطافكم من الشارع على يد عناصر بملابس مدنية لمجرد آرائكم؟
في سوريا الأسد، حيث نشأت في مخيم للاجئين الفلسطينيين، كان هذا أمرًا معتادًا.. منذ بداية عام ٢٠٢٥، شهدت الولايات المتحدة، الدولة التي يكفل دستورها حرية التعبير، تصاعدًا في هذه الممارسات التي كنتُ أربطها سابقًا بالأسد: عمليات اختطاف على يد ضباط بزي مدني دون أوامر قضائية، واعتقال قسري لأشخاص يعبرون عن آراء لا تروق للحكومة، وقمع المعارضة بشكل ممنهج.

سأواصل استخدام منصتي للدفاع عن حقوق الإنسان في فلسطين. لكنني أدعو كل من يقرأ هذه الكلمات إلى استخدام صوته للدفاع عن حقوقنا المكفولة في التعديل الأول للدستور.. إن حقنا في التعبير عن آرائنا، بغض النظر عمن يمسك بزمام السلطة، هو أساس ديمقراطيتنا، وهو في خطر.. ومهما كان رأيك بي أو بآرائي، فإن هذا الأساس ملك لنا جميعًا.

نقلا عن فوكس نيوز