زينب مكي – جنيف
يشكل الحق في الخصوصية أحد الركائز الأساسية لحقوق الإنسان في العصر الرقمي، إذ يضمن حماية الأفراد من أي تدخل غير مبرر في حياتهم الشخصية، سواء من قبل الحكومات أو الشركات أو أي جهة ثالثة.
ومع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية وانتشار جمع البيانات على نطاق واسع، أصبح هذا الحق يواجه تحديات غير مسبوقة، خصوصًا مع تتبع السلوك الرقمي للأفراد عبر الإنترنت، وتحليل بياناتهم الشخصية بدون علمهم أو موافقتهم.
وفي إطار الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عقد اليوم الأربعاء، الاجتماع السادس والعشرون حول “الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالحق في الخصوصية، الدكتورة آنا بريان نوغريرس”.
وقد سلطت المقررة الضوء على التحديات المعاصرة المرتبطة بجمع البيانات الشخصية دوليًا، داعية إلى تطوير إطار قانوني دولي ملزم قادر على حماية الحقوق الأساسية للمواطنين في ظل التدفق الرقمي غير المحدود للبيانات.
وأوضحت آنا بريان نوغريرس، أن المشهد الرقمي تغير جذريًا خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبح جمع البيانات الشخصية يتم على نطاق دولي واسع، وغالبًا دون وجود فعلي للجهات التي تجمعها داخل بلدان أصحاب البيانات.
حماية الحقوق الرقمية
وأكدت نوغريرس، أن أدوات مثل ملفات تعريف الارتباط وتطبيقات الهاتف المحمول أصبحت تشكل وجودًا تقنيًا يمكنها تتبع عادات التصفح وسجلات البحث وبيانات الموقع لملايين المواطنين دون علمهم أو إذنهم، ما يخلق فجوة كبيرة في حماية الحقوق الرقمية على الصعيد الدولي.
وأشارت إلى أن بعض الدول، مثل كولومبيا، رصدت منصات رقمية تعالج بيانات ملايين الأشخاص، بما في ذلك الأطفال، عبر آليات خفية تفتقر إلى الرقابة المحلية، ما يعكس الحاجة الملحة إلى ضوابط قانونية دولية صارمة.
وأكدت المقررة أن الحلول الأحادية للدول لم تعد كافية لمواجهة هذا التحدي، داعية إلى اتخاذ خطوات أساسية تشمل صياغة معاهدة دولية ملزمة قانونيًا تعالج تحديات جمع البيانات على المستوى الدولي، وتضمن حماية حقوق الأفراد بغض النظر عن مكان وجود جهة الجمع، مع تعديل نطاق اللوائح المحلية لتغطية الأنشطة العابرة للحدود، ومنع الشركات من استخدام غياب مقرها كذريعة للإفلات من المساءلة، مشددة على أن حماية الإنسان يجب أن تكون بلا حدود، تمامًا كما هي البيانات الرقمية.
وقدمت المقررة الأممية تفاصيل زيارتها الرسمية الرابعة إلى منغوليا في أبريل 2025 لتقييم الحق في الخصوصية ودعم التحقيق الذي تجريه اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بشأن حماية البيانات الشخصية والأمن السيبراني.
وأوضحت أن منغوليا أصدرت قانون حماية البيانات في 2022، وشرعت في تطبيق آليات رقابية جديدة، بما في ذلك منصة “إيماجولياد”، لتعزيز الشفافية والمساءلة في التعامل مع البيانات.
وأكدت أن التحدي لا يكمن فقط في وجود تشريعات كافية، بل في توفير آليات شكاوى فعالة يسهل الوصول إليها، وتعزيز مهارات المواطنين الرقمية، وبناء الثقة في المؤسسات، وتحقيق التوازن بين الابتكار والأمن وحماية الخصوصية.
وضع ضوابط واضحة
وخلال الجلسة، أكدت العديد من الدول على الفجوات القانونية الدولية والإقليمية في حماية الخصوصية، وأبرزت تحديات جمع البيانات عبر الحدود، فقد شددت النمسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي على ضرورة وضع ضوابط واضحة تحمي الأفراد عند معالجة بياناتهم عبر الحدود، مؤكدين أهمية المعايير الدولية لتعزيز الثقة والشفافية، وموضحين أن اللائحة العامة لحماية البيانات تعد نموذجًا يطبق تأثيره خارج حدود الاتحاد.
وفي المقابل، ركزت كينيا وتوغو وناميبيا والكاميرون وبوركينا فاسو على أهمية تعزيز الأطر الوطنية وفرض القوانين الإقليمية مثل اتفاقية الاتحاد الأفريقي بشأن الأمن السيبراني وحماية البيانات، لضمان عدم إفلات الجهات الرقمية من العقاب.
ومن جهتها، أكدت الصين والهند على ضرورة حماية الأمن القومي مع ضمان التدفق الآمن للبيانات، مع الإشارة إلى أن غياب إطار دولي ملزم يؤدي إلى ثغرات قانونية، وأوضحت الهند أن تشريعاتها الوطنية الحديثة تشمل معالجة البيانات الرقمية خارج حدودها عند تقديم سلع وخدمات للمواطنين.
ونوهت مصر ومالاوي وماليزيا بأهمية تحقيق توازن بين سيادة الدولة، وحماية الحق في الخصوصية، وتعزيز التعاون الدولي ونقل التكنولوجيا لتقليص الفجوة الرقمية.
وأبرزت الأكوادور وكوستاريكا وأوروغواي وتشيلي ضرورة وضع تشريعات واضحة تمنع استخدام ملفات تعريف الارتباط وتقنيات التتبع لجمع البيانات بشكل ينتهك حقوق الأفراد، مع الدعوة إلى آليات تعاون دولية لسد الثغرات القانونية.
كما أعربت أفغانستان عن قلقها من استخدام المراقبة الرقمية لاستهداف النساء والمدافعين عن حقوق الإنسان، داعية إلى إصدار تقرير خاص لرصد هذه الانتهاكات وتوفير حماية قانونية للناشطين في الخارج.
حماية بيانات الأطفال
وأكدت اليونيسف على حماية البيانات الشخصية للأطفال وضمان أولوية مصلحة الطفل في أي تشريع، مع وضع آليات رقابة ومساءلة فعالة، كما ركزت أرمينيا وكمبوديا وباكستان وكوبا وإيران على التحديات الناشئة عن غياب أطر دولية شاملة، داعين إلى تطوير معاهدة دولية أو آليات إقليمية لضمان المساءلة وحماية الحقوق الرقمية.
واختتمت المقررة الجلسة بالتأكيد على ضرورة اعتماد معاهدة دولية ملزمة قانونيًا تحمي الخصوصية عند جمع البيانات دوليًا، تشمل جميع الجهات وتضع آليات مساءلة فعالة، إلى جانب توسيع نطاق الأطر التشريعية المحلية لتشمل الحالات العابرة للحدود ومنع استخدام غياب المقر الرئيسي كذريعة للإفلات من المساءلة.
وشددت على أهمية تعزيز التعاون الدولي بين السلطات الوطنية والمؤسسات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني لتطبيق أفضل الممارسات وحماية الأفراد، ووضع آليات رقابة فعالة مع ضمان الوصول السهل للشكاوى، وزيادة الوعي الرقمي للمواطنين، وتعليم الأطفال حول حماية بياناتهم.
معالجة التحديات الناشئة
كما نبهت إلى ضرورة معالجة التحديات الناشئة من استخدام التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، دون المساس بحقوق الأفراد الأساسية.
وفي ختام الحوار، استعرضت منغوليا جهودها الوطنية لتعزيز حماية البيانات والخصوصية، بما في ذلك قانون حماية البيانات لعام 2022، وتطوير منصات رقمية لتعزيز الشفافية وتحسين الوصول إلى الخدمات العامة في المناطق النائية، مؤكدة التزامها بالمعايير الدولية للتعاون مع الأمم المتحدة في هذا المجال.
وشهد الحوار التأكيد من الدول والمنظمات الدولية على أن جمع البيانات الشخصية دوليًا يمثل تحديًا متعدد الأبعاد يتطلب حلولًا جماعية، مع ضرورة تجاوز الجهود الوطنية حدودها التقليدية ووضع إطار دولي ملزم يضمن المساءلة وحماية الحقوق، خصوصًا في ظل انتشار التكنولوجيا الحديثة، بما يحافظ على كرامة الإنسان وحقه في الخصوصية كركيزة أساسية لمجتمعات ديمقراطية وموثوقة.
